شذرات من الحب والفداء - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5131 - عددالزوار : 2420377 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4719 - عددالزوار : 1733829 )           »          الأضرار والمخاطر المرتبطة بتناول حبوب الإستروجين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          كيفية علاج التسمم الوشيقي والوقاية منه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          معلومات مهمة حول حبوب الإستروجين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          كيف يمكن علاج متلازمة شوغرن؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          6 طرق لعلاج البهاق واستعادة لون الجلد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          ما هي أعراض خمول الغدة الدرقية عند النساء؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          ما هو معدل ضربات القلب الطبيعي للرجال؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          الماء والملح، خيار رائع لأسنان صحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 01-01-2026, 03:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة : Egypt
افتراضي شذرات من الحب والفداء

شذرات من الحب والفداء

عبدالستار المرسومي

الحديث عن حب أصحاب محمدٍ رضي الله عنهم لمحمد صلى الله عليه وسلم حديثٌ ذو شجون، عطِرُ الفحوى، جميل المعنى، حُلو المذاق، يكاد يذهب بالعقول، يقف الحكيم عنده حيرانَ، ويستأنس المُحب به إيمانًا، ويجِد الباحث فيه ألوانًا، ويسلِّم المشكِّك له إذعانًا، ويؤثر في القلوب فتحسبه سلطانًا.

وقْعُه في النفس كوقع السِّحر، له جمالٌ فاق جمالَ التِّبر، مَن أبحر فيه لا يجد نفسه إلا هائمًا سابحًا بين أمواجه، ولا غرابةَ أن نجِد بين الناس شاعرًا يرى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو من زرع أول بذرة حبٍّ حقيقية في تاريخ الإنسانية، فهو الأصل لكل حبٍّ جاء بعده؛ فيقول:
إن المحبة أصلها من يثرب
هي جنة المأوى وغارسُها النبي




لقد ضرب أصحاب النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم أروعَ وأنقى، وأجمل وأبهى وأرقَّ الأمثلة في الحُب، وكيف لا يفعلون ذلك وقد آمنوا به، وأيقنوا أن ما جاء به هو الحق، وأعجبوا به من الوجوه كافة، وهو جدير بهذا الإعجاب، فتجدهم رضي الله عنهم يتمسكون به صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الطريق الوحيد الذي لا مندوحة لهم من أن يسلكوه ليصلوا إلى خالقهم وراعيهم، ورازقهم وإلههم تبارك وتعالى، إنه الحب العظيم، حبٌّ من العيار الثقيل.

إن من يدَّعي حبَّ محمد صلى الله عليه وسلم، لا بد له من أن يضع حبَّه في إحدى كفَّتي ميزان، في مقارنة واقعية مع حب الأصحاب رضي الله عنهم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ذلك الحب الحقيقي الذي لم يكن من نسج خيال الفنانين، ولا من سجع الكهَّان، ولا من حسن أداء المتكلمين، ولا من حنكة جَمْعِ المؤرخين، ولا من جميل صناعة المحترفين، بل كان صورًا حقيقية باهرة برَّاقةً، تجسَّدت في أقوال وأفعال الرجال الشُّمِّ الأبطال رضي الله عنهم.

وقد نُقلت هذه الأسفار الخالدة عبر الأجيال، جيل يسلم إلى جيل، كواقع حقيقي مثالي، ولربما كان للسامع أشبهَ بالخيال، فعجزت الإنسانية أن تجود بمثله أو حتى نَصيفه، طيلة الحقب الزمنية التي عاشَتها، والتي ستعيشها حتى يرث الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه الأرضَ ومن عليها.

وها هو التاريخ يقف بزهو وافتخار، وشموخ واعتداد، لينوط صفحاته ويُزينها الرجال بالوسام تلو الوسام، تلك الأمثلة النقية الرائعة البهية الصادقة التي حاول الحاسدون أن يكذِّبوها، أو يخفوها، أو يدنسوها، أو يحرفوها، أو يؤولوها، أو ينقصوها، ولكن هيهات لرياح الغدر الصفراء أن تجد لها أثرًا، ولو يسيرًا في ذلك المجد الذي لا تُشبهه إلا النخلة، تمر بها الرياح العاتيات، فتحركها ذات اليمين مرةً، وذات الشمال أخرى، ولكنها راسخة باقية صامدة، فتتركها شامخةً عصيَّةً دون أن تؤثر فيها، أو قُل هو كالسِّدرة تُرمى بالحجر والحصـى، فترمي ثمارها لضاربها.

ذلك المجد الأبديُّ الذي التحفَت به صفحات التاريخ، فتَرَكَ فيها أثرًا من نور كنقش في حجر، سيظل قبسًا ينير طريق أجيال هذه الأمة العريقة خصوصًا، والإنسانية عمومًا، حتى يأذن الله للقيامة أن تقوم، وها هو العربي عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه، الذي أرسلَته قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفاوضًا، قبل توقيع صلح الحديبية يتصـرف بمكرٍ ودهاء لتقصِّـي أبعاد ذلك الحب وأُفُقِه في قلوب الأصحاب رضي الله عنهم، فماذا رأى عروة يا تُرى؟ لقد رأى العجب العُجاب، فعاد لقريش هائمًا على وجهه مذهولًا غير مصدقٍ، ليخبرهم بالحقيقة العجيبة لذلك الحب الذي سرى في عروق الصحابة رضي الله عنهم مسـرى الدم، وخالطت بشاشته شَغافَ قلوبهم، فصار جزءًا لا يتجزأ من أرواحهم وأجسادهم.

فيقول عروة بن مسعود رضي الله عنه لهم: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصـر وكسـرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يُعظمه أصحابه ما يعظِّم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدًا، والله إن تنخَّم نُخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم، فدلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطةَ رشدٍ فاقبلوها"[1].

بهذا الوصف القليلِ الكلمات، الكثير المعاني استطاع العربي عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه نقل الحقيقة التي فاقت حدَّ التصور، حقيقة العلاقة بين نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه رضي الله عنهم، الحقيقة التي قد لا تصدَّق، على الرغم من أنها تفوق ذلك الوصف بكثير؛ لأن حبَّ الأصحاب الكرام رضي الله عنهم لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، لم يكن كحبِّ الوالد لولده، ولا كحب الولد لوالده، ولا كحب المرأة لزوجها، ولا كحب الرجل لزوجته، ولا كحب المرء لأهله وماله، ونفسه وصديقه، فقد تجاوز ذلك وتقدم عليه، بل علاه وسبقه بأشواط بعيدة جدًّا، وهذا فاروقُ الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم أنه: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))[2] ، فيقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي"، فيقول له حبيبه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: ((لا، والذي نفسـي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك)).

فيستدرك عمر رضي الله عنه، ويعرف أنه على خطر عظيم، فلم يتردد ولم ينتظر، بل بنفس المكان والزمان، بل بنفس الساعة يقول عمر رضي الله عنه: "فإنه الآن يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من نفسـي"، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الآن يا عمر))[3].

أي: الآن اكتمل إيمانك يا بن الخطاب، فارتاح الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستقر باله، وتبدد قلقه، واطمأن قلبه، لقد كان رسول الله محمدٌ صلى الله عليه وسلم يحبهم، ويعلم بما لا يقبل الشك أنهم يحبونه، فكان يحثهم أن يتحابوا ويذروا كلَّ ما يهدم حبهم أو يزعزعه؛ إنه صلى الله عليه وسلم يأمرهم بقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام))[4] ، فإن التباغض والتحاسد، والحقد والغلَّ مفاهيمُ تدل على أمراض القلوب، فهي تقتل الحب، وتكدر الصفو، وتدمر الحياة الإنسانية، وهي وسائل لهدم الحب والأخوة بين الناس، ولم يقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند هذا الحد، بل كان يشجعهم على التعبير عن حبهم فيما بينهم رضي الله عنهم، كأنها ثقافة يُنمِّيها بينهم، ويرويها بيديه.

فيقول أنس بن مالك رضي الله عنه: ((كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ مرَّ رجل، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، إني لأحب هذا الرجل، قال: هل أعلمته ذلك؟ قال: لا، فقال: قُم فأعلِمه، فقام إليه، فقال: يا هذا، والله إني لأحبك، قال: أحبك الذي أحببتني له))[5].

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ذهب لأبعد من ذلك في عالم الحب الفسيح، فكان عمر رضي الله عنه يقول: "أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا"؛ يعني بلالًا[6]، وذاك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه كان إذا لقيَ أصحابه قرَّبهم وقال: "أنتم جِلاء قلبي"[7].

فأي حب هذا الذي لم تعرف له البشرية مثيلًا؟ ألا إنه الحب في الله، الذي ربَّاه فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا انثالت نفحات من حبِّ محمد صلى الله عليه وسلم لتكون نسماتٍ رقيقة، تتناقل بين قلوب الصحابة رضي الله عنهم فتُزهر ثم تفوح رائحتها.

وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يشيع بينهم هذا المفهوم ويشجعهم، ويكافئهم عليه ليصبح جزءًا من حياتهم، ومن عبادتهم أيضًا؛ لأن من نتائج الحب الصادق الإيجابيةَ، ونكرانَ الذات، والتضحية من أجل القضية، ومن أجل الحبيب، وهو يريدهم كذلك ويبنيهم على هذا الأساس؛ فعن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنةً في قوم فتوفَّني غيرَ مفتون، أسألك حبَّك وحبَّ من يحبك وحب عمل يقرِّب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها حقٌّ فادرسوها ثم تعلموها))[8].

فحب الله سبحانه وتعالى حُلم كل مؤمن، لأن كل شيء متعلق بهذا الحب؛ فقد قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: ((إن الله إذا أحب عبدًا، دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحِبَّه، قال: فيُحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحِبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يُوضع له القَبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أُبغض فلانًا فأبغِضه، قال: فيُبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغِضوه، قال: فيُبغضونه، ثم تُوضع له البغضاء في الأرض))[9].

وعن أبي إدريس الخولاني رحمه الله، أنه قال: "دخلت مسجد دمشق فإذا فتًى برَّاق الثنايا، وإذا الناس معه، إذا اختلفوا في شيء، أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل رضي الله عنه.

فلما كان الغد، هجرت فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قِبل وجهه، فسلَّمت عليه وقلت: والله إني لأحبك لله، فقال: آلله؟ قلت: آلله، فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه، وقال: أبشِر؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ))"[10].

إن المكافأة عظيمة مقابل عمل يسير، فليس على الفرد سوى أن يحب أخاه لله وفي الله، لتَجِبَ له محبة الله سبحانه وتعالى.

حدثني أحد الأصدقاء بفهمه الجميل لحب الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا يشعر من يحب الله ورسوله بأنه حبٌّ من طرف واحد أبدًا، على الرغم من أننا نبوح به في عالم من الغيب، إلا أننا متأكدون من أن الله سبحانه وتعالى يبادلنا الحب، وزيادة على حبنا بقدرٍ لا يمكننا تخمينه؛ لأنه حب يليق بالله سبحانه وتعالى، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم يبادلنا الحب كذلك، وبقدرٍ يليق به صلى الله عليه وسلم".

ويكون الإنسان في أمنٍ ودَعة، ما دام يتغشَّاه حب الله ورسوله، وهذه مكافأة أخرى تختلف عن الأولى؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ((كان صبيٌّ على ظهر الطريق، فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ناس، فلما رأت أم الصبي القومَ، خشِيَت أن يُوطأ ابنها فسَعت وحملته، وقالت: ابني، ابني، قال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتُلقي ابنها في النار، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، ولا يلقي الله حبيبه في النار))[11].

وعلى الرغم من أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خلقه الله سبحانه وتعالى على عينه، وأنشأه نشأةً خاصةً دون البشر، وحبَاه بمكانٍ وقيمة لا تناسب غيره، إلا أن حادثة (شق الصدر) التي حدثت له، كانت بمثابة مرحلة جديدة تشير إلى حياة مليئة بالحب والرحمة، بعيدة عن الحقد والضغينة وهمزات الشيطان.

وكان جبريل عليه السلام قد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فشقَّ صدره، وأخرج قلبه صلى الله عليه وسلم، وغسله من كل ما يتعلق بالشيطان؛ ليكون أنقى وأرقَّ قلبٍ عرفته البشرية؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، ثم غسله في طَستٍ من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعَون إلى أمه - يعني ظِئره - فقالوا: إن محمدًا قد قُتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثرَ ذلك المخيط في صدره))[12] ، لقد غسل جبريل عليه السلام قلبَ محمد صلى الله عليه وسلم، وأخرج منه حظَّ الشيطان، فلم يبقَ في قلبه صلى الله عليه وسلم إلا مشاعر الفطرة الربانية، التي فطَره الله سبحانه وتعالى عليها؛ من محبة الناس والتضحية من أجلهم، والوفاء والود لهم، ومشاركتهم في الحياة.

وفوق كل ذلك فإن القرين (الشيطان) الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلم؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير))[13].

وكان صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على أن يهتدي كل الناس إلى الحق، ويؤمنوا بالله وبما أنزل؛ من أجل أن يُنقذوا من النار، واستنفد بذلك الجهدَ وبذل المال والصحة، وكأنه يبذل نفسه في سبيل هدايتهم ومن ثَم سعادتهم؛ فيقول له الله سبحانه وتعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]؛ يقول العلامة ابن كثير رحمه الله: "باخع: أي مُهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا يقول: لا تهلك نفسك أسفًا، قال قتادة: قاتلٌ نفسك غضبًا وحزنًا عليهم، وقال مجاهد: جزعًا، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله جل جلاله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلَّ فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"[14].

وهكذا تمسَّك الصحابة الكِرام رضي الله عنهم بالرحمة المهداة إليهم وللعالم جميعًا، فتركوا آهات وويلات الجاهلية المقيتة والبغيضة وراءهم ظهريًّا، ونكتوا من على أبدانهم وأرواحهم معًا أدرانها عقيدةً وسلوكًا، فتعلقت به أرواحهم، فكانوا خيرَ صحبة لسيد الأرض محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فسعدوا به وسعِد بهم.

لقد كان حبُّ محمد صلى الله عليه وسلم بمثابة الحب الأول للصحابة رضي الله عنهم، لهذا فقد بقيَ معهم كجزء لا يتجزأ من كيانهم أينما حلوا وارتحلوا، فإن المكان لم يكن حائلًا بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم، فلسان حالهم يقول ما قال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيبِ الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدًا لأول منزلِ


ثم نما ذلك الحب وأينع وأزهر، ثم أثمر، وانعكست نتائجه السامية في سلوك الأصحاب رضي الله عنهم، ليس فيما بينهم فحسب، بل مع أهليهم وذويهم فسطَّروا أروعَ صفحات في كتاب البِرِّ المتبادل بين الآباء والأبناء، فلندَع أبا مرَّة، مولى أمِّ هانئ بنت أبي طالب، رضي الله عنها، يحدثنا ما شاهد وسمع عندما ركب مع أبي هريرة رضي الله عنه إلى أرضه بالعقيق؛ قال رحمه الله: فإذا دخل أرضه صاح بأعلى صوته: "عليكِ السلام ورحمة الله وبركاته يا أمتاه، تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يقول: رحمكِ الله كما ربَّيتِني صغيرًا، فتقول: يا بني وأنت فجزاك الله خيرًا ورضيَ عنك كما بررتَني كبيرةً"[15].

يا لها من عاطفة جياشة حانية رقيقة بين الوالدة وولدها، تعكس لنا ما كان عليه الصحابة الأطهار رضي الله عنهم، وما هي في حقيقتها إلا ثمرة الحب النبوي العجيب، فكانوا أول من عقلوه، وهم أول من طبَّقوه، ومع ذلك فقد صاروا أسوةً حسنةً يُقتدَى بها لكل محبٍّ سالكٍ لزِم الطريق.

ويصور صفيُّ الرحمن المباركفوري بحسن بلاغته هذا الحب النقيَّ، فيقول في معرض وصفه لبيعة العقبة الثانية: "هذه بيعة العقبة الثانية - التي تُعرف ببيعة العقبة الكبرى - وقد تمت في جوٍّ تعلوه عواطف الحب والولاء والتناصر بين أشتات المؤمنين، والثقة والشجاعة والاستبسال في هذا السبيل، فمؤمنٌ من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف من أهل مكة، ويتعصب له، ويغضب من ظالمه، وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبَّه بالغيب في ذات الله، ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على مرِّ الأيام، بل كان مصدرها هو الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه، إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوى الظلم والعدوان، إيمان إذا هبَّت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدة والعمل، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعمالًا، ويتركوا عليها آثارًا، خلا عن نظائرها الغابر والحاضر، وسوف يخلو المستقبل"[16].

[1] صحيح البخاري (2731).

[2] متفق عليه.

[3] صحيح البخاري (6632).

[4] متفق عليه.

[5] صحيح ابن حبان (2/ 330/ 571).

[6] صحيح البخاري (3754)

[7] حديث حسنٌ لغيره: أخرجه أبو نعيم في الحلية (4/170).

[8] سنن الترمذي (3235).

[9] متفق عليه.

[10] مسند أحمد بن حنبل (22030).

[11] مسند أحمد بن حنبل (13467).

[12] صحيح مسلم (261).

[13] صحيح مسلم (69).

[14] تفسير القرآن العظيم لأبي الفداء ابن كثير الدمشقي (3/ 1400).

[15] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (14).

[16] الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري ص: (199).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 88.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 86.48 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]