عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 14-08-2022, 08:27 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,488
الدولة : Egypt
افتراضي من المعاني الصوفية في شعر السروجي ( المحبة )

من المعاني الصوفية في شعر السروجي ( المحبة )
د. نبيل محمد رشاد




ديوان تقي الدين السروجي.. ما تبقى من شعره وموشحاته

الفصل الثاني: من المعاني الصوفية في شعر السَّروجي

المبحث الثاني: المحبة

الحب في اللغة نقيض البغض، والمحبةُ اسم للحب، ويُحاول الإمام القشيري أن يجدَ تفسيرًا لتسمية الحب بهذا الاسم، فيرى أنه من الممكن أن يكون مأخوذًا من:
1- الحَبَب الذي هو صفاء الأسنان، وشدة بياضها، ويرى أن ثَمَّة علاقةً بين هذا المعنى الحسي ومعنى الحب؛ لأنَّ الحب اسم دالٌّ على صفاء المودة.

2- الحباب، وهو ما يعلو الماء عند المطر الشديد، ويرى أن الصلة بين الحباب والحب تكمُن في أن في الحباب دليلاً على هيجان الماء واضطرابه، والحب مِن دلائله غليان القلب وثورانه، واهتياجه إلى لقاء المحبوب.

3- الحِبُّ هو القُرْطٌ، وقد سُمِّي القرط حبًّا للزومه للأذن، ولحركته ولعدم ثباته أسفلها، ويذكر القشيري أن الحب كالقرط في هذين الأمرين؛ لأنه إحساس يستقر في القلب، ويجعل صاحبه قلقًا.

4- أَحَبَّ البعير بمعنى برك ولم يقمْ، وبروك البعير - في تصوُّري - تصرُّف دالٌّ على ما يشعر به مِن الألم والتعب، وما يرغب فيه من الإناحة والاستقرار، والحب إحساس إذا غزا قلبًا استقر به، وأورث صاحبه كمدًا، وضنى، ونحولاً.

5- الحَبّ جمع حَبَّة؛ يقول القشيري: "وحبة القلب ما به قوامه"[1]، وعلى هذا يكون الحب قد سُمِّي باسم المكان الذي يحل فيه.

6- الحُب، وهي الخشبات الأربع التي توضع عليها الجرة، وفي تصوري أن العلاقة بينها وبين الحب تكمُن في أن هذه الخشبات الأربع ينزل عليها ما يسيل على جانبي الجرة من الماء، وتحتمل ثقل الجرة في حال امتلائها، والحب يجعل المحب دائمًا متأهبًا لتحمل آلام المحبوب، ومُستعدًّا لافتدائه بنفسه ورُوحه.

7- الحَبّ جمع حَبَّة، وهو البذر جمع بذرة، ويرى القشيري أن الصلة بينها تكمُن في أن الحب هو لباب النبات الذي لا حياة للإنسان والحيوان بدونه, والحب هو لباب الحياة؛ إذ لا معنى لها بغَيْرِه[2].

ويذكر الإمام القشيري أن المحبة تنقسم إلى قسمين كبيرين؛ هما: محبة الله تعالى للعبد، ومحبة العبد لله تعالى، أما محبة الله تعالى للعبد فهي عند القشيري بمعنى إرادة الله تعالى عبده لإنعام مخصوص عليه، يقول القشيري شارحًا الفارق الجوهري بين رحمة الله تعالى بعبده، ومحبة الله تعالى لعبده: "فإرادة الله تعالى لأن يوصل إلى عبده الثواب تُسَمَّى رحمة، وإرادته لأن يخصه بالقربة والأحوال العلية تُسَمَّى محبة، فإرادة الله سبحانه صفة واحدة، فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها، فإن تعلقتْ بالعقوبة تسمى غضبًا، وإذا تعلقتْ بعموم النعم تسمى رحمة، وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة"[3].

ويُقدِّم القشيري تعريفًا لمحبة العبد لله فيقول: "أما محبة العبد لله فحالة يَجِدها من قلبه، تَلطف عن العبارة، وقد تَحمله تلك الحالة على تعظيمه، وإيثار رضاه، وقلَّة الصبر عنه، والاهتياج إليه، وعدم القرار مِن دونه، ووجود الاستئناس بدوام ذِكره له بقلبه"[4].

ومِن قبل القُشيري بنحو قرنين من الزمان قدَّم الحارث بن أسد المحاسبي (ت 243هـ) تعريفًا للمحبة قال فيه: "المحبة مَيلُك إلى الشيء بكُليتِك، ثم إيثارك له على نفسك ورُوحك ومالِك، ثم مُوافقتك له سرًّا وجهرًا، ثم عِلمك بتقصيرك في حبِّه"[5].

وفي أخريات القرن الثالث الهجري نجد الإمام أبا القاسم الجنيد بن محمد (ت 297هـ) يعرِّف المحبة بقوله: "المحبة دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المُحبِّ"[6]، وقوله: "المحبة إفراط المَيلِ بلا نَيل"[7].

والناظرُ في هذه التعريفات الاصطلاحية للمحبَّة يَجدها تتوافق توافقًا تامًّا مع ما تدلُّ عليه الأصول اللغوية التي يُعزى إليها لفظُ الحُبِّ.

فتعريف القشيري للمحبة يوحي بأمرَين: أولهما أن المحبة إحساس لا يُوصف، وإنما يشعر بحلاوته مَن رُزقه أو ذاقه، والآخر أن ثمة لونَين لمحبة العبد لله تعالى هما: المحبة الصادقة، وادِّعاء المحبة، والمحبة الصادقة هي التي تدفع المحبَّ إلى الاهتياج إلى لقاء المحبوب، والائتِناس به، والعمل على مرضاته، وإيثار طاعته، ولزوم أوامره، واجتِناب نواهيه، أما ذلك الذي لا يَشعُر بهذه الأحاسيس فهو عند القشيري مُدَّعٍ للمحبَّة، وليس محبًّا صادقًا.

ويدلُّ تعريف الحارث بن أسد المُحاسبي على أن المحبة تبدأ ميلاً عاطفيًّا، وجنوحًا وجدانيًّا، ثم تستحيل بالبقاء والمكث إلى هوًى يَحمِل صاحبه على إيثار رغبات المحبوب على رغبات نفسه، ثم يتحوَّل هذا الهوى إلى موافقة تامَّة، وذوَبان كامل في إرادة المحبوب وهواه، مع لوم المحبِّ نفسه باستمرار لما يَشعر به مِن التقصير في حق المحبوب.

ومِن ثَمَّ يكون ابتداء المحبة بالمَيل، ثم يأتي مِن بعده الهوى، ثم تأتي مِن بعده الموافقة، وترتيب الحارث بن أسد لمراتب المحبَّة على هذا النحو يُغاير ترتيب التهانوي لهذه المراتب؛ حيث جعل التهانويُّ الموافَقة أولها، وجعَل مِن بعدها الهوى، ثم جعَل مِن بعده المحبَّة.

ويسير تعريف الإمام الجنيد في السَّبيل نفسه الذي سار فيه تعريف الإمام القشيري، وتعريف الحارث بن أسد، غير أنه يُضيف إليهما إضافةً ذات بال، وهي أن المحب الصادق لا يطمع في أن ينال شيئًا من المحبوب، وإنما يقتنع برؤيته، والائتناس به لا غير.

وتُفضي هذه التعريفات جميعها إلى أن المحب يجب أن يكون في صفاء موجته ونقائها كالحبب، وفي لزومه للمحبوب، وعدم انفِكاكه عنه كالقُرطِ في لزومه الأذن، وعدم انفكاكه عنها، وفي تحمُّله آلام المحبوب كتلك الخشبات الأربع التي تتحمَّل كل ما فوقها من الجرات.

ويُعرَف المحب الصادق بثلاثة أمور:
أولها: الفناء في المحبوب؛ يقول أبو عبدالله القرشي: "حقيقة المحبة أن تهَب كلَّك لمَن أحببتَ لا يبقى لك منك شيء"[8].

وثانيها: نسيان حظِّ نفسه من الدنيا، وعدم تعلُّقه بشيء من متاعها الفاني، وألا يطلب من المولى - عز وجل - شيئًا من النعم، وإنما يرضى بما قُدِّر له من ابتلاءات؛ قال أبو يعقوب السوسي: "حقيقة المحبة أن يَنسى العبد حظه من الله - عز وجل - وينسى حوائجه إليه"[9].

وثالثها: الثبات على المحبة في حالتي الوصل والهجر؛ قال يحيى بن معاذ: "حقيقة المحبة ما لا يَنقص بالجفاء، ولا يَزيد بالبرِّ"[10].

ولقد ورد الجذر المعجمي (حبب) ستًّا وعشرين مرةً فيما تبقى من شعر تقي الدين السَّروجي وموشَّحاته؛ يقول من قصيدة يُخاطب المحبوب:
يا مَن شُغِلتُ بحبه عن غيره
وسلوتُ كل الناس حين عشقتُه [11]



ففي هذا البيت ورد لفظ الحب مضافًا إلى ضمير الغائب (هو) الدال على المحبوب أو المولى - عز وجل - والشاعر في معرض مناجاة محبوبه يَذكُر أنه قد فني في حبه، ولم يعدْ في قلبه مكانٌ لِحُبِّ أحد مِن بني البشر، وغنيٌّ عن البيان أنَّ انشِغال المحب بالمحبوب شرطٌ من شروط المحبة الصوفيَّة الصادقة، ولقد عبَّر عن هذا المعنى غيرُ واحد مِن كبار المتصوفة يقول سمنون المحب (ت 298هـ) في معرض مناجاة محبوبه[12]:
شغلتَ قلبي عن الدنيا ولذَّتها
فأنت والقلب شيء غير مُفترِقِ

وما تطابقت الأحداق مِن سِنة
إلا وجدتُك بين الجَفن والحدقِ



ويقول[13]:
وكان فؤادي خاليًا قبل حبِّكم
وكان بذكْرِ الخلقِ يلهو ويمرَح

فلمَّا دعا قلبي هواك أجابَه
فلستُ أراه عن فنائك يبرَح

رُميت ببَينٍ منك إن كنتُ كاذبًا
وإن كنتُ في الدنيا بغيرِك أفرَحُ

وإن كان شيء في البلاد بأَسرِها
إذا غبتَ عن عيني بعينيَ يَملُح


ويقول نجم الدين محمد بن إسرائيل (ت 677هـ) مناجيًا محبوبه أيضًا:
وشغلتمُ كلِّي بكم وجوارحي
وجوانحي أبدًا تحنُّ إليكمُ [14]


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.26 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]