عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-08-2022, 03:57 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من دقائق العربية

من دقائق العربية (2) نوع (الذكرى)
د. أحمد عيد عبدالفتاح حسن




سألني أحد الفضلاء الوافدين إلى الأزهر الشريف، من الدارسين في مرحلة الماجستير (تخصص الأدب والنقد) عن (الذِّكْرَى): أهي مصدر أم اسم مصدر؟ وكيف تكون اسم مصدر؟ وذلك بعد أن وجد شارحًا للمعلَّقات يقول: إنَّها اسم مصدر، في قول امرئ القيس [من الطويل]:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ ♦♦♦ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ[1]

والجواب: أن (الذِّكْرَى) جاءت في كلام العرب دالةً على الحدث المجرد، وهي في كلامهم على وجهين:
الوجه الأول: أن تكون مصدرًا من مصادر الثلاثي المسموعة عن العرب، على وزن (فِعْلَى) - مكسور الفاء، ساكن العين - ولم يرد على هذا الوزن مصدرٌ غيره، وهو أحد أربعة مصادر للفعل الثلاثي مسموعة عن العرب:
1 - الذِّكْرُ: كما في قوله تعالى: ﴿ اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾[الأحزاب: 41]، وقول الأخطل [من الطويل]:
وكُنْتُمْ إِذا تَنْأَوْنَ عَنَّا تَعَرَّضَتْ ♦♦♦ خَيَالَاتُكُمْ أَو بِتُّ مِنْكُمْ على ذِكْرِ[2]

2- الذُّكْر: زعم الأحمر أن الضمَّة في ذِكْر هي لغة قريش.
3 - الذُّكْرَة: قال كعبُ بن زهير رضي الله عنه [من الكامل]:
أنَّى ألمَّ بِك الخيالُ يطيفُ ♦♦♦ ومطافُه لك ذُكْرَةٌ وشُعُوفُ[3]

4 - الذِّكْرى: يقال: ذَكرْتُ الشيءَ (ذِكْرًا)، و(ذُكْرًا)، و(ذُكْرَةً)، و(ذِكْرَى)، واجعله منك على (ذُكْرٍ) بضم الذال، وعلى (ذِكْر) بكسر الذال، ويقال: ذَكَرَه بعد النسيان، وذَكَره بلسانه وبقلبه يذكُرُه (ذِكْرًا)، و(ذُكْرًا)، و(ذُكْرَةً)، و(ذِكْرَى)[4].
وقيل: إن (ذَكْرًا) - بفتح الذال - لغة لبعض العرب[5]، وهو المصدر المقيس للثلاثي المتعدي.


والوجه الثاني: أن تكون اسم مصدر؛ وذلك لنقصان أحرفها عن أحرف الفعل في اللفظ والتقدير دون تعويض.
وهذا الفعل من غير الثلاثي، وهو الذي يتعدَّى بالهمزة والتضعيف إلى مفعولينِ، وإذا طاوعه فعلٌ آخر تعدَّى إلى مفعول واحد؛ فيقال: أَذْكَرتُه إياه إِذْكارًا، وذَكَّرْتُه ما كان منه تذكيرًا وتَذْكِرةً، فتذكَّره تذكُّرًا، ويقال: ذكرى؛ فتكون اسم مصدر، لنقصان أحرفها عن أحرف الفعل.

وهذا الاستعمال كثير في القرآن الكريم؛ ومن مواطنه:
1 - قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 69]، فـ(ذِكْرَى) اسم مصدر بمعنى (تَذْكير)، وتحتمل:
النصب على المفعولية المطلقة، والتقدير: ولكن عليهم أن يُذكِّروهم ذِكْرى.
والرفع على تقدير خبر، هي مبتدؤه، والتقدير: ولكن عليهم ذِكْرَى.
أو على تقدير مبتدأ، هي خبر عنه، والتقدير: ولكن هي ذِكْرَى.

قال الفراء: "وقوله: ﴿ وَلَكِنْ ذِكْرَى ﴾ [الأنعام: 69] في موضع نصب أو رفع؛ النصب بفعل مضمر: (ولكن) نذكرهم (ذكرى)، والرفع على قوله: (ولكن) هو (ذكرى)"[6].

وقال الزمخشري: "فإن قلتَ: ما محل (ذِكْرَى)؟ قلتُ: يجوز أن يكون نصبًا على (وَلَكِنْ يُذكِّرونهم ذِكْرى)؛ أي: تذكيرًا، ورفعًا على (ولكن عليهم ذكرى)"[7].

2 - ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 90]؛ أي: القرآن تذكير للعالَمين، فهي اسم مصدر[8].

3 - ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: 2].
قال الفيروزابادي: "الذِّكْرى اسمٌ أُقيم مقام التذكير، كما تقول: اتَّقيت تقوى"[9].
قال الألوسي: "نصب بإضمار فعله عطفًا على (تُنْذِرَ)؛ أي: وتذكر المؤمنين تذكيرًا"[10]، والتذكير هو الوعظ[11].

4 - ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ [الأعلى: 9]، ولا يخفَى عليك التقدير فيها؛ فالفعل المذكور هادٍ لك إليه.
5 - ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ [الفجر: 23]، ولا يخفى عليك التقدير فيها؛ فالفعل المذكور هادٍ لك إليه.

ولعلك لحظت معي الآتي:
(الذِّكْرى) إذا كانت مصدر الثلاثي المسموع، فهي بمعنى (الذِّكْر)، وهو: الحفظ للشيء تذكره، وضد النسيان، وهو أيضًا: جري الشيء على لسانك.

(الذِّكْرى) إذا كانت اسم مصدر من الفعل الرباعي (ذكَّر)، فهي بمعنى (التذكير)، وهو الوعظ، قال الفيروزابادي: "والتذكير: الوعظ؛ قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ [الغاشية: 21]..."[12].

(الذِّكْرى) إذا كانت اسم مصدرٍ من الفعل الخماسي (تذكَّر)، فهي بمعنى (التذكُّر)، وهو استحضار الشيء بعد نسيانه، قال ابن منظور: "والتَّذكُّر: تَذَكُّر ما أُنسيته"[13].

ولعلَّك عرَفتَ الآن أن هذا المعنى الأخير هو المراد في بيتِ امرئ القيس، الذي هو مطلع معلَّقته، وأن (الذِّكرى) فيه اسم مصدرٍ بمعنى (تذكُّر).

ولعلك انتبهتَ إلى أن فعله (تذكَّر) مطاوع لـ(فعَّل)، تقول: ذكَّرتُ خالدًا الشيء فتذكَّره.
قال ابن عصفور: "المطاوعة أن تريد من الشيء أمرًا ما فتبلغه"[14].

ويتعدى هذا الفعل إلى مفعولٍ واحد، وهو دون التاء يتعدَّى إلى مفعولين، ألا ترى أنك تقول: (علَّمتُ عليًّا النحوَ)، فتُعدِّي الفعل إلى مفعولين، وتقول: (فتعلَّم عليٌّ النحوَ)، فتُعدِّي الفعل إلى مفعول واحد؟

وأخيرًا أنبِّهك إلى أن كثيرين مِن علماء الصرف المتأخرين، يرون أن معنى المصدر هو: الحدث، ومعنى اسم المصدر هو: لفظ المصدر الدال على الحدث، فدلالة اسم المصدر على الحدث عندهم بواسطة دلالته على المصدر.
فـ(الغُسْل) في قولك: (اغتسلتُ غُسْلًا) يدل على (الاغتسالِ)، و(الاغتسالُ) يدل على إفراغ الماء على الجسم كله.

و(الوُضوء) في قولك: (توضَّأ خالدٌ وُضوءًا) يدل على (التوضُّؤ)، و(التوضؤ) يدل على غسل الأعضاء ومسح بعضها، على النحو الذي جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

و(الذِّكْرى) في قولك: (تذكَّر امرؤُ القيس الحبيبَ والمنزلَ ذِكْرَى) دالةٌ على (التذكُّر)، و(التذكُّر) يدل على استحضار الشيء بعد نسيانه.

قال الشيخ خالد - وهو يفرِّق بين المصدر واسم المصدر، من حيث المعنى -: "والفرق بين المصدر واسمه: أن المصدر يدل على الحدث بنفسه، واسم المصدر يدل على الحدث بواسطة المصدر؛ فمدلولُ المصدر معنى، ومدلول اسم المصدر لفظُ المصدر"[15].
﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ [الكهف: 10].



[1] البيت في ديوان الشاعر 110، ضبط وتصحيح/ مصطفى عبدالشافي.

[2] البيت في ديوان الشاعر 111، شرح وتقديم/ مهدي محمد ناصر الدين.

[3] البيت في ديوان الشاعر 49، تح/ علي فاعور.

[4] ينظر: تهذيب اللغة، والمحكم والمحيط الأعظم، ومختار الصحاح، والمصباح المنير، وتاج العروس (ذ ك ر).

[5] ينظر: تاج العروس (ذ ك ر).

[6] معاني القرآن 1/ 339.

[7] الكشاف 2/ 35.

[8] ينظر: روح المعاني 4/ 206.


[9] بصائر ذوي التمييز 3/ 12.

[10] ينظر: روح المعاني 4/ 318.

[11] ينظر: المصباح المنير (ذ ك ر)، وبصائر ذوي التمييز 3/ 13.

[12] بصائر ذوي التمييز 3/ 13.

[13] لسان العرب (ذ ك ر).

[14] الممتع في التصريف 1/ 126.

[15] التصريح بمضمون التوضيح 1/ 491.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.20 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.58 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.57%)]