إني أخاف أن أسلب التوحيد! - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 9 - عددالزوار : 1467 )           »          عرفان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          الأخ قبل المال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          ضرر الجدال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تلحين الوحي وتطريب الوعظ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          دفء القلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          وتبتل اليه تبتيلا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الحور العين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          سورة البقرة… في رحاب البركة ومصباح الهداية وكنف النور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          مغذيّات الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-12-2025, 10:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,439
الدولة : Egypt
افتراضي إني أخاف أن أسلب التوحيد!

إنِّي أَخافُ أنْ أُسلبَ التوحيدَ!

د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم

الحمدُ للهِ الحميدِ، ذي العرشِ المجيدِ، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ شهادةَ التوحيدِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ التسليمَ المزيدَ.

أما بعدُ، فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102].

أيها المؤمنون!
سفيانُ الثوريُّ إمامٌ من أئمةِ الدينِ في القرنِ الثاني المفضَّلِ. لُقِّبَ بشيخِ الإسلامِ لإمامتِه. جمعَ اللهُ له بين العلمِ والخشيةِ، فكان له في العلمِ قدَمٌ راسخةٌ، وله في الخشيةِ مقامٌ عليٌّ. شهدَ بإمامتِه أولو العلمِ ممن عاصروه أو وقفوا على مآثرِه. وكان أكثرَ ما يتملَّكُ همَّه، ويُشْغِلُ فكرَه، ويَستدرُّ دمعَه تلك اللحظةُ التي يَحُلُّ فيها الموتُ، وبها يكونُ ختامُ العملِ الذي يُبْعَثُ عليه؛ وبه تكونُ السعادةُ أو الشقاوةُ. وكان أخوفَ ما يخافُ عند حلولِ منيَّتِه أن يُسلَبَ أغلى ما يَملكُ من عقيدةِ التوحيدِ التي أَفنى عمرَه في تعلُّمِها ونشرِها والذَّوْدِ عنها؛ لعلمِه التامِّ بأنها مَعْقِدُ النجاةِ، وأنَّه لا يُوفَّقُ للموتِ عليها إلا من سبقتْ له من اللهِ الحسنى؛ فثبَّتَه على الاستمساكِ بعروتِها الوثقى. حدَّثَ عنه من كان ملازمًا له على دابتِه التي تَحْمِلُهم حجاجًا لبيتِ اللهِ -جلَّ وعلا-، فقال: " كُنْتُ عَدِيلَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُكْثِرُ الْبُكَاءَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، بُكَاؤُكَ هَذَا خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ عُودًا مِنَ الْمَحْمَلِ فَرَمَى بِهِ، وَقَالَ: لَذُنُوبِي أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ هَذَا، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ ‌أُسْلَبَ ‌التَّوْحِيدَ! ". وكان في حياتِه كثيرًا ما يقصدُ الصالحين طالبًا منهم الدعاءَ له بالموتِ على التوحيدِ؛ فقد كان يَأْتِي إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ، وَيَقُولُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ ‌يَقْبِضَنَا ‌عَلَى ‌التَّوْحِيدِ! وظلَّ ذلك الخوفُ ملازمًا له حتى حضرَه الأجلُ، فجعلَ يبكي، فقيلَ له: يا أبا عبدِاللهِ، عليك بالرجاءِ؛ فإنَّ عفوَ اللهِ أعظمُ من ذنوبِك! فقال: أوَ على ذنوبي أبكي؟! لو علمتُ أنَّي أموتُ على ‌التوحيدِ لم أُبالِ أنْ ألقى اللهَ -تعالى- بأمثالِ الجبالِ من الخطايا، ذنوبي أهونُ من هذه -ورفعَ حبَّةً من الأرضِ-؛ إنِّما أخافُ أنْ أُسلبَ ‌التوحيدَ في آخرِ الوقتِ! قال ابنُ القيِّمِ مُعَقِّبًا: " وَهَذَا مِنْ ‌أَعْظَمِ ‌الْفِقْهِ: أَنْ يَخَافَ الرَّجُلُ أَنْ تَخْذُلَهُ ذُنُوبُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَتَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَاتِمَةِ الْحُسْنَى ".

عبادَ اللهِ!
إنَّ الخوفَ من فقدانِ التوحيدِ أمرٌ واجبٌ، وهو شعارُ أهلِ الخشيةِ العالمين باللهِ؛ قائدُهم في تلك الخشيةِ خليلُ اللهِ -عليه الصلاةُ والسلامُ- الذي بلغَ الغايةَ في العلمِ بربِّه والقيامِ بحقِّه وبلوغِ المنزلةِ عنده، وكانت مناجاتُه لربِّه تَشِعُّ بالخوفِ العظيمِ من الوقوعِ في براثنِ الشركِ في أوضحِ صُوَرِه؛ إذ كانت هُجِّيرى دعائه طلبَ السلامةِ له ولذرِّيتِه من الشركِ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ ‌الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ[إبراهيم: 35-36]؛ فكيف بالأنامِ الذين لم ولن يبلغوا قدْرَه مع دقيقِ مساربِ الشركِ وجليلِها، وتنوُّعِ صورِها وتجددِها، وتعاظمِ أمواجِ الفتنِ، وفشوِّ النفاقِ؟! قال ‌إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: "مَنْ ‌يأمنُ ‌البلاءَ بعد قولِ ‌إبراهيمَ: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ إِنَّ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: 35]؟! ". ذُكِرَ الدَّجَّالُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ -رضيَ اللهُ عنه- فَقَالَ نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ: لَغَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الدَّجَّالِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ نَوْفٌ: أَخَافُ أَنْ ‌أُسْلَبَ ‌إِيمَانِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ! فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْكِنْدِيَّةِ! وَهَلْ فِي الْأَرْضِ خَمْسُونَ يَتَخَوَّفُونَ مَا تَتَخَوَّفُ؟! ثُمَّ قَالَ: وَثَلَاثُونَ؟! ثُمَّ قَالَ: وَعِشْرُونَ؟! ثُمَّ قَالَ: وَعَشَرَةٌ؟! ثُمَّ قَالَ: وَخَمْسَةٌ؟! ثُمَّ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ؟! كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! ثُمَّ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَمِنَ عَبْدٌ عَلَى إِيمَانِهِ إِلَّا سُلِبَهُ، أَوِ انْتُزِعَ مِنْهُ فَيَفْقِدُهُ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْإِيمَانُ إِلَّا كَالْقَمِيصِ يَتَقَمَّصُهُ مَرَّةً وَيَضَعُهُ أُخْرَى. وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: " لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَخْوَفَ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8].

عبادَ اللهِ!
إنما عَظُمَ خوفُ الراسخين العالمين باللهِ من سلبِ التوحيدِ؛ باستشعارِهم فداحةَ سلبِه، واستحضارًا للضعفِ البشريِّ؛ فالمرءُ لا يملكُ قلبَه الذي من شأنِه الضعفُ وكثرةُ التقلُّبِ، وأمرُ إقامتِه على التوحيدِ وإزاغتِه؛ ليست إلى العبدِ، بل هيَ بيدِ اللهِ وحده، قال أنسُ بنُ مالكٍ -رضيَ اللهُ عنه-: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‌يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «‌يَا ‌مُقَلِّبَ ‌القُلُوبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؛ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» رواه الترمذيُّ وأصلُه في مسلمٍ. قال أبو الدرداءِ -رضيَ اللهُ عنه-: " وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَقَلَّبُ عَنْ دِينِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَيُخْلَعُ مِنْهُ ". وقال عبدُاللهِ بنُ المباركِ: " إِنَّ ‌البُصرَاءَ لَا يَأْمنُوْنَ مِنْ أَرْبَعٍ: ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يُدْرَى مَا يَصْنَعُ فِيْهِ الرَّبُّ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يُدْرَى مَا فِيْهِ مِنَ الهَلَكَةِ، وَفَضْلٍ قَدْ أُعْطِيَ العَبْدُ لَعَلَّهُ مَكْرٌ وَاسْتِدْرَاجٌ، وَضَلَالَةٌ قَدْ زُيِّنَتْ، يَرَاهَا هُدَىً، وَزَيْغِ قَلْبٍ سَاعَةً فَقَدْ يُسلَبُ المَرْءُ دِيْنَهُ وَلَا يَشعُرُ ". وأكثرُ ما يُسلبُ المرءُ التوحيدَ حالَ جُثُومِ الفتنِ وقلِّةِ العبادةِ مع التعلُّقِ بالدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ ‌يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ ‌بِعَرَضٍ ‌مِنَ ‌الدُّنْيَا " رواه مسلمٌ. ويزدادُ خوفُ الراسخين من سلبِ التوحيدِ أنْ يكونوا تلَطَّخوا بشعبةٍ من شعبِ النفاقِ أو إصرارٍ على ذنبٍ يفضي بهم إلى سلبِ الإيمانِ، قال ابنُ رجبٍ: " الإصرارُ على المعاصي وشُعَبِ النفاقِ من غير توبةٍ يُخشى منها أنْ يُعاقَبَ صاحبُها بسلبِ الإيمانِ بالكليةِ وبالوصولِ إلى النفاقِ الخالصِ وإلى سوءِ الخاتمةِ -نعوذُ باللهِ من ذلك-، كما يُقالُ: " إنِّ المعاصيَ بريدُ الكفرِ". " قَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: الْمُرِيدُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْمَعَاصِي، وَالْعَارِفُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكُفْرِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّفَاقَ، وَيَشْتَدُّ قَلَقُهُمْ وَجَزَعُهُمْ مِنْهُ، فَالْمُؤْمِنُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ النِّفَاقَ الْأَصْغَرَ، وَيَخَافُ أَنْ يَغْلِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْخَاتِمَةِ، فَيُخْرِجُهُ إِلَى النِّفَاقِ الْأَكْبَرِ". قيل لِأَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ: هَلْ أَدْرَكْتَ ‌مِمَّنْ ‌أَدْرَكْتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَخْشَوْنَ النِّفَاقَ؟ -وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: نَعَمْ؛ إِنِّي أَدْرَكْتُ مِنْهُمْ -بِحَمْدِ اللَّهِ- صَدْرًا حَسَنًا، نَعَمْ شَدِيدًا! نَعَمْ شَدِيدًا! وقال ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: "‌أَدْرَكْتُ ‌ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ"، وقال الحسنُ البصريُّ: " إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا رَأَوْا هَذَا النِّفَاقَ يَغُولُ الْإِيمَانَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَمٌّ غَيْرَ النِّفَاقِ ". وقال أَبَو إِسْحَاقَ ‌الْفَزَارِيُّ لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: " يَا أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا جَمَعَ مِنَ الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِمَّا جَمَعْتَ وَجَمَعْتُ، فَاحْتُضِرَ، فَشَهِدْتُهُ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ: ‌لَا ‌أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَهَا! ثُمَّ تَكَلَّمَ، فَيَتَكَلَّمُ. قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقِيلَ: كَانَ عَاقًّا بِوَالِدَيْهِ؛ فَظَنَنْتُ أَنَّ الَّذِي حُرِمَ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ؛ لِعُقُوقِهِ بِوَالِدَيْهِ ". وقَالَ عَبْدُالْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ: حَضَرْتُ رَجُلًا عِنْدَ الْمَوْتِ يُلَقَّنُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ فِي آخِرِ مَا قَالَ: هُوَ كَافِرٌ بِمَا تَقُولُ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ! قَالَ: فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ مُدْمِنُ خَمْرٍ. فَكَانَ عَبْدُالْعَزِيزِ يَقُولُ: اتَّقُوا الذُّنُوبَ؛ فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي أَوْقَعَتْهُ! قال الحافظُ عبدُالحقِّ الإشبيليُّ: " ويُروى أَنه كَانَ بِمصْرَ رجلٌ يلْزمُ مَسْجِدًا للأذانِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَعَلِيهِ بهاءُ الطَّاعَةِ وأنوارُ الْعِبَادَةِ، فرقيَ يَوْمًا المنارةَ على عَادَتِه للأذانِ، وَكَانَ تَحت المنارةِ دَارٌ لذِمِّيٍّ نَصْرَانِيٍّ، فَاطَّلعَ فِيهَا، فَرَأى ابْنةَ صَاحبِ الدَّارِ، فَافْتُتِنَ بهَا، فَتركَ الْأَذَانَ، وَنزلَ إِلَيْهَا، وَدخلَ الدَّارَ عَلَيْهَا، فَقَالَت لَهُ: مَا شَأْنُك؟ وَمَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أَنْتِ أُرِيدُ، قَالَت: لماذا؟ قَالَ لَهَا: قد سَلَبتِ لُبِّي، وَأخذتِ بِمَجَامِعِ قلبِي! قَالَت لَهُ: لَا أجيبُكَ إِلَى رِيبَةٍ، قَالَ لَهَا: أتزوَّجَكِ، قَالَت: أَنْت مُسلمٌ وَأَنا نَصْرَانِيَّةٌ، وَأبي لَا يزوِّجُني مِنْكَ، قَالَ لَهَا: أتنصَّرُ!! قَالَت: إِنْ فعلتَ أفعلُ؛ فَتَنَصَّرَ الرجلُ ليتزوجَها، وَأقَامَ مَعَهم فِي الدَّارِ، فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاءِ ذَلِك الْيَوْمِ رقى إِلَى سطحٍ كَانَ فِي الدَّارِ، فَسقطَ مِنْهُ، فَمَاتَ؛ فَلَا هُوَ بهَا اتَّصلَ، وَلَا هُوَ بِدِينِهِ حصلَ؛ فنعوذ بِاللَّه! ثمَّ نَعُوذ بِاللَّه!". ويَزيدُ خوفُ العالِمين باللهِ من سلبِ التوحيدِ أنْ يكونَ حبوطًا لأعمالِهم وهمْ لا يَشعرون، كما حذَّرَ اللهُ من ذلك برفعِ الصوتِ عند رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ ‌لَا ‌تَشْعُرُونَ[الحجرات: 2]، فكيف بالذي يردُّ سُنَّتَه؟! ويقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ ‌لَيَتَكَلَّمُ ‌بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بالًا، يرفعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ ‌لَيَتَكَلَّمُ ‌بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهوي بها في جهنَّمَ" رواه البخاريُّ.

أيها المسلمون!
ويزيدُ خوفُ العارفين بسلبِ التوحيدِ خفاءُ علمِ اللهِ السابقِ بما سَيَخْتِمُ لهم؟ وقد قيلَ: إِنَّ قُلُوبَ الْأَبْرَارِ مُعَلَّقَةٌ بِالْخَوَاتِيمِ. وعظَ أحدُ السلفِ أخًا له فقال: هَلْ أَبْكَاكَ قَطُّ عِلْمُ اللَّهِ فِيكَ؟ ويزدادُ خوفُهم من سلبِ التوحيدِ باستشعارِهم شدةَ كيدِ الشيطانِ في الإضلالِ الذي يكونُ أشدَّ ما يكونُ عند ساعةِ الاحتضارِ. قال صالحُ بنُ الإمامِ أحمدَ: حضرتْ أبي -رحمَه اللهُ- الوفاةُ، فجلستُ عنده وبيدي الخرقةُ لِأشدَّ بها لَحيْيه، فجعلَ يَعرَقُ، ثم يفيقُ ويفتحُ عينيه ويقول بيده هكذا: ‌لا ‌بعدُ! ‌لا ‌بعدُ! ثلاثَ مراتٍ، ثم قلتُ له: يا أبتِ، أيْشٍ هذا الذي قد لَهجتَ به في هذا الوقتِ؟ قال: يا بُنيَّ، ما تدري؟ قلت: لا، قال: إبليسُ -لعنَه اللهُ- قائمٌ حِذائي عاضٌّ على أناملِه، يقولُ لي: يا أحمدُ! ‌فُتَّنِي، فأقولُ: لا حتى أموتُ. قال ابنُ القيِّمِ: " وإذا كان العبدُ في حالِ حضورِ ذهنِه وقوتِه وكمالِ إدراكِه قد تمكّنَ منه الشيطانُ، واستعملَه فيما يريدُه من معاصي اللهِ، وقد أغفلَ قلبَه عن اللهِ، وعطّلَ لسانَه عن ذكرِه، وجوارحَه عن طاعتِه، فكيف الظنُّ به عند سقوطِ قواه، واشتغالِ قلبِه ونفسِه بما هو فيه من ألمِ النَّزْعِ، وجَمْعِ الشيطانِ له كلَّ قوتِه وهمّتِه، وحَشْدِه عليه بجميعِ ما يقدرُ عليه، لِينالَ منه فرصتَه، فإنَّ ذلك آخرُ العملِ، فأقوى ما يكونُ عليه شيطانُه ذلك الوقتَ، وأضعفُ ما يكونُ هو في تلك الحالِ؟ فمَن تُرى يَسلَمُ على ذلك؟ فهناك ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ ". ويزيدُ خوفُ أهلِ الخشيةِ من سلبِ التوحيدِ لحظةَ خروجِ الروحِ ما يُصاحِبُها من آلامٍ شديدةٍ ربما أفضت إلى شكٍّ، أو جزعٍ، أو تسخُّطٍ؛ يَذهَبُ به الإيمانُ. قال ابنُ الجوزيِّ: " وَسَمِعْتُ أَنَا رَجُلًا كَانَ كَثِيرَ الصَّوْمِ وَالتَّعَبُّدِ اشْتَدَّ بِهِ الأَلَمُ، فَافْتُتِنَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَقَدْ قَلَّبَنِي فِي أَنْوَاعِ الْبَلاءِ! فَلَوْ أَعْطَانِيَ الْفِرْدَوْسَ مَا وَفَّى بِمَا يَجْرِي عَلَيَّ، ثُمَّ صَارَ يَقُولُ: وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الابْتِلاءِ مِنَ الْمَعْنَى؟! إِنْ كَانَ مَوْتًا فَيَجُوزُ، فَأَمَّا هَذَا التَّعْذِيبُ فَأَيُّ شَيْءٍ الْمَقْصُودُ بِهِ؟! وَسَمِعْتُ شَخْصًا آخَرَ يَقُولُ -وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الأَلَمُ-: رَبِّي يَظْلِمُنِي!! وَهَذِهِ حَالَةٌ إِنْ لَمْ يَنْعَمْ فِيهَا بِالتَّوْفِيقِ لِلثَّبَاتِ؛ وَإِلا فَالْهَلاكَ. وَمِنْهَا مَا كَانَ يُقَلْقِلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَخَافُ أَنْ يُشدَّدَ عَلَيَّ الأَمْرُ، فَأَسْأَلُ التَّخْفِيفَ، فَلا أجَابَ، فأَفْتتنُ!".

الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ.
أما بعدُ. فاعلموا أنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ اللهِ...

أيها المؤمنون!
إنَّ خوفَ الراسخين من سلبِ التوحيدِ ليس من قبيلِ سوءِ الظنِّ باللهِ والإياسِ من رحمتِه، بل هو خوفٌ مبنيٌّ على حسنِ الرجاءِ في اللهِ بتيقُّنِ الافتقارِ، وإظهارِ الضعفِ والتبرؤِ من الحولِ، وتعلّقٌ باللهِِ مَحْضٌ، ومجاهدةٌ في سبيلِه. وعقبى ذلك الخوفِ أنْ يحفظَ اللهُ لهم توحيدَهم الذي أشفقوا من سلبِه؛ فاللهُ عند ظنِّ عبدِه به، قال أبو الدرداءِ -رضيَ اللهُ عنه-: " ما خافَ ‌عبدٌ ‌على ‌إيمانِه إلاّ مُنِحَه ". وسيفيضُ عليهم المولى من بركاتِ هذا الإشفاقِ الجدَّ في حفظِ التوحيدِ من نافعِ العلمِ وصالحِ العملِ والحالِ، وسيخلعُ من قلوبِهم داءَ الإعجابِ المحبطِ للأجرِ والمفضي لسوءِ الخاتمةِ. قال إسحاقُ بنُ خلفٍ: " ليس شيءٌ ‌أقطعَ ‌لظهرِ إبليسَ من قولِ ابنِ آدمَ: ليتَ شِعري بِمَ يُختمُ لي؟! عندها يَيْأَسُ منه، ويقول: متى يُعجَبُ هذا بعملِه؟! ". وسيكون ذلك الإشفاقُ حمايةً لقلوبِهم من الافتتانِ ببريقِ الثناءِ والمدحِ الذي طالما كان سببًا في الإغواءِ. قال ابنُ رجبٍ: " الصادقُ ‌يخافُ ‌النفاقَ على نفسِه، ويخشى على نفسِه من سوءِ الخاتمةِ؛ فهو في شغلٍ شاغلٍ عن قبولِ المدحِ واستحسانِه. فلهذا كان من علاماتِ أهلِ العلمِ النافعِ أنَّهم لا يَرون لأنفسِهم حالًا، ولا مقامًا، ويكرهون بقلوبِهم التزكيةَ والمدحَ، ولا يتكبَّرون على أحدٍ ". ومن أُكرمَ بتلك الثمارِ؛ رزقَه اللهُ ثباتَ التوحيدِ، وجادَ عليه بحسنَ الخاتمةِ حين يتوفاه على السنةِ. قال الإمامُ مالكٌ: " مَنْ ‌مَاتَ ‌عَلَى ‌السُّنَّةِ؛ فَلْيُبْشِرْ! مَنْ ‌مَاتَ ‌عَلَى ‌السُّنَّةِ؛ فَلْيُبْشِرْ! مَنْ ‌مَاتَ ‌عَلَى ‌السُّنَّةِ؛ فَلْيُبْشِرْ! ". وقال مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: " دَخَلْتُ عَلَى أَبِي وَأَنَا مُنْكَسِرٌ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قُلْتُ: مَاتَ صَدِيقٌ لِي، قَالَ: ‌مَاتَ ‌عَلَى ‌السُّنَّةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا تَخَفْ عَلَيْهِ ". قال أبو بكرٍ المَرُّوذِيُّ: قلتُ لأبي عبدِاللهِ (الإمامِ أحمدَ): من ماتَ على الإسلامِ والسُّنَّةِ ماتَ على خيرٍ؟ فقالَ لي: اسكتْ، من ماتَ على الإسلامِ والسُّنَّةِ قد ‌ماتَ ‌على ‌الخيرِ كلِّه. وتلك الخاتمةِ الحسنةِ مرجوَّةٌ للإمامِ سفيانَ الثوريِّ الذي طالما ظلَّ مُشفِقًا من سلبِ التوحيدِ حياتَه كلها؛ بعظيمِ لسانِ الصدقِ الذي جعله اللهُ له في الآخرين؛ ثناءً خالدًا، وشهودًا حاشدًا لجنازتِه، ومناماتِ خيرٍ رُؤيتْ فيه. قال عِمْرَانُ بْنُ عَتَّابٍ الْفَزَارِيُّ: حدَّثني أَبُو امْرَأَتِي، قَالَ: " كُنْتُ بِعَبَادَانَ -مدينةٌ في فارسَ-، فَرَأَيْتُ فِيَ الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا جِيءَ بِهِ فِي ثِيَابٍ بَيَاضٍ، فَوُضِعَ فِي سَفِينَةٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي قَدْ ‌مَاتَ ‌عَلَى ‌السُّنَّةِ، وَنَجَا، وَصَارَ فِي الْآخِرَةِ؟! فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ، جَاءَنَا الْخَبَرُ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ مَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ".

يا ربَّ ثبِّتْنا على نَهْجِ الهُدى
واجعلْ لنا التوحيدَ حِرزًا واقيا
واصرفْ عن القلبِ الضَّلالَ وزَيْغَه
وارحمْ عُبيدَك إنْ أتَاكم عاصيا





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 60.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 58.76 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.77%)]