تقرير: موقعة القادسية.. دروس وعبر في مواجهة المحن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         شرح صحيح مسلم الشيخ مصطفى العدوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 489 - عددالزوار : 62051 )           »          الخوارج تاريخ وعقيدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 23 - عددالزوار : 645 )           »          صلة الأرحام تُخفِّف الحساب وتدخل الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          نماذج خالدة من التضرع لله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الإنسان والتيه المصنوع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          حجية السنة النبوية ومكانتها في الشرع والتشريع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          أيها الزوجان إما الحوار وإما خراب الديار ! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          المستشرق الإيطالي لْيونِهْ كايتاني، مؤسس المدرسة الاستشراقية الجديدة في إيطاليا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          حين يُمتهن العلم وتُختطف المعرفة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          البيت السعيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 05-01-2022, 04:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,550
الدولة : Egypt
افتراضي تقرير: موقعة القادسية.. دروس وعبر في مواجهة المحن

تقرير: موقعة القادسية.. دروس وعبر في مواجهة المحن

أحمد الشجاع



يتميز التاريخ الإسلامي بأن بتكامل الدروس والعبر وترابطها التام وشمولها كل جوانب حياة المسلمين في كل زمان ومكان.
فدروس موقعة القادسية لا تتوقف في الجانب العسكري بل تمتد إلى الجوانب السياسية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية.
وقد حوت هذه الموقعة صوراً شتى من منهج الجيل الإسلامي الأول في خدمة الإسلام، ودروساً عظيمة في التعامل مع الأزمات والمحن، وفي التعامل مع الأمم الأخرى.
ولذلك سيركز هذا التقرير على جانب التعامل مع الأزمات، ومنهج الصحابة في التعامل مع أعدائهم.. حيث سنجد أن الغاية ليست الهيمنة بل الهداية والإصلاح.
نحو القادسية
بعد أن تحرك سعد بن أبي وقَّاص بالجيش الإسلامي (32 ألف جندي) الذاهب لحرب الفرس من منطقة (زَرُود) ووصل إلى (شَرَاف)، وصلت رسالة من عمر بن الخطاب بتعبئة الجيش (أي بتنظيمه وترتيبه وكأنه على قتال)، وأمره بالتحرُّك من (شراف) إلى القادسية وهو على تعبئةٍ كاملةٍ حتى إذا باغتته جيوش فارسٍ في أية لحظة يكون على استعداد كاملٍ لها.
بدأ سعد بن أبي وقاص يرتِّب جيشه وهو في شراف، فجعل خليفته خالد بن عرفطة (وهو أحد فرسان العرب المشهورين، ولم يتوجه لحرب فارس قبل ذلك)، وجعل على المقدمة زهرة بن الحُوِيَّة، وكانت لكل الجيوش الإسلامية مقدمات، ولكن سعدًا جعل لجيشه مقدمة وطلائع. وكانت فرقة الطلائع من أشد فرسان المسلمين مهارة وجسارة وقوة، واختار لهذه الطلائع قوة من كل القبائل، وكانت تحت إمرة سواد بن مالك، وكانت مهمة الطلائع أن تسير في مقدمة الجيش أبعد من مرمى بصر الجيش، لتكون عيوناً على الجيش الفارسي؛ حتى لا يُباغِت الجيشَ الإسلاميَّ، وتلي المقدمةُ الطلائعَ.
وجعل على المقدمة عبد الله بن المعتم، وعلى الميسرة شُرَحْبِيل بن السِّمْط، وعلى المشاة حَمَّال بن مالك، وعلى الخيول سلمان بن ربيعة الباهلي، وكان من المعروف أن أشد خيول العرب في قبيلة باهلة، وجعل عبد الله الخثعمي على الركبان وهي الإبل، وجعل على مؤخرة الجيش عاصم بن عمرو التميمي، صاحب السبق العظيم في حروب فارس قبل هذه الموقعة.
وجعل كل مجموعة من جيشه تحت إمرة أمير، ثم قسَّم المجموعات إلى رايات، وتحت أمراء الرايات رؤساء القبائل، وتحت كل قبيلة العرفاء، أي على كل عشرة من الجند عريف، فالسُّلَّمُ هرميٌّ، فعلى كل عشرة عريف، وعلى كل مائةٍ رئيس قبيلة، وعلى كل ألف حامي الراية، وعلى كل المجموعة أمير الفرقة سواءً كانت مقدمة أو مؤخرة أو ميمنة أو ميسرة؛ وذلك حتى تصل الأمور بسهولة ويُسْر إلى كل الأفراد.
وأثناء تحرُّك سعد من شِرَاف إلى "عذيب الهجانات" أتته الوصية التي كان قد أوصى بها المثنى بن حارثة قبل وفاته مع المُعَنَّى بن حارثة، وفي الرسالة: "لا تقاتل الفرس إلا على أبواب الصحراء، ولا تعبر نهراً، وَضَعِ الصحراء في خلفك، حتى إذا كان لك النصر انسحت في أرضهم، وإن كانت الأخرى كانت لك الصحراء مجالاً للرجوع".
وتنطلق هذه الوصية من الاستفادة من خطأ معركة الجسر، وهو عبور المسلمين النهر، فكانت المياه من خلفهم والفرس من أمامهم، واستُشْهِد في "الجسر" وحدها أربعة آلاف من المسلمين، وكان الفرس لا يجرءون على القتال في الصحراء؛ نظراً لتعدد الدروب والمسالك وكثرة المجاهل بها، وإذا ضلَّ أحد الجيوش فيها فربما يهلك من الجوع والعطش.
ومع وصول رسالة المثنى مع المُعنَّى، وصلت رسالة من عمر بن الخطاب أيضاً فيها: ألاّ يقاتل الفرس إلا على أبواب الصحراء، وألا يجعل المياه في خلفه، وأن يجعل الصحراء خلف جيشه.
وكان هذا التوافق في الرأي يدل على بعد النظر وعمق التفكير، فقد استفاد المثنى بن حارثة كثيراً من تجاربه السابقة، وعمر بن الخطاب وهو في المدينة يرى الرأي الصائب، وهو على بُعد مئات الأميال من القادسية؛ لعمق فكره وحسن تخطيطه وإدارته.
وأرسل سعد طلائعه إلى "عُذَيب الهجانات" قبل أن يصلها هو بالجيش، وكان بها حصن عظيم وهو أول حصون في جنوب فارس، وقد وصلت الطلائع قرب الليل، ونظروا فوجدوا للحصن نوافذ كثيرة، وكل مدة يظهر أحد الرجال من إحدى نوافذ الحصن ويختفي مرة أخرى، ثم يظهر آخر في نافذة أخرى ويختفي، وهكذا.
فوقفوا برهة، وشعروا بوجود جيش للفرس في هذا الحصن، ثم أمرهم حمّال بن مالك بالهجوم على الحصن، ففوجئوا بعدم وجود أحد فيه، ووجدوا رجلاً واحداً يجري بعيداً عنهم بفرسه في اتجاه المدائن، فعلموا أنه أحد عيون الفرس، وأنه منطلق لإخبارهم بأمر المسلمين، وانطلقت خلفه الطلائع فأعجزهم ولم يستطيعوا اللحاق به، وقدمت بعد ذلك المقدمة وعليها زهرة بن الحُوِيَّة، فلما علم زهرة بهذا الأمر - أَمْرَ الرجل - قال: والله لو وصل هذا العين إلى فارس، علمت فارس بقدومنا. فأسرع بنفسه وسابق خيول المسلمين وسبقهم، وأدرك الرجل في خندق سابور على حدود القادسية واقتتل معه وقتله في خندق سابور، وبهذا لم تصل - حتى هذه اللحظة - أخبار المسلمين إلى فارس بفضل الله تعالى، ثم بفضل هذا المثال النادر من المسلمين زهرة بن الحُوِيَّة، والذي أحسنَ سعد بن أبي وقاص باختياره قائداً على المقدمة.
وقبل أن يصل سعد إلى "عُذيب الهجانات" تصله رسالة من عمر بن الخطاب أن يعسكر في القادسية، وقال له: "صِفْ لي المكان كأني أراه رأي العين، ولا تدخل على أرض العراق إلا أن يدخلوا هم عليك".
وتقدم سعد ووصل إلى "عُذَيْب الهِجانات" ويعسكر فيها مدة، إلى أن تكتشف الطلائعُ والمقدمةُ منطقةَ القادسية وما حولها لتأمين دخول الجيش هذه المنطقة.
تختلف خطة الجيش الإسلامي في معركة القادسية عن غيرها من الخطط في المعارك الأخرى، ومن الواضح في معارك الجيش الإسلامي الكثيرة، ومواقعه المتعددة أنه يعتمد خطة الهجوم على الجيوش الفارسية في مواقعها، لكن هذه المرة يأمر عمر بن الخطاب الجيش أن يبقى في القادسية ولا يتركها؛ لخوفه من الإعداد الضخم الذي يُعِدُّه الفرس لهذه المعركة، ويحرص على عدم توغل المسلمين في الأراضي الفارسية؛ حفاظًا عليهم من الهلكة.


الغارات التموينية والوصية العمرية
كان وصول سعد "عذيب الهجانات" في منتصف صفر 15هـ، وعسكر فيها ما يقرب من شهر، وإذا نظرنا إلى العدد الكبير للجيش الإسلامي (32 ألفاً من الجنود)، نجد أنهم كانوا بحاجة دائمة إلى التموينات، وإذا أرادوا أن يأكلوا لحوماً مثلاً كانت الناقة تكفي مائة جندي، ففي اليوم يحتاج إلى 320 من الجمال، فالجيش إذن يحتاج إلى تمويل ضخم جدّاً، وعمر بن الخطاب يموِّن الجيش من بيت مال المسلمين، لكن مهما كان حجم ما يأتي من المدينة فلا شك أنه سيكون أقل من حاجة الجيش، وهناك نقص كبير في اللحوم خاصةً، فكلما طالت مدة انتظار الفرس كلما زاد العبء على المسلمين، فبدأ المسلمون بعمل ما يُسمَّى بالغارات التموينية تحفيزاً لإسراع الفرس في القدوم للحرب، وفي الوقت نفسه يتمُّ تموين الجيش من خلال هذه الغارات.
أمر سعد الطلائع والمقدمة بعمل هذه الغارات، وأرسل زهرة بن الحُوِيَّة - وهو في "عذيب الهجانات" - فرقة من طلائعه إلى مكان يُسمَّى صِنَّينَ (وهي على بعد 10 إلى 15 كم من الحيرة)، وعلى رأس الفرقة التي لا تتعدى الثلاثين فارساً بكير بن عبد الله، وتصل الفرقة إلى "صنين" فيسمعون أصوات عُرسٍ لأحد أمراء فارس، ولا شك أن في العرس هدايا ثمينة يهديها الأمراء بعضهم لبعض في هذه المناسبات إلى جانب الماشية والأغنام والإبل وغير ذلك، وينتظر بشير بن عبد الله في وسط الغابات التي كانت منتشرة في تلك المنطقة، وعند مرور العرس ووصول الحامية التي ترافق العرس هجمت الفرقة عليهم؛ ففروا في كل وجهة وتركوا العُرسَ بما فيه، وسبى المسلمون العروسَ والتوابع، وأخذوا الغنائم وعادوا بها، وقبل أن يَصِلُوا كبَّروا، فقال سعد لجنوده: أقسم أن هذه تكبيرة قومٍ عُرفت فيهم العز.
فكانت هذه أول الغارات التموينية للمسلمين، وكان فيها إهانة كبيرة لأحد أمراء فارس في زواجه، وبدأ أهل تلك المنطقة يراسلون يزدجرد في المدائن ويخبروه أن جيوش المسلمين على مقربة.
ثم أرسل زهرةُ بن الحُوِيَّة عاصمَ بن عمرو التميمي - وكان قائداً للمؤخرة - نظراً لشجاعته - إلى منطقة "مَيْسان" شرق الفرات، ووجدوا مجموعة كبيرة من الفلاحين، ولكن دون أن يكون معهم أغنام، فتعجبوا من هذا الأمر وهو عدم وجود إبل وماشية في هذه المنطقة الزراعية، فقام أحد الفلاحين وقال: والله ما في هذا المكان من إبل ولا ماشية قَطُّ. فخار ثور ساعتها يكذب الراعي، وذهب المسلمون إلى مصدر الصوت في وسط الغابات الكثيفة، فوجدوا أعداداً كبيرة من المواشي، وساقوها للجيش، وسُمِّيَ هذا اليوم بيوم "الأباقر" من كثرة ما أخذوا فيه من البقر، وكان في هذا تموين للجيش فترة كبيرة.
وأرسل الأمراء على الفور إلى يزدجرد، وبدأ الفرس يتأثرون ويتحمسون لوقف المسلمين عن شن هذه الغارات التي تقلقهم كثيراً.
في هذا التوقيت أرسل عمر بن الخطاب بعد أن علم بهذه الأحداث - الغارات التموينية - وبعد أن خشي من اندفاع المسلمين لقتال الفرس في أراضيهم، فقال: "الصبرَ الصبرَ، فإن المعونة تأتي من الله على قدر النية، والأجر على قدر الجهد، والحذرَ الحذرَ على ما أنت عليه، وما أنت بسبيله، واسألوا الله العافيةَ، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وخَفِ اللهَ وارْجُهُ، ولا تغترَّ بشيء. واعلم أن الله قد وعدكم، وتوكَّل لهذا الأمر، فاحذر أن تصرفه عنك فيستبدل بكم غيركم، وصفْ لي مساكنكم كأني أراها، واجعلني من أمركم على الجلية".
وأرسل سعد بن أبي وقاص رسالة إلى عمر بن الخطاب يصف له القادسية، يقول:
"القادسية مكان بين نهر العتيق وخندق سابور". القادسية هي مكان يقع في الجنوب الغربي للحيرة على أبواب الصحراء، ونهر العتيق هو أحد روافد نهر الفرات يخرج منه متجهاً إلى الغرب، وخندق سابور يقع جنوبي منطقة القادسية، وهو خندق قديم للفرس يحاصر معظم غرب العراق، وفيه بعض الأماكن التي يمكن العبور منها، لكن على كلٍّ منها حصنٌ عظيم لمنع عبور أي مجموعة، وأمام القنطرة الرئيسية للخندق يقع حصن يُسمى (قديس).
ثم يقول سعد: "وعن يمين منطقة القادسية فيض من فيوضهم (أي بحيرة تصل من نهر العتيق وحتى خندق سابور)، وفي شمال القادسية بحر أخضر"، أي مستنقع به ماء وشجر كثير.
وعندما وصلت الرسالة إلى عمر قال له: "الزم مكانك".
ثم يقول له: "إذا منحك الله أكتافهم، فلا تتركهم حتى تغزو المدائن؛ فإن في ذلك خرابها، والوفاءَ الوفاءَ، فإن الخطأ في الغدر هلكة (أي يوصيه بالوفاء لأهل القرى التي ما زالت على صلحها مع المسلمين)، وفيه (أي الغدر) وَهَنُكم وقوة عدوكم، واحذروا أن تكونوا شينًا على المسلمين".
بعد أن سيطرت الطلائع والمقدمة على حصن قديس، كان الجيش الإسلامي ما زال في مكانه لم يعبر خندق سابور بعد، وإن كان في نيته العبور.
وتعلم المخابرات الإسلامية أن رستم على رأس الجيش، فيرسل سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب أن الفرس يُعِدُّون لنا جيشاً لم نسمع عنه من قبل، على رأسه رستم ومن شابهه.
وقد كان على رأس مقدمة جيش فارس جالينوس وهو أحد القادة الكبار، وكان قوام المقدمة 40 ألفًا، أي أن مقدمة الفرس وحدها تزيد على كل الجيش المسلم بثمانية آلاف، ومن بين القواد أيضاً بهمن جاذويه الذي انتصر على المسلمين في الموقعة الوحيدة التي انتصر فيها الفُرْسُ (الجسر).
وردَّ عليه عمر بن الخطاب قائلاً له: "لا يَفْرِيَنَّك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتَوَكَّلْ عليه". ثم يقول له: "وابعث إليهم رجالاً من أهل الرأي يدعونهم إلى الإسلام؛ فإن في ذلك وهنًا لهم".
وفدٌ عزيزٌ بدينه
نرى في هذا الموقف حرص عمر بن الخطاب على الدعوة إلى الإسلام حتى في هذه الظروف، وإضافة إلى تبليغهم دعوة الإسلام تُرهَب نفوسُهم من جرأة المسلمين عليهم.
وبدأ سعد في انتقاء الوفد الذي يقابل يزدجرد الثالث كسرى فارس، ومرَّ على الجيش كله، وانتقى 14 رجلاً؛ سبعة من أهل الرأي وسبعة من أهل المهابة.
يقول الرواة: إن الأربعة عشر رجلاً كانوا جميعاً أصحاب هيئة وجسامة، وكانوا جميعاً يزيدون في طولهم على المترين، وعلى رأسهم النعمان بن مُقَرِّن الصحابي الجليل الذي أسلم في العام الخامس الهجري، وأول مشاهده غزوة الأحزاب، وأسلم هو وإخوته جميعاً -عشرة إخوة- وشاركوا في فتح فارس، وكان عبد الله بن مسعود يقول: إن للنفاق بيوتاً، وإن للإيمان بيوتاً، وإن بيت بني مُقَرِّن لمن بيوت الإيمان، وفيهم نزل قول الله تعالى: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99].
فكان النعمان على رأس هذا الوفد، وكان رجلاً ذا مقالة، ومعه بُسر بن أبي رُهم.. وفي الوفد حنظلة بن الربيع، وكان من خطباء الجاهلية والإسلام، وسُمِّيَ حنظلة الكاتب، وفرات بن حيان، وكان أكثر العرب خبرة بالطرق، وكان قد أسلم في العام الثاني للهجرة. ومع الوفد أيضاً المغيرة بن زرارة أحد صحابة النبي، ومن أصحاب المقالة أيضاً في الجاهلية والإسلام، وعدي بن سهيل وهذا الاسم غير معروف، ويبدو أنه سهيل بن عدي، ولعله نُقِلَ خطأً، حسب ما ذكره الدكتور راغب السرجاني. وفي الوفد أيضاً حَمَلة بن جُويَّة.
وكان على رأس أهل المهابة والقوة في الجسد عاصم بن عمرو التميمي أخو القعقاع بن عمرو التميمي، والمُعَنَّى بن حارثة أخو المثنَّى رضي الله عنهما، وعطارد بن حاجب، وهذا الرجل هو الوحيد الذي دخل قبل ذلك إيوان كسرى، وعمرو بن معد يكرب، وكان من أشهر فرسان العرب، وكان قد فقد إحدى عينيه في سبيل الله، وكان عمر بن الخطاب يسأل: أي سيوف العرب أمضى؟، قالوا: صمصامة، وهي صفة من صفات سيف عمرو بن معديكرب، فأرسل له: أن أرسل لي سيفك. فأرسله له، فأمسك به عمر بن الخطاب وضرب به فوجده على غير ما كان يتوقع من القوة والمتانة، فأرسل إليه: والله كنا نظن سيفك على أحسن من هذا. فقال له: والله يا أمير المؤمنين لقد أرسلت إليك بالسيف، ولم أرسل إليك بالساعد الذي يضرب بالسيف.
وفي الوفد المغيرة بن شعبة الحارس الشخصي للرسول، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان أشهر فارس في قبيلة كندة. واختير لهم أفضل أربعة عشر من الخيول، ولبسوا أفضل اللباس، وخرجوا جميعاً لمقابلة يزدجرد ودعوته إلى الإسلام.
وعلم الفرس بقدومهم، فخرج الشعب الفارسي ليشاهد هؤلاء العرب الذي كانوا يعتقدون أنهم أعراب أجلاف ليس لهم في الحرب شيء.
تقول إحدى النساء اللائي أسلمن بعد ذلك: فوقفنا ننظر إليهم، والله ما رأينا أربعة عشر مثلهم قَطُّ يعادَلون بألف، وإن خيولهم لتنفث غضباً وتضرب في الأرض، ووقعت في قلوبنا المهابة وتشاءمنا.
وأرسل يزدجرد إلى أهل الرأي يستشيرهم في مقابلة الرسل المسلمين أم لا، فأشاروا عليه أن يقابلهم، فأمر يزدجرد بدخول الوفد عليه والحديث معه.
عندما شاهد أهل فارس هذا المنظر تشاءموا من القوة الإسلامية، وبدءوا ينتظرون ما سيفعله هؤلاء المسلمون الأربعة عشر، وهؤلاء المسلمون هم الذين أذاقوهم الويل، وفي خلال شهور معدودة استطاعوا أن يجتاحوا أرض فارس كلها.
وعلم يزدجرد أن الوفد واقف على باب إيوان كسرى، وإيوان كسرى هذا عبارة عن مساحة ضخمة جدّاً من الأرض حولها سور عالٍ، وهذا السور لا يستطيع أحد خارجه أن يرى ما بداخل القصر؛ فالسور عالٍ وبداخله قصر، وحول القصر حديقة هائلة، فدخلوا بخيولهم حتى وصلوا إلى باب القصر، فنزلوا عن خيولهم، وتَرَجَّلوا حتى وصلوا إلى باب الغرفة الكبيرة الموجود فيها كرسي العرش ليزدجرد كسرى فارس، ودخل الأربعة عشر فارساً من المسلمين على كسرى فارس، وكان عطارد بن حاجب قد دخل هذا الإيوان من قبل على كسرى فارس، فأخذ يشرح لهم ما سيشاهدونه داخل الإيوان حتى لا يفاجأوا بالمنظر الذي سيرونه بالداخل، وبالفعل لم يظهر عليهم أي مفاجأة على عكس ما توقع أهل فارس.
وهذه الحجرة عبارة عن حجرة فسيحة جدّاً، على أرضيتها سجادة هي أكبر سجادة في التاريخ، فمساحتها ضخمة جدّاً تُقدَّرُ بأكثر من ستين متراً عرضاً، وأكثر من ثمانين متراً طولاً، والسجادة نفسها بالإضافة إلى أنها مصنوعة من نوعيات فخمة جدّاً من النسيج إلا أنها مرصعة بالجواهر، وهذه السجادة هي التي غنمها المسلمون بعد موقعة المدائن، وأرسلوها لسيدنا عمر بن الخطاب في المدينة، فلم يستطع أن يتصرف فيها، فما الذي يفعله بسجادة مرصعة بالجواهر؟، فضلاً عن أن المسلمين لم يكونوا - وقتئذٍ - من أهل الاحتفاظ بهذه الأشياء، ولم يكن للدنيا عندهم وزن أو قيمة.
ولقد خشي عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أن يأتي أحد أمراء المسلمين بعد قرونٍ أو أعوامٍ، فيطمع في مثل هذه السجادة فيأخذها لنفسه، فأشار عليه علي بن أبي طالب أن يقطعها إلى أجزاء؛ فيقول علي بن أبي طالب: "فكان لي نصيب منها بِعْتُه بعشرين ألف درهم".

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 181.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 180.25 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.92%)]