الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 10-10-2026, 01:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,675
الدولة : Egypt
افتراضي الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي

الجزاء الدنيوي والجزاء الأخروي

أبو سلمان راجح الحنق

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الخلق لعبادته، وأحصى عليهم أعمالهم، وجعل الدنيا دار عمل وابتلاء، والآخرة دار حساب وجزاء، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم إليه راجعون، وبين يديه موقوفون، وعن أعمالكم مسؤولون؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].

أيها المسلمون، إن من أعظم الحقائق التي يجب أن تستقر في قلب المؤمن أن هذه الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، وأن الإنسان سيحاسب على كل ما قدم، وسيجزى على كل ما عمل؛ قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]، وقال سبحانه: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [القيامة: 36].

عباد الله، ما معنى الحساب والجزاء؟ الحساب هو وقوف العباد بين يدي الله تعالى، وعرض أعمالهم عليه، ومساءلتهم عنها؛ والجزاء هو ما يترتب على تلك الأعمال من ثواب أو عقاب، فضلًا وعدلًا من الله سبحانه، قال تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8]؛ فلا تحتقرن طاعة مهما صغرت، ولا تستصغرن معصية مهما خفيت، وقد بين ابن كثير رحمه الله أن الناس يوم القيامة يرجعون من موقف الحساب أصنافًا: سعيدًا وشقيًّا، فريق في الجنة وفريق في السعير، وأنهم يرون ما عملوا من خير وشر ويجازون عليه.

عباد الله: والحساب يبدأ أثره في الدنيا قبل الآخرة؛ فليس معنى الحساب أن الإنسان ينتظر يوم القيامة فقط، بل إن من سنة الله أن يرى الإنسان بعض آثار عمله وجزاء فعله في الدنيا، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال سبحانه: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].

لكن يجب أن ننتبه؛ ليس كل بلاء يصيب الإنسان عقوبة على ذنب، فقد يكون البلاء رفعة للدرجات، أو تكفيرًا للسيئات، أو اختبارًا للصبر والإيمان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا يُصِيبُ المسلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حَزَنٍ، وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»؛ [متفق عليه عن أبي سعيد الخُدْري وأبي هريرة].

فالمؤمن ينظر إلى أحداث الدنيا بعين الإيمان: إن أصابته نعمة شكر، وإن أصابته مصيبة صبر، وفي الحالين هو على خير.

أيها الأحبة: الحساب الأخطر هو حساب الآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49].

يا عبد الله، كل كلمة قلتها مكتوبة، وكل نظرة نظرتها مكتوبة، وكل مال أخذته أو أنفقته مكتوب، وكل حق حاربته مكتوب؛ قال سبحانه: ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 13-14].

وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»؛ [رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي وقال: حسن صحيح].

فاسأل نفسك قبل أن تُسأل: ماذا قدمت من عمرك؟ وماذا عملت بعلمك؟ ومن أين اكتسبت مالك وفيمَ أنفقته؟ وفي ماذا أفنيت صحتك وقوتك؟

عباد الله، الحساب عدل لا ظلم فيه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40]، بل إن الله من رحمته بعباده يضاعف الحسنات، قال سبحانه: ﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 160].

فيا من أسرفت على نفسك، باب التوبة مفتوح؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

عباد الله، اتقوا الله وراقبوه، واعلموا أن أعظم ما يعين على الاستعداد للحساب أن يحاسب الإنسان نفسه في الدنيا. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوا أنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم". وهذه الكلمة العظيمة تلخص منهج المؤمن: أن يقف مع نفسه كل يوم، فيراجع إيمانه وصلاته وأخلاقه وحقوق الناس وماله ولسانه وقلبه.

فيا عبد الله، حاسب نفسك قبل أن يحاسبك الله: إن قصرت في الصلاة فتُبْ إلى الله، وإن عققت والديك فتُبْ إلى الله وأصلح ما بينك وبينهما، وإن ظلمت إنسانًا فتُبْ إلى الله ورُدَّ إليه حقَّه، وإن أكلت مالًا حرامًا فتُبْ إلى الله وتخَلَّص من ذلك المال الحرام، وإن أطلقت لسانك في أعراض المسلمين فاستغفر الله وتُبْ إلى مولاك، وإن فرَّطت في القرآن الكريم كلام الله تعالى فارجع إليه، وتدبَّر آياته، واحتكم إليه، واجعله هاديًا لك وطريقًا إلى جنات النعيم.

وإن قصرت في اتِّباع هدي وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتُبْ إلى الله تعالى، واستقم على السُّنَّة المطهرة، وتمثل هذه الآية في حياتك وعبادتك وأخلاقك وتعاملك:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وتمثل قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، وتمثَّل هذا الحديث في كل شؤون حياتك: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»؛ [أخرجه مالك في الموطأ بلاغًا، والحاكم عن أبي هريرة].

وهل سمعنا ما قاله الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله، قال: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، وأول صلاح لهذه الأمة هو التزامهم بالكتاب والسُّنَّة.

وإن غلبتك الدنيا على الآخرة فتذكَّر أنك راحل عنها لا محالة:
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26-27]، وتذكَّر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «مَا لِي وَلِلـدُّنْيَا! مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»؛ [رواه الترمذي وأحمد عن عبد الله بن مسعود]، وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»؛ [رواه الترمذي عن سهل بن سعد]، وتذكَّر قوله تعالى عن هذه الدنيا الفانية: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]، وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم عن الدنيا: «أَلا إِنَّ الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيها، إِلَّا ذِكْرَ اللهِ وَما وَالاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ»؛ [رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة].

أيها المسلمون، سيأتي يوم ينتهي فيه كل شيء، ويقف الغني والفقير، والقوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، وكل واحد منهم بين يدي الله وحده؛ قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 6]، وفي ذلك اليوم يقول الله تعالى: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]، وقال سبحانه: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾ [الزلزلة: 6].

وقد ذكر الطبري وابن كثير رحمهما الله أن الناس يصدرون من موقف الحساب متفرقين، فمنهم من يؤخذ إلى الجنة ومنهم من يؤخذ إلى النار، ويرى كل إنسان عمله وجزاءه؛ فطوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا، وصلاةً، وصدقةً، وبرًّا، وإحسانًا، وصبرًا، وعفوًا، وذكرًا لله، وويل لمن وجد فيها ظلمًا، وأكلًا للحرام، وعقوقًا، وقطيعةً، وكذبًا، وغشًّا، وفحشًا، واعتداءً على عباد الله.

عباد الله، ليس العاقل من جمع الدنيا وترك الآخرة، وإنما العاقل من جعل الدنيا مزرعةً للآخرة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاها وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ»؛ [رواه الترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس].

فيا عبد الله، لا تؤجل التوبة: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، ولا تقل سأصلح غدًا؛ فكم من إنسان أصبح ولم يُمْسِ، وأمسى ولم يُصْبِحْ: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: 34].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.

أيها المسلمون، هل فكرنا أين ذهبت الأمم السابقة؛ قوم نوح، وقوم عاد، وقوم صالح، وقوم لوط؟ أين فرعون وهامان وقارون، وأين النمرود؟ أين من تجبر وتكبر، أين من سعى في الأرض فسادًا، أين من طغى وبغى، أين من قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]؟

أين الطواغيت الذين مرُّوا على هذه الحياة الدنيا فكان شعارهم الظلم والجور والطغيان، أين من وقف حجر عثرة أمام دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام، أين أبو جهل، أين أمية بن خلف، أين عقبة بن أبي معيط، أين أبو لهب؟ لقد ذهبوا ودُفِنوا، وعن أعمالهم وفجورهم وظلمهم سوف يحاسبون أمام الملك الجبار: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾ [الصافات: 24]. أين طواغيت هذا العصر ممن حاربوا الدين ووقفوا حجر عثرة أمام دعوة رسول رب العالمين؟ أين سيذهب من لا يزال محاربًا لملة سيد المرسلين، أين سيذهب من يعادي أولياء الرحمن ويقرب أولياء الشيطان؟ ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227].

أيها المسلمون، إن الحساب والجزاء في الدنيا وفي الآخرة عسير؛ ولقد ذكر تبارك وتعالى جملة من الآيات القرآنية التي تحدَّثت عن الجزاء الدنيوي، فقال تعالى عن جزاء الأعمال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46].

ومن الجزاء الدنيوي ما يحل بالناس من مصائب وكوارث وآفات في هذه الحياة الدنيا، قال جل جلاله: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

ومن الجزاء الدنيوي أنه كلما أعلن الناس بالفساد، وجاهروا بالمعاصي وشاعت في المجتمعات وحُمِيَ أربابها، جاء الجزاء الدنيوي حيث يذيقهم الله تعالى أصنافًا من العذاب؛ كنقص في الأموال والأنفس والثمرات، ومحق للبركات، وتفرق واختلاف وتمزق وشتات، وتسلط أعداء الله، وقتل وقتال، وضيق في العيش، وقلق واضطراب في حياة الناس، قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].

عباد الله، ومن الجزاء الدنيوي حصول الضنك في العيش، حتى إن العمى يصيب البصائر لا البصر -عياذًا بالله- قال تبارك وتعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124]؛ أي معيشة ضنكًا في الدنيا، ونحشره يوم القيامة أعمى في الآخرة.

أيها المسلمون، أما الجزاء الأخروي فهو أشد وأفظع؛ ولهذا بيَّن الله جل جلاله جملة من أنواع الجزاء الأخروي في كتابه الكريم كي يحذر العباد مما سيقدمون عليه؛ فهناك الحساب على الأعمال، قال تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8].

أيها الناس، كل عمل أو قول أو فعل مكتوب ومحسوب ومسطر: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، وقال سبحانه: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47].

أيها المسلمون، وهناك في الآخرة الحساب والجزاء حتى على الكلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِها فِي جَهَنَّمَ»؛ [متفق عليه عن أبي هريرة].

وكذلك من الجزاء الأخروي ما يحصل من القصاص بين العباد يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ»؛ [رواه مسلم عن أبي هريرة].

إنه لا مفر من أداء الحقوق يوم القيامة فهناك القصاص، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88-89].

أيها المسلمون، إذا كان من عدل الله تعالى أنه جل جلاله يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، فكيف النجاة من حقوق العباد؛ مال أخذته بغير حقه، سفكت دمًا حرامًا، تكلمت في عرض مسلم أو مسلمة بغير حق شرعي، ظلمت من جعلهم الله تعالى تحت يدك، حاربت دين الله ووقفت أمام الخير وكنت حجر عثرة أمام الحق وأهله، اعتديت على أموال الآخرين، أكلت حقوق الناس، لبست على الناس دينهم من خلال نشر الشبهات والضلالات، شجعت ودعمت الفساد ومروجيه، إلى غير ذلك من الآثام والمعاصي؟! أتراك تُترك يوم القيامة بعد هذه الموبقات وتلك المهلكات بلا حساب ولا عقاب؟ لا، ليس الأمر كذلك، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].

أيها المسلمون، واسمعوا إلى هذا الحديث الذي خرج من لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وهو يصور مشهدًا فظيعًا من مشاهد يوم القيامة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتَدْرُونَ مَا المُلْفِسُ؟ قَالُوا: المُلْفِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُلْفِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»؛ [رواه مسلم عن أبي هريرة].

أيها الناس، وهذا من أوضح الأحاديث والأدلة في الحساب والجزاء على حقوق العباد، فالأمر خطير يا عباد الله، والهول عظيم ليس كما نتصور: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 17].

عباد الله، إن الله تعالى جعل هذه الحياة دار عمل وابتلاء، وجعل الآخرة دار حساب وجزاء، فما من خير يفعله العبد إلا وجده في ذلك اليوم، وما من شر يقترفه العبد إلا لقيه، قال تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8]؛ فطوبى لمن راقب الله في سِرِّه وعلانيته، وأصلح عمله قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه، وإنما ينفعه ما قدَّم بين يديه، وليحذر العبد من ظلم أو معصية، فإن الجزاء قد يُعَجَّل في الدنيا، وما عند لقاء الله أعظم.

فاتقوا الله عباد الله، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن تُوزَن عليكم، وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وعَجِّلوا بالتوبة قبل أن يغلق بابها، وأحسنوا فيما بقي من الأعمار، فإن العمر قصير، والوقوف بين يدي الله قريب وطويل: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجِرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].

ألا وصلوا وسلموا على خير الخلق محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 86.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 84.44 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.00%)]