التدين الواضح - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 1471 )           »          عرفان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          الأخ قبل المال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          ضرر الجدال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تلحين الوحي وتطريب الوعظ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          دفء القلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          وتبتل اليه تبتيلا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الحور العين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          سورة البقرة… في رحاب البركة ومصباح الهداية وكنف النور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          مغذيّات الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 02:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,442
الدولة : Egypt
افتراضي التدين الواضح

التدين الواضح

د. محمود حسن محمد

في زمن تختلط فيه الأصوات وتتعدَّد فيه المظاهر، يصبح الدين عند كثير من الناس مظهرًا اجتماعيًّا أكثر من كونه حضورًا داخليًّا، لكن التديُّن الحقيقي ليس ضجيجًا، ولا كثرة شعارات، ولا تضخمًا في الجدل.. الواضح هو ذاك الذي يشبه الماء: نقي، بسيط، نافذ... يروي الأرض دون أن يتكلم كثيرًا.

التديُّن الواضح هو أن تكون علاقتك بالله أقرب من كلماتك عنه، وأن تكون الرحمة في قلبك أكبر من النصوص التي تحفظها، وأن يكون سلوكك اليومي أصدق من آلاف المواعظ التي تقرؤها، ليس الدين إعلانًا يرفع، بل أثر يُرى، وطمأنينة تتسرب إلى حياة من حولك دون أن تقول شيئًا.

والتديُّن الواضح لا يخاف من العقل، ولا يخاصم العلم، ولا يتوجَّس من الحضارة، يعرف أن العقل هدية إلهية، وأن العلم باب لفهم السنن، وأن الحضارة مساحة لعمارة الأرض. الروح المتدينة حقًّا لا ترى العالم خَصْمًا لها، بل فرصة لفهم قدر الله، ولخدمة الخلق، ولتحويل الإيمان إلى عمل نافع.

هو تديُّن لا يتشدَّد ولا يميع، لا يجبر الناس قسرًا، ولا يتركهم بلا نور، يمشي على قدم الرحمة وقدم الحكمة.. رحمة تفتح باب القلوب.. ورحمة تمنع الانحراف.

التديُّن الواضح يبدأ من الداخل، من صدق النية، من سلام القلب، من رغبة الإنسان أن يكون أفضل مما هو عليه، ثم ينعكس على الخارج في صورة أخلاق، أدب في الحديث، لين في التعامل، أمانة في العمل، لطف في الاختلاف.. يظهر الدين في اليد التي تساعد، في الكلمة التي تُطمئن، في السلوك الذي يرفع من معنويات الناس بدل أن يُثقل عليهم.

هذا النوع من التديُّن لا يبحث عن الخصومة، ولا يُفتِّش عن زلَّات الناس، ولا يقف متربِّصًا عند أبواب الآخرين ليقيس مساحتهم الروحية، هو تديُّن يشتغل على نفسه قبل الآخرين، ويُهذِّب قلبه قبل أن يحاسب غيره، ويعالج عيوبه قبل أن ينشغل بعثرات الناس.

وحين يتجلَّى التديُّن الواضح في روح الإنسان يصبح الدين نورًا لا صراعًا، يصبح حافزًا للبناء، لا سلاحًا للهدم، يصبح دفئًا للقلوب، وطمأنينة في القلوب، وعدلًا في التعامل، ويصبح الإنسان أقرب إلى ذاته، وأقرب إلى الناس، وأقرب إلى الله.

التديُّن الواضح لا يحتاج إلى كثير من الكلام، يكفيه أن يرى الناس أثره، وأن يشعروا بأن الذين يعرفون الله لا يمكن إلا أن يكونوا ألين قلوبًا، وأصدق نفوسًا، وأرحب صدرًا.

التديُّن الواضح لا يطلب من الإنسان أن يكون ملاكًا، بل أن يكون صادقًا مع نفسه، فالصدق هو الجسر الأوَّل بين القلب وربِّه، والإنسان حين يتعامل مع ضعفه بوعي، يبدأ في تهذيب نفسه لا في جلدها، وفي إصلاح عيوبه لا في إنكارها، وهذا الوعي هو ما يجعل الإيمان يتحوَّل من عادة إلى حياة، ومن طقوس إلى معنى، ومن أقوال إلى أثر.

وحين يكون التديُّن واضحًا، يصبح الإنسان قادرًا على رؤية قيمة كل نعمة حوله: الوقت، الصحة، العلاقات، العمل، وحتى اللحظات الصغيرة لا يستهين بها، ولا يمر عليها مرور الغافلين، بل يعيشها كأنها رسائل تربية، وتفتح عينيه على جمال الحكمة في تفاصيل اليوم.

والتديُّن الواضح لا يصنع روحًا متوترة، ولا قلبًا خائفًا دون سبب، إنه يربي طمأنينة داخلية تجعل الإنسان يقف أمام الأحداث بثبات، لا يحزن قبل أوانه، ولا يفرح بغير ميزان، ولا ينكسر من أول ابتلاء، فهو يعرف أن الدنيا دار اختبار، وأن الأقدار تعمل في صمت، وأن اليقين ليس أن ترى الطريق، بل أن تطمئن لمن يقود فيه.

هذا النوع من التديُّن يجعل الإنسان رحيمًا مع الخلق، ثابتًا مع المبادئ، لا يتلوَّن مع المواقف، ولا يتغيَّر مع المزاج العام، بل يحمل داخلة نورًا يضيء في الضيق كما يضيء في السعة.

إنه تديُّن يعفُّ عن إيذاء الناس، ويبتعد عن سوء الظن، ويجاهد نفسه قبل أن يجاهد غيره، وحين يخطئ لا يعيش جلد الذات.. بل يعود بتواضع وخشوع إلى بابه الأول.. باب الله.

والتديُّن الواضح يعيد ترتيب أولويَّات الروح، فبدل أن يشتغل الإنسان بما يفعله الآخرون، ينشغل بالمساحة التي يمكنه أن يصلحها: نفسه، ينشغل بتطوير علمه، بتقوية عزيمته، بتجميل أخلاقه، ويدرك أن إصلاح العالم يبدأ من إصلاح داخله.

وفي عمق هذا الطريق، يفهم الإنسان سرًّا مهمًّا: أن الله لا ينظر إلى كثرة ما تفعل، بل إلى حقيقة ما في قلبك، وحين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الوضوح يصبح إيمانه مصدرَ توازنٍ، ومعاملته سببَ سكينةٍ، وحضوره رحمة تمشي على الأرض، لا تثقل أحدًا، ولا تُخيف أحدًا، ولا تجرح أحدًا.

إنه التديُّن الذي يشبه النور.. لا يصرخ.. ولا يجادل نفسه.. ولا يفرض نفسه.. بل يتجلى.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 48.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.40 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (3.47%)]