عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-01-2022, 06:30 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 88,138
الدولة : Egypt
افتراضي مرارة (قصة قصيرة)

مرارة (قصة قصيرة)
السيد شعبان جادو


الآن صرتُ ألعق جراحي التي تنزف منِّي، أمسكتُ بالقلم وخططت تلك الكلمة، كان عقلي غائبًا، لم أتصوَّر أن أَبِيتَ ليلة واحدة دونها، تعوَّدت عليها، كل زاوية في هذا البيت تنبض بدفق قلبها، كيف لي أن أتنكر لها؟

كم كنت قاسيًا!
لم أعطِها جزاء الأيام والليالي التي سهرت بجانبي، كانت تقاتل الجوع، تحتفظ لي بطعامها، لم تطلب يومًا للعيد ثوبًا!

الأمل والنجاح، بل كل حرف في رواياتي نسقتُه، الصور والخيالات اقتبستها من عينيها، الكون يتَّسع ويتألَّق حين ألمس منها جلاء المعاني، أجد فيها كلَّ الرفد.

العاطفة التي كانت تدب في أشخاصي ربما هي من أشارت عليها بأن تمثل على صفحات مطبوعاتي!
كوب الشاي، مَن سيعدُّه لي؟
بل من سيَحتضن جوربي، ويهمس في أذني: للعرقِ في ثيابك عبق وأريج ليس في رائحة الورد؟!

تلقاني سعيدة كأنما لمست منها شغاف القلب!
الكاميرا!
يا لوهجها وبريقها!
يكتبون عنِّي المقالات!
يسطرون آيات المدح!

حين التفَّت تلك الحرباء حول عنقي، العجوز المتصابية، فتحت لي بابًا للنشر، شريطة أن أكتب الفصل الأخير وتكون هي الحاضرة لا أنت!
تحت وقع الفقر ولهيب الجوع استجبتُ!

كثيرًا ما سعيت أن أجد وسيلة أخرج بها للنور، لم أجرب التسكُّع في حارات الفكر، لست صاحب تزلف، أبعدت نفسي عن المداهنة، لكن الأيام تتكرَّر، ليس هناك جديد تحت الشمس!

أعلم أنك رحيمة بي، ستغفري لي، لأجلي ستتجرعين تلك المرارة!
آه!
أية دناءة تتحرَّك فيَّ؟
هل الجحود والنكران إلا أنا؟!
لن أسعد حينما أراقص تلك الشوهاء على بساط ممتد من عمرك!

أكتب ما تريد؛ تلك حقيقة أحاول التغافلَ عنها، حتى القلم الذي عاش معي، ستبدله بآخر يتماوج ويتمطى على سطح الورقة مثل ثعبان الصحراء!

ستضمُر تلك الآمالُ التي عشنا لها معًا، سأتحول إلى خنزير بري، أتوا به ليكون خدنًا لتلك الشوهاء!
هي ترفض أن توثق الورقة المهلهلة، لن يأتي الشهود، بل ستكون الليالي المخمورة في عربدة ما تستر!

لن يسأل أحد: من أنا؟
فقط سأُعرف بها؛ مثل ظلها، بل الخاتم الشائن في إصبعها الشبيه بالنصل!
أطفالي سيغيِّرون لقبهم في إثبات الشخصية، بل سيفرُّون حينما يرونني!
أتزرعين فيهم كراهيتي؟
لكن هذا غير وارد!
هل أنا محجوب عبدالدايم؟

لم يمت، تتوالى أمثلته، إن لم أقم بهذا الدور، غيري بارع يجيد الرَّقص على حبال الخيانة، ينتظر في لهفة أن يتحرَّك على الخشبة مثل قرد إفريقي!

صوت هادر يأتي من بعيد، إنه صوت مذيع القناة التي كنتُ أحبها، كانت مثل الشمس تكشف زيف الليل!
نعم، هو صوتك أنت!
أيعقل؟

أنا كنت أقنعتك أن تتركي صوتك هنا محبوسًا بالبيت ﻷجلي، ما الذي أقنعك أن تبدئي بعيدًا عنِّي؟
بل لقد رأيتُكِ هناك وسط الحشود الهادرة، عند مدخل الميدان، تَحملين الكاميرا، تلعنين الخنوع، ترفضين قيدي!

لا أصدق!
على الهواء!
تجرَّأت وأعلنت أنك مع الثورة!
هأنا المطلق!
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.60 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (3.61%)]