|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الغلو ليس من الدين د. حسام العيسوي سنيد المقدمة: يخاطب الله (جلَّ وعلا) أهل الكتاب في آيات كثيرة، يحذِّرهم فيها من الغلو في الدين؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 171]؛ ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 77]. فالغلو في الدين: الإفراط وتجاوز الحد؛ فاليهود قالوا: إن عيسى ابن زنى، والنصارى قالوا: إنه إله. والمقصود: أن المسلم- في أمر الدين- متبِّعٌ لأوامر الشرع، يقف عند حدودها، من غير إفراط أو تفريط؛ قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]. والعمل الصالح: "ما كان موافقًا لشرع الله". 1- صورٌ من الغلو المرفوض: بيَّنت سُنَّة النبي (صلى الله عليه وسلم) صورًا من الغلو المرفوض في الدين، وهذه بعضٌ منها: • في الحديث المتفق عليه عن أنس (رضي الله عنه): أنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟" قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ، قَالَ: "إِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ"، ثُمَّ أَمَرَهُ فَرَكِبَ. • وفي سنن ابن ماجه عن ابْنِ عَبَّاسٍ (رضي الله عنهما): أنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم)َ مَرَّ بِرَجُلٍ- بِمَكَّةَ- وَهُوَ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟" قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَصُومَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ إِلَى اللَّيْلِ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَزَالُ قَائِمًا، قَالَ: "لِيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَجْلِسْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ". • وفي مسند الإمام أحمد عن عمر (رضي الله عنه): أن رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". • وفي سنن ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: "هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ [1]". • وفي سنن أبي داود عن جابر (رضي الله عنه)، قال: خَرَجنا في سَفَرٍ، فأصابَ رجلًا معنا حَجَرٌ، فشَجَّهُ في رأسِهِ، ثمَّ احتَلَمَ، فسألَ أصحابَه فقال: هل تَجِدُونَ لي رُخصةً في التيمُّمِ؟ قالوا: ما نَجِدُ لكَ رُخصةً وأنتَ تَقدِرُ على الماء، فاغتَسَلَ فماتَ. فلمّا قَدِمْنا على النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) أُخبِرَ بذلك، فقال: "قَتَلوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، ألا سألوا إذْ لم يَعلَموا، فإنما شِفاءُ العِيّ السُّؤالُ، إنما كانَ يكفيهِ: أن يَتَيَمَّم، ويَعصِرَ- أو يَعصِبَ- على جُرحِهِ خِرقةً، ثمَّ يَمسَحَ عليها، ويَغسِلَ سائِرَ جَسَدِه". هذه أمثلةٌ وصورٌ من المغالاة في الدين، نهانا عنها نبيُّنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)؛ لأن مبنى الدين على الرحمة والتيسير، وركنه الرئيس: موافقة الشرع، وعدم التعدي ومجاوزة الحد. 2- صورٌ من المغالاة في أمور أخرى: ليست المغالاة في أمر الدين فقط، لكن توجد صورٌ أخرى من المغالاة، حذَّرنا منها الإسلام، ومنها: أ- المغالاة في الطعام والشراب: قال تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]. روى أحمد في مسنده عن المقدام بن معدي كَرِب، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: "مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرَابٍ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ". ب- المغالاة في الإنفاق: قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]؛ وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]. وروى الإمام أحمد عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "ما عال من اقتصد". جـ- المغالاة في المهور وتكاليف الزواج: ورد في مسند الإمام أحمد عن أمِّ المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إن أعظم النكاح بركة أيسرُه معونة". 3- من آفات العصر: المغالاة في التشجيع الكروي: ممارسة الرياضة أمرٌ دعانا إليه الإسلام؛ فهي وسيلةٌ للمحافظة على الجسد قويًّا؛ وقد قال (صلى الله عليه وسلم) - فيما رواه مسلم عن أبي هريرة-: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَرٌّ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ اللهُ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ". والمنافسة الشريفة أمرٌ مباحٌ في شرعنا الحنيف، له أصلٌ شرعي: ففي سنن أبي داود عن أمِّ المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، قالت: كنت مع النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلم) في سفرٍ، قالت: فسابقتُه فسبقتُه على رِجليَّ، فلما حملتُ اللحمَ سابقتُه فسبقَني، فقال: "هذه بتلك السبْقَة". وقد ورد في شعب الإيمان للبيهقي: إنَّ رُكَانَةَ صَارَعَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). قَالَ رُكَانَةُ: وَسَمِعْتَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: "فَرْق مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِم عَلَى الْقَلَانِسِ". من هنا: فإن الرياضة والمسابقة أمرٌ مشروعٌ في الإسلام، بضوابطه وشروطه، ومنها: أ- ترتيب الأولويَّات: فلا تُقَدَّم هذه المباحات على الفرائض والواجبات. فهل يليق بالمسلم أن يؤخِّر الصلوات من أجل استكمال المباريات؟ وهل يليق بالطالب أن يؤخِّر مذاكرته بعد سماع البطولات وغيرها؟ ينبغي ترتيب الأولويات، وعدم التفريط في الأوقات، أن يكون اللهو المباح ترويحًا للأجساد وللنفوس، ودافعًا إلى الرجوع للأعمال بكل قوة. ب- البعد عن التعصب المذموم: فالتعصب ممقوتٌ في الإسلام، وما قصة المهاجرين والأنصار عنا ببعيد! ففي مسند الإمام أحمد، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ قَالَ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاجْتَمَعَ قَوْمُ ذَا، وَقَوْمُ ذَا، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: يَا لَلْأَنْصَارِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: "دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَلَا مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ". الإسلام جمعنا، والوطن نعيش في كنفه جميعًا، التشجيع ليس حرامًا، إنما الحرام: التعصب المذموم الذي يفصم عُرى الناس، ويفصل عَلاقاتهم، ويجعلهم متفرقين مشتتين، لا مجتمعين متحابين. هذه بعض صور الغلو المرفوضة، نهانا عنها ديننا الحنيف، ودعانا إلى التعالي عليها، ونَبْذِها، والقيام بضدها. فاللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم، وجمِّلنا بالخلق القويم، وألِّف بين قلوبنا، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين. [1] القديد: هو اللحم المملح المجفف في الشمس، فعيل بمعنى مفعول.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |