عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-07-2021, 12:37 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,139
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التعليم المشهود يواجه ثورات ضخمة دون صمود

أن يستلزم أي تكوين إضافي ترقية وراتبًا إضافيًّا؛ فالتكوين المستمر لا يكون في صالح صاحبه فقط، وإنما في صالح المجتمع ككل؛ ولهذا ينبغي أن ينال صاحبُه ما يستحقُّه، ليس من باب التشجيع فحسب، ولكن من باب العدل في التقدير، وإحقاق الحقوق في التدبير، حتى يصبح مسلَّمًا به عند الجميع: أن الرقي في العلم والمعرفة يفضي إلى ارتقاء في الوضعية، وزيادة في الراتب، بل حتى لو كان صاحب هذا الترقي في العلم هو رب العمل ذاته، فسيشعر أن الإضافة في مؤهلاته العلمية، وتحسين معارفه الفنية، سيسمح لا محالة بزيادة الوعي بالمتاح أمامه من الإمكانات، ويؤهِّله لاستفادة قصوى ومفيدة من الفرص المتاحة له ولمؤسسته، ولا سبيل إلى الرقيِّ إذا لم يَعُدِ التعليم العالي إلى جعل هذا الأمر قضية مُسلَّمةً، وجزءًا هامًّا من الاستثمار الإستراتيجي.

• لم يعد مجديًا أن يؤدي أستاذ التعليم العالي نفس المهمة مدة طويلة:
وفي هذا المجال ينصح التقريرُ بتيسير النقل الجغرافي والمؤسساتي لأساتذة التعليم العالي، فكون التعليم مُجبرًا على ربط الصِّلاتِ الوثيقة بالقطاع الخاص، بل لزوم انخراطه في إنشاء المقاولات وابتكار الصناعات - يُلزم القوانينَ الرسمية والإجراءات الإدارية بأن تسمحَ لأستاذ التعليم العالي أن يُمارِس شتَّى المهام طِيلةَ نشاطه العلمي بالجامعة، حيث يدرس ويبحث، ويتابع تعليمَه هو كذلك أسوة بغيره، ويدير مؤسسات البحث والمقاولات في الصناعة المتولدة من المبتكرات الجامعية وغيرها، مما له نفع على تنمية مهاراته وخبراته.

ولعل البعض - وخاصة داخل عالمنا الإسلامي - يرى في خروج الأستاذ الجامعي للمجال المقاولاتي نوعًا من صرف اهتمامه عن العلم، وانغماسه في التجارة.

وننبه على أنه قد ولَّى الزمن الذي كانت التجارة فيه حكرًا على أصحاب رؤوس الأموال؛ فقد أضحى العلم والمعرفة رأسمال ذا قيمة لا تقدر بثمن، ولم يَعُدْ عيبًا بالدول الصناعية - إلا لدى بعض الفئات التقليدية - أن يتمتَّع الأستاذ الجامعي - إلى جنب تألُّقِه العلمي - بالدخل العالي، والتوفر على مال وفيرٍ يسمح له ولطاقمه بالاستثمار في شتى المجالات.

هـ) التعليم مجبر على التجديد إن رام تكوين العقليات العلمية:
من خلال ما عرضناه من تحديات ضخمة وواجبات جِسام، حُقَّ لنا أن نتساءل: هل نعيش نهاية زمن التعليم العالي وموت الجامعة كما عرفها الغرب منذ بدايات عصر التنوير وعهود ازدهار المعرفة الموسوعية؟
"إن سيادة معايير الكفاءة المقومة ماليًّا وربحيًّا محلَّ المعرفة، وصعود الإداريين في مواجهة الأكاديميين، وتهميش المشاركة في اتخاذ القرار في مؤسسات التعليم العالي، واحتمال تدهور البحث الأساسي، حيث لا يترتب عليه هامش ربحٍ مباشر للصناعة، كما في حالة البحث التطبيقي والتقاني"[3] - تُسهِمُ في موت الجامعة كما عرفت من قبلُ، وستفسح المجال لمخلوق آخر مُشوَّه البنية عديم الفائدة، بحجة مواكبة العصر ومسايرة التطور[4].

فمن أهداف العولمة الأساسية، بل من محركاتها القوية أن يكون المال دُولَةً بين الأغنياء من المجتمعات، وأن يؤول الأمر إلى الـمُتْرفين، وهذا ما يحاربه الإسلامي محاربة شديدة، وغياب التبصر لما يتطلبه التعليم العالي على ضوء ما نحتاجه من علماء في مستوى الإخراج الذي نبهنا له في ذكر الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، لا على ضوء ما تمليه ضغوط العولمة - سيُجنِّبُنا العمل بتلك الوصايا التي تنصحنا باغتراف تكنولوجيا الموت في وجه فن الحياة.

فلقد أخذ الخطاب التحذيري من الغفلة عن السباق التكنولوجي مع ما يصاحبه من تهويل مُفرطٍ للتقدم في مجال الاتصال، وتوفير المعلومات - شكلاً من الترهيب الذي يغرس في النفس التسليم بقوة مالكي زمام التفوق التكنولوجي في هذه العلوم، ويضعف الذات التي تحتاج إلى الجهد الكبير لتكون في مستوى الذكاء الصناعي للحاق بركب علوم الاتصال وتدبير المعلومات المعاصرة، ونحن نحتاج لمواجهته إلى الثقة بالنفس، والإيمان بأننا نستطيع التغيير والتمكن من تحديد المصير.

أكيد أننا نحتاج إلى إتقان السباق في درب اكتساب تكنولوجيا المعلومات، التي بدأ مفعولها الدولي بخُطًى بطيئة في أواخر السبعينيات، وأضحت اليوم شيئًا عَلَمًا بعد أن اكتسحت معظم ساحات النشاط الاجتماعي والثقافي والعلمي، والأمر ليس بالشيء الهين؛ فلقد احتاجت فرنسا لعشر سنوات لتعميم شبكة المنيتيل (Minitel) على 25000 مشترك، بيدَ أن شبكة الإنترنت تشهد ولادة ما يزيد على 1000000 موقع كل شهر في العالم، وهذا ما اعترف به رئيس الوزراء الفرنسي الحالي ليونيل جوسبان حين أقدم على ثورته المعلوماتية سنة 1997 م؛ (انظر الملحق المخصص لعرض هذه الثورة لمزيد من الاستفادة).

وهذه الثورة المعلوماتية الفرنسية المعاصرة تدل دلالة واضحة على أن التعليم العالي لا يمكن أن يقوم بأعباء التغيير وحده، بل على أجهزة الدولة العليا أن تقوم بثورة كبرى، وتغيير جذريٍّ في عدة مجالات، وعلى أعلى المستويات؛ لكي يؤدي التعليم العالي واجبَه اليوم على شكل يسمح للمجتمع بسد الفجوة التي تفصله عن التقدم الضروري والمواكب للتطورات العلمية المعاصرة، مع الحفاظ على هويته الذاتية، وقيمه الثقافية والحضارية.

فصناعة الملتيميديا (multimedia)، أو صناعة الاتصال متعدد الوسائط، التي تضم صناعات الكمبيوتر والاتصال، وصناعات السمعي ـ البصري - تُشكِّلُ اليوم أحد المحركات الكبرى والضخمة للتنمية، ومنجمًا هامًّا لسوق العمل.

وأضحى علم الاتصال يكتسي حيويَّة إستراتيجية، وأداة هامة من أدوات التنافس، يضاف إلى ذلك أن نسبة الذكاء في الصناعة الحديثة عالية جدًّا، وكل مجتمع لا يفرز أذكياء بالعدد المطلوب ويتبنى التعليم المفرز للأذكياء، ويقوي في مجتمعه قيمَ احترامِ وبلورةِ الذكاء، مُعرَّضٌ - إن عاجلاً أو آجلاً - للاندحار والذَّوبان.

وبدهيٌّ أن تعليم التكنولوجيا المعاصرة يبدأ في المدارس الابتدائية؛ فعدم وجود وسائل الاتصال من كمبيوتر ووصل بشبكة الإنترنت بهذه المدارس وبمختلف مراكز ومؤسسات التعليم - يجعل إمكانيَّات التعليم تتفاوت، وحظوظ كسب المعارف تعزز من الفوارق الاجتماعية؛ لكون أبناء الأغنياء وذوي الدخل المتوسط سيتفوقون - حتمًا - على أبناء الفقراء وذوي الدخل المحدود، لتوفُّر الأوَّلين على إمكانات اقتناء الكمبيوتر والاشتراك في شبكة الإنترنت - إن لم يكن شيئًا عاديًّا من أثاث بيوتهم - بيدَ أن الآخرين لا يجدون لذلك سبيلاً إلا عن طريق مقاهي ونوادي الإنترنت، مما يزيد ذويهم كلفةً إضافيةً لا يطيقها إلا القليلُ منهم، رغم ضيق الوقت وضغط المناخ الذي يشعر به الطالب أو الباحث في المقهى أو النادي مقارنةً مع الجو العلمي الذي يحسُّ به وهو يمارس بحثَه عبر أدوات مماثلة في بيته، أو داخل الحرم الجامعي.

فالحثُّ على الذكاء، وإعداد رجاله أمر لا تقوم به المؤسسة التعليمية وحدَها - وإن كانت صاحبة الحظ الأكبر فيه - فإلى جنبها يقوم المجتمع - وعلى رأسه الدولة - بما عليه من الواجب، تقوم الأسرة كذلك بما يلزمها في هذا الصَّدَدِ، فأمران لا يجتمعان: فن وتعفن.

فعلى الدولة إزالةُ ما يُسهِمُ في تعفُّنِ الحياة الاجتماعية، والاستثمار في ازدهار الفنون، وفرض احترام الفن والعلم، وتعزيز قيمها في المجتمع: من حرية، وتشجيع المبادرات الطيبة، وحماية البيئة، وحب العلم، والحفاظ على العدل، واحترام الحقوق، وتكريم الجمال في الصَّنعة والعمران والهِندام.

كما على الأسرة القيامُ بقسط كبير من ذلك؛ حيث يمتثل أفرادها لما تمليه هذه القيم النبيلة: من سلوك، وواجبات، وتصرفات؛ فينشأ النشء حريصًا على العلم، مدافعًا عن العدل، محبًّا للجمال، نافرًا من كل ما يشينُ بالذات والمجتمع على السواء.

ومن المخاطر التي تهدد تعليمنا - نظرًا لغياب الإستراتيجية الشمولية في مجال تحديث أدوات التعليم، وإدخال وسائل الاتصال المتطورة كمنهل حديث للتزوُّدِ المعرفي - اتِّساعُ الفجوة بين طبقات المجتمع لوجود مؤسسات تربوية - وخاصة في القطاع الخاص - قد دخلت عصر التكنولوجيا الحديثة جاعلةً منه أداةً لاستجلاب العديد من الزبناء، بَيْدَ أن العديد من المدارس العمومية والخاصة يفتقر لأدنى وسائل البيداغوجية التقليدية، فضلاً عن تكنولوجيا المعلومات والاتصال المعاصرة، كما أن نفس الداء سيزيد من اتِّساع الهُوَّة بين المدينة والقرية، وسيجعل القرية تَئِنُّ أكثر من ذي قبلُ، ليس فقط لافتقارها إلى المؤسسات والأطر الضرورية، ولكن لضعف تجهيزاتها، التي لن تستطيع في ظل السياسات التربوية الحالية، لا مواكبة تطور المجتمعات في مجال العلوم الحديثة، ولا منافسة مثيلاتها في المدن والمراكز الحضرية.

هذا فضلاً عن الفوارق التي تحدثها وستحدثها هذه العلوم في صفوف فئات المجتمع؛ لأنها لغة تَخاطُبٍ واغترافٍ، خاصة مع المعرفة ومناهلها، يُتقِنُها المتمرِّنون، ويجهَلُها مَن لم يَألفْ، أو لم يُحسِنِ التعاطيَ لها، علمًا أن خبراء الاقتصاد المعتمدين على ذات الفنون في توسيع دائرة النفوذ سيسعَونَ إلى تعميم استعمال فنون التواصل في التلفاز والهاتف، وتدبير شؤون الحياة الروتينية، من أداء للفواتير المتعددة من ماء وكهرباء، وكِراء، ونقل، وطلب سلع، وشراء أدوات، وتعامل مع الأبناك، وصرف للعملات، وغيرها من الأمور التي ستَدفَعُ مع المدة كلَّ فئات المجتمع النَّشِطة إلى الانغماس الإجباري في بحور التفنن والإتقان لعلوم الاتصال المعاصرة، وخاصة في مستوياتها الشعبية.


[1] "في سبيل نموذج أوروبي للتعليم العالي" (Pour un modele europeen d' enseignement superieur)، وهو تقرير أعد من طرف لجنة من 16 خبيرًا برئاسة الأستاذ جاك أتالي، بناءً على طلب من وزير التربية الوطنية والبحث والتكنولوجيا الفرنسي بتاريخ 21 يوليو 1997 م.


[2] "الإستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي"، منظمة الإيسيسكو، ص 19 - 20.

[3] نادر فرجاني "التعليم العالي والتنمية في البلدان العربية"، مجلة المستقبل العربي، العدد 238، 11 / 1998 م ، ص 84.

[4] نادر فرجاني "التعليم العالي والتنمية في البلدان العربية"، مجلة المستقبل العربي، العدد 238، 11 / 1998 م ، ص 84.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.51 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.58%)]