الموضوع: أبت
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 16-08-2022, 06:40 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,571
الدولة : Egypt
افتراضي أبت

أبت
مروة سعيد علي




كنتُ في العشرين من عمري، وقد أوشكَت أعوام الدراسة الجامعية على الانتهاء، كان حُلمي وأَمَلي أن يكتمل ما بيني وبين مَن سكن قلبي بالزواج بعد التخرُّج، ولكن الرجاء خاب، وتحوَّل أملي إلى ألَمِي؛ فقد ودَّعني وكأننا انتهينا من أعوام الدراسة والحبِّ معًا، فارَقني بعدما رافَقني سنوات.

وبتُّ غارقةً في الأحزان، لا أرى أمامي إلا ما كان بيني وبين مَن سكن وجداني من ذكريات، أراه أمامي كلَّما نظرتُ في مرآتي، ولا يسكن في جوفي طعامٌ؛ من شدة ما في قلبي من أوجاع، وطيلة ليلي ونهاري وقلبي لا يكفُّ عن النواح، أما عقلي، فتطيح به أدواتُ التعجب والاستفهام: "لماذا تركني ورحل؟ ولماذا خان عهدي بعدما منحني من قبلُ عهود الوفاء؟".

وجاءني أبي وقلبي مكبَّل بالأحزان، أخبَرني بأن هناك مَن يطلبني للزواج، واسترسَل في الحوار، قال عنه ما لم يَزِدْ من آلامي؛ لأنها كانت فوق الاحتمال، فهو رجل أشيب يكبُرُني بعشرات السنوات، أرملُ وله أبناء، لكنه ثريٌّ يملك المال الذي فرَّق بيني وبين رفيق قلبي، أو ربما لا؛ فقلبي يحاول اختلاق الأعذار له ليواسيَني، فقد ودَّعني بلا أسباب.

وظل أبي يُزيِّن لي هذه الزيجة، وهو لا يعرف أنني لم أكن حينها أفرِّق بين شاب وكهل، فكلاهما كانا عندي سيَّينِ، ولكن شتان بين عبق الشباب وشيب الزمان.

وتزوجته وأنا لا أعرف ما ينتظرني من المزيد والمزيد من الأحزان، فما إن تزوَّجنا حتى تفرَّقنا في كل شيء؛ بَدْءًا من نوع الطعام، حتى ساعات النوم، وفي كل مرة يحتدُّ بيننا الخلافُ يُذكرني أنه لم يُخفِ عني من أمرِه شيئًا، وبأنني كنتُ على علم باختلاف الأجيال، ثم يراوغني كلما يئست وطلبت منه الطلاق، وكأنه لا يرى في طلبي هذا هدرًا للكبرياء.

وبات الندم يشتدُّ بي - كلما نظرت في مرآتي، ورأيت سنوات عمري تتطاير من أمامي - لعدم الزواج من شابٍّ يقاربني في الأعوام، فلربما وجدتُ حينها السلوى.

وزادت همومي بازدياد سنوات زواجي، وصرت ألوم أبي في طيَّات نفسي، فكلما تذكَّرت ما قاله عن السنوات القليلة ثم الميراث، يزداد غضبي، فالسنوات صارت عشرات.


لماذا يا أبتِ لم تحذِّرني، وقد عرفتَ عن الدنيا ما لم أعرفه؟
لماذا شجَّعتني على أن أخطوَ نحو الهلاك؟
لماذا يا أبتِ وَأَدْتَ شبابي مع رجلٍ تحكي تجاعيدُ وجهه ما بيني وبينه من مسافات؟

وبعد سنوات وسنوات مات زوجي، وورِثتُ منه المال، وورثت معه الشيبَ الذي هاجمني دون سابق إنذار، وما عاد لي من رادعٍ يمنعني من لومك يا أبتِ غير أنك أبي!

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 15.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 14.88 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (4.01%)]