الموضوع: فقه الدعوة
عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 14-01-2022, 04:15 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,122
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فقه الدعوة


فـقه الدعوة (10)


د.وليد خالد الربيع

تحدثنا في الحلقة السابقة عن الرفق والحلم واللين في الدعوة إلى الله تعالى، وذكرنا أقوال السلف في هذا الباب حيث قال بعضهم: إنه لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه، وقلنا: إن الرفق في الدعوة لا يعني التنازل عن الثوابت والتهاون في الواجبات، وإنما يعني تقديم الحق في صورة مقبولة.



الشرط الخامس - الصبر في الدعوة:

الصبر في اللغة هو الحبس، كما يقال: صبرت الدابة أي حبستها بلا علف، والصبر هو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل، فإن كان حبس النفس عن الجزع وقت المصيبة سمي صبرا، وإن كان حبس النفس عن الخوف وقت الحرب سمي شجاعة، وإن كان حبس النفس عن الفضول كان قناعة عفة، وإن كان حبس النفس عن الضجر عند النوائب كان حلما ورحابة صدر .

وقد أمر الله جل وعلا بالصبر فقال: {يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}، قال الحسن: «أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين وأن يصابروا العداء ».

ووعد الله الصابرين بأوفى جزاء فقال تبارك وتعالى: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا}، وقال تعالى: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما} وقال: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}، وقال تبارك وتعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.

وقال [: «ما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر» متفق عليه، وقال [: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا » أخرجه مسلم .

الصبر في الدعوة:

ويبين د. سيد نوح معنى الصبر في باب الدعوة إلى الله فيقول :» ومعناه: أن يوطن الداعية نفسه على تحمل كل ما يصيبه من أذى في ذات الله، ويصبر ويحتسب؛ لأنه يدعو إلى الانخلاع عن أخلاق وعادات وأعراف وتقاليد تأصلت في الناس حتى صارت كأنها جزء من حياتهم وما أنزل الله بها من سلطان، وهذا يؤدي إلى معارضته معارضة شديدة، وعليه فما لم يكن الداعية قد وطن نفسه على التحمل والصبر والاحتساب فإنه سيتعب وييأس بسرعة، وبالتالي يكون الفشل وعدم النجاح ».

والصبر في الدعوة إلى الله من أهم المهمات وأولى المطلوبات، قال الشيخ ابن عثيمين: «على كل داعية أن يكون: صابرا على دعوته، صابرا على ما يدعو إليه، صابرا على ما يعترض دعوته، صابرا على ما يعترضه هو من الأذى».

ويعلل ذلك شيخ الإسلام فيقول:» ولابد أن يكون حليما صبورا على الأذى، فإنه لابد أن يحصل أذى، فإن لم يحلم ويصبر يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}؛ ولهذا أمر الله الرسل - وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بالصبر، كقوله لخاتم رسله [: {يأيها المدثر < قم فأنذر...} إلى قوله {ولربك فاصبر}، فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالإنذار وختمها بالصبر»أهـ.

قال د. سيد نوح مبينا منزلة الصبر في الشرع المطهر:» حسبنا تكرار مادة الصبر في القرآن لأكثر من سبعين مرة، وحسبنا دورانه مع كل الأنبياء والمرسلين: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}، وحسبنا وصية لقمان لولده: {واصبر على ما أصابك}، ووصية عمير بن حبيب بن حباشة الصحابي الجليل لولده إذ يقول:« إذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فليوطن نفسه قبل ذلك على الأذى وليوقن بالثواب؛ فإنه من يوقن بالثواب من الله تعالى لا يجد مس الأذى »اهـ.

الصبر بالله ولله:

قال د. عبد الكريم زيدان:« بمعنى أن المسلم يؤمن بأن صبره إنما يكون بعون الله، فالله هو المصبر له، قال تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله}، وصبر المسلم لله، أي إن المسلم يصبر طاعة ومرضاة له، فالباعث على صبره محبة الله وطلب مرضاته»اهـ

الدعاة والابتلاء:

جرت سنة الله تعالى بابتلاء الدعاة بأنواع الفتن والمحن، قال تبارك وتعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}، وللابتلاء فوائد منها ما ذكره الله تعالى فقال: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب}، والابتلاء كما يكون في الشر يكون في الخير قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}، وهو سنة ماضية كما قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}، وبين سبحانه أن المطلوب وقت الابتلاء هو الصبر والاحتساب فقال تعالى: {ولقد كُذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين} وقال: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.

الصبر واستدعاء البلاء:

وهنا وقفة مهمة نبه إليها د. عبد الكريم زيدان، وهي إذا ما كان الابتلاء سنة ماضية فهل على المسلم أن يستدعي البلاء ويعمل على وقوعه ولا يجوز له دفعه ؟ فبين قائلا: «أولا: المطلوب من الداعي المسلم أن يدعو إلى الله على بصيرة بالوسائل والكيفيات المشروعة التي بينها القرن الكريم وطبقها الرسول الكريم [، فإذا أدت هذه الوسائل إلى أذى يصيب الداعي، فعليه أن يتقبله بالصبر لا بالجزع.

ثانيا: إذا كان للداعي مندوحة من الأذى - أي يستطيع أن يتوقاه - فله أو عليه أن يتوقاه حسب الظروف والأحوال، فقد يباح له الابتعاد عنه وعدم مباشرة ما يستدعيه، وقد يجب عليه الابتعاد وعدم مباشرة ما يستدعيه؛ لأن الابتلاء صعب على النفس فلا يجوز الحرص عليه ولا الرغبة فيه لأن فيه فتنة كجهالة العاقبة، وقد يحس المسلم من نفسه القدرة على الثبات، فإذا نزل به البلاء ضعف عن الاحتمال ووقع في الافتتان ورسب في الامتحان؛ ولهذا جاء في الحديث:» لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه « قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال:« يتعرض للبلاء لما لا يطيق » أخرجه الترمذي، وقال [: «يأيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» أخرجه مسلم، ـ قال النووي:« وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتداولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن، في الدين والدنيا والآخرة » اهـ ـ

ثالثا: قول ربنا عز وجل: {وكفى الله المؤمنين القتال} يشعر بأن عدم احتياج المؤمنين للقتال لكفاية الله تعالى يعد من نعمة الله على المؤمنين، والقتال فيه أذى ونصب وألم، فلو كان تعريض المسلم نفسه للابتلاء والأذى مطلوبا لذاته لما كان عدم الاحتياج إليه مما يمن الله به على المؤمنين .

رابعا: إيذاء أهل الباطل للمؤمنين غير مطلوب قطعا، بل هو من سيئات أهل الباطل، فكيف يسوغ تسليم المسلم نفسه للمبطل يؤذيه ويهينه ويذله؟ ألا يكون في هذا التسليم إعانة على وقوع ما يسخط الله تعالى، وإلقاء للنفس في التهلكة والمهانة؟ وكل هذا لا يجوز .

وقد ضرب د. زيدان العديد من الأمثلة من السيرة تبين فقه الرسول [ وصحابته لدفع البلاء قبل وقوعه وعدم استدعائه، كما أذن [ لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة فرارا بدينهم، وقبوله [ لعون عمه أبي طالب في الدفاع عنه، ودخوله في جوار المطعم بن عدي حتى لا تؤذيه قريش، وغير ذلك من أمثلة كثيرة تبين أن الأذى والضرر الذي يلحق المسلم كالأمراض والمصائب التي تنزل بالإنسان، فكما أنه لا يحبها ولا يرغب فيها ولا يريد إيقاعها على نفسه ولا يقدح ذلك في إيمانه، فكذلك لا يقدح في إيمانه عدم محبته ولا رغبته في وقوع أذى أهل الباطل عليه، وعدم استدعاء الضرر على نفسه » اهـ باختصار من كتاب ( أصول الدعوة ).

والخلاصة أن على الداعية أن يتحلى بالصبر وضبط النفس والابتعاد عن التهور والانفعال؛ لأن الصبر والاحتساب هدي النبي [ والأنبياء والمرسلين من قبله، وهو هدي الصالحين من الدعاة والمصلحين، أما الضجر والتهور فهو من أمراض الدعاة، ومن اتباع الهوى لا الهدى، ومن الاستعجال المذموم كما حذر الله منه في قوله: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}، وكم من عجلة أدت إلى ندامة، وكم من إقدام بلا حكمة أورد صاحبه موارد الهلاك بل وجر معه من لا ذنب له ولا مسؤولية، ففقه الدعوة يقوم على العلم والحلم والرفق والصبر، فهي أركان الدعوة الصحيحة وحماها الذي يحميها - بإذن الله - من الزيغ والزلل في القول والعمل.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.22 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.85%)]