عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12-12-2021, 07:06 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 88,138
الدولة : Egypt
افتراضي تمخض الجبل فولد فأرا (قصة)

تمخض الجبل فولد فأرا (قصة)
الزهرة هراوة


ازدحم الكلُّ عند الجبل.
أغلبهم فضوليُّون.
وقليل هم أولئك المتعاطفون.
الكل يريد التأكُّد من صحَّة الخبر.
أحقًّا أن الجبل في المخاض؟!
ترى كيف سيكون ابنه؟!
هل سيكون جبلًا أشم مثل سلفه؟
وهل سيكبر يومًا بعد يوم، أم أنه سيولد كبيرًا؟
وبعد طول انتظار، وصَبر واصطبار، وَلَد فأرًا!
ماذا؟!
الجبل ولَد فأرًا!
ولَّى أغلبهم ضاحكين ساخرين هازئين.
ماذا عساه أن يفعل هذا الفأر؟
لكن الفأر لمَّا علم نَسَبه داخله الغرور؛ كان يظنُّ نفسه أعلى شأنًا من بقيَّة الخلق.

كان يَفتخر بنَسَبه لحدِّ الكِبْر والعُجب.

ولا يَلتقي بأحد أو كان في مجلس إلَّا وتفاخر بأبيه الجبل، ولا يفوِّت فرصة إلَّا وتفنن لإثبات ذلك، منتقصًا من قيمة الآخرين.

انفضَّ الكل من حوله؛ لما عرفوا كِبره وغرورَه، حتى أولئك الذين تعاطفوا معه.

فمَن يحب الكِبر، ومن يحبُّ ازدراء الآخرين؟!

وجَد الفأر نفسَه وحيدًا بلا حول ولا قوَّة؛ بل صار يسمع عبارات السُّخرية والاستهزاء والاحتقار، ونظرات الازدراء تَبدو على محياهم.

جعله ذلك يكنُّ حقدًا وغِلًّا على الجميع دون استثناء، وقرر أن ينتقم لنفسه ولكرامته.

فصار يفسِد حرثَ هذا، ويهدم بيتَ هذا، وينهب مالَ ذاك، وكلَّما أفسد في الأرض، زادَت شهيَّته للإفساد أكثر، وقد مَنح مبرِّراتٍ لنفسه على ما يقوم به؛ حتى لا يشعر بالذنب.

فلما علم الآخرون بشَأنه، ازدادوا بغضًا له على بغض، بل توعَّدوا بقتله، وأهدروا دمَه.

تَناهى لمسامع الفأر الخطط التي حِيكَت ضده لتصفيته، كانوا كثرًا فلم يتمكَّن من مهاجمتهم ولا مواجهتهم، وبقي خائفًا يترقَّب مصيرَه المحتوم، يختبئ في النهار ويسري في الليل بحثًا عن مكان آمِن.

حتى خارَت قواه وأدرك أنَّه ميِّت لا مَحالة، فإذا بمن يأتي إليه مبشرًا يخبره أنَّ أغلب المتآمرين على قتله قد وقَعوا في شرك ولا مناص من النجاة منه، وأنه حرٌّ في الأرض يَفعل ما يشاء، فلا أحد سيتعرَّض له؛ إذ إنَّها مسألة وقت ويصبح غرماؤه في عداد الموتى.

لكنه تعلَّم درسه جيدًا، فما كان له إلا أن سأل عن مكان الشرك، وانتقل مسرعًا إليه، وما إن وصَل حتى بدأ بقَضم حِبال الشرك، ولم يتوقَّف حتى أنهى عليه، وتحرَّر الكل، فما كان منه إلا أن اعتذر منهم على ما فَعل بهم، وقد سلَّم نفسه لأن يقتصُّوا منه، وهنا نطق الجميع على لسانٍ واحد:
قد أخطأنا في حقِّك نحن أيضًا، وقد سامحناك على أن نَبدأ حياةً جديدة، يسودها الحبُّ والاحترام، وقد بَرهنتَ حقًّا أنك ابن الجبل، وأن نتعاون جميعًا ضد أعدائنا الحقيقيين.


وما هي إلَّا لحظات حتى ثارت ذرَّات الغبار حول الفأر، وازدادت في الاتِّساع والكبر شيئًا فشيئًا، مما اضطرَّ الآخرين إلى الابتعاد عن الغبار الثائر الذي ازدادت رقعته اتِّساعًا حتى كادت تأخذ معظمَ الأرض التي هم عليها، ولما هدأَت انفرجَت على جبَل ضخم أشم أكبر من سابِقه، فأُصيب الناس بالفزع وولَّوا مدبرين، وإذ بصوتٍ من الجبل ينادي عليهم: أن لا تخافوا، فأنا صديقكم الفأر، ومِن الآن فصاعدًا سأقف حصنًا منيعًا لكم؛ يقيكم من شرِّ أعدائكم، ويكون مساندًا لكم، فهلَّلوا مستبشرين:
نِعْم الخلف لنِعْم السَّلف.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.52 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.63%)]