الموضوع: ولادة أصبوحة
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 26-07-2021, 02:32 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,392
الدولة : Egypt
افتراضي ولادة أصبوحة

ولادة أصبوحة
د. مصعب سلمان أحمد السامرائي






الحمد لله فالِق الإصباح وجاعِل الليل سكَنا، وخالق الأرواح وجاعل الأجساد لها وطنا، القائم بأرزاق عباده فما لأحد منهم عنه غِنى، سبحانه له الكمال والدوام والغنى، ولنا النقص والانقطاع والفنا.

أحمده وأشكره سرًّا وعلَنا، وأصلِّي وأسلم وأبارك على عبده ورسوله محمد سيد الأصفياء الأمنا، وعلى آله وصحبه وذرياته سادتنا وأئمتنا.

وبعد:
فالصَّباح بدايةُ اليوم بآماله المبنيَّة على آلامه، وأحلامِه عن واقعه وحقيق حاله، ومستقبل يروم فيه تحقيق أمانيه وتطلُّعاته.

هو بداية يوم يسارع فيه الإنسانُ لتحقيق ما عجز عن تحقيقه في اليوم الذي سبقه، كيف لا، وهو بمنظرٍ آسِر؛ ألا وهو هروب الليل؟ فيأتي الصباح حاملًا معه الأملَ والجمال، وتشرِق الشمس ليوم جديد تتَّحد فيه الأرواح والأحلام.

الصَّباح بعثٌ جديد لحياة جديدة، وولادة الأمل، والتفاؤل، والهمَم، والقوَّة، والنشاط.

لا نحِسُّ به إلا إذا شاهَدنا بياضه وشمَمنا هواءه، نعرفه بصوت العصافير، ونقاءِ الأسارير، ونغَمِ التراتيل، وعزف الرعاة وأجراس المواشي وخرير الماء في السواقي، وأناشيدِ الأوطان، وسلام الإنسان مع الإنسان.

الذين لا يعرفون الصَّباحَ هم الذين سهروا الليلَ فضيَّعوا الصباح، عشقوا السَّوادَ فتنكَّر لهم البياض، ومرَّت عليهم الصباحات الجميلة وهم في نومٍ طويل ورقود عميق.

تركوه للعصافير التي تنشِد فيه بلغتها أنشودةَ الصباح الجميل:
لغةُ الصَّباح تقول لي:
إنَّ الأمانيَ تشرقُ

ودليلها الشَّمس التي
يفترُّ عنا المشرِقُ

ودليلها الأُفق الذي
أنوارُه تتدفَّق

ودليلها الرَّوض الذي
بشَذى الأزاهِر يعبقُ

ودليلها الطَّير الذي
فوق الغصون تُشقشق

لغة الصَّباح فصيحة
كلماتها تتألَّق

فمَن الذي يصغي لها
وبما تحدِّث يَنطق[2]


وقد ذكر فالقُ الإصباحِ الصَّباحَ في آيات كتابه الملاح في (ثلاثَ عشْرةَ مرة) في (ثماني سور)، فيه عبَرٌ وعِظات لمن أراد الفلاح والنَّجاح:
1- في سورة (الأنعام) على وجه المنِّ والإنعام، قال تعالى: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: 96].

2- وفي سورة (هود) الوعيد والتهديد لأهل الكفر والجحود، قال تعالى: ﴿ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ [هود: 81].

3- وفي سورة (الحجر) بشارة نِهاية الظُّلم والطغيان وأهل الكبر، قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾ [الحجر: 66].

4- وفي سورة (الحجر) أيضًا منحة طمس معالم المجرمين، قال تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ [الحجر: 83].

5- وفي سورة (الروم) تقديس الإنسان لخالق الأكوان، قال تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ [الروم: 17].

6- وفي سورة (الصافات) اعتبار بمَن فات ومات، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴾ [الصافات: 137].

7- وفي سورة (الصافات) أيضًا إنذار لمن جاءته الآيات البيّنات، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ﴾ [الصافات: 177].

8- وفي سورة (القلم) ذكر ما عقد عليه الإخوة من قسم، قال تعالى: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ [القلم: 17].

9- وفي سورة (القلم) أيضًا ذكر ما عاقبتُه الندم، قال تعالى: ﴿ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾ [القلم: 21].

10- وفي سورة (المدثر) إيذانٌ لكلِّ مستضعَف ومتكبِّر، قال تعالى: ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴾ [المدثر: 34].

11- وفي سورة التكوير إنذارٌ وتحذير، قال تعالى: ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ [التكوير: 18].

12- وفي سورة (العاديات) توصيف للصَّافنات، قال تعالى: ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾ [العاديات: 3].

وفي الختام، فمِن جميل ما قيل:
لولا الصَّباحُ وما يضفيه مِن ألقِ
على النُّفوس لخضنا لجَّةَ القلَقِ

يجيئنا في ثيابِ النور يلهِمنا
عشقًا جديدًا سما بالروح للأفُق[3]



صباحكم سناء وبهاء، صباحكم جمالٌ وجلال، صباحكم أمن وأمان، صباحكم إبداع وتألُّق.


[1] كلمة ألقيتها في أول أصبوحة أقيمَت في كلية الإمام الأعظم رحمه الله الجامعة / سامراء، بتاريخ 17/ 3/ 2016.

[2] من شعر الدكتور عبدالرحمن العشماوي.

[3] من شعر سعد الغامدي.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.28 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]