عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 13-09-2021, 11:57 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,139
الدولة : Egypt
افتراضي رد: إسهامات باكثير النقدية المبكرة وتطورها

فضلاً على الأصالة الفطرية التي توارثها عن أسلافه الأوَّلين"[64]، ولا شكَّ أنَّ العرب من أكثر الشعوب قُربًا من أصالة الفطرة وبُعدًا عن مسارب الزيف والتضليل؛ لذا نجد باكثير لا يفتأ يدعو نظرائه من الأدباء العرب إلى التمسُّك بأصالتهم العربيَّة بوصفهم جزءًا من أمَّةٍ حضاريَّة عريقة، دون أنْ يمنع ذلك من تشرُّب ثقافات سائر الأقوام لكن مع الحذَر من الذوبان أو التقليد الأعمى الذي ينتج عنه حالة من الشِّقاق بين أدباء اللغة القوميَّة الواحدة؛ ومن ثَمَّ يجب أنْ يُحافِظَ الأديب على أصالته وهويَّته العربية "والمقصود بالأصالة العربيَّة هنا أنْ يكون الأديب عربيًّا في كلِّ شيءٍ، وقبل كلِّ شيء؛ عربيًّا في شعوره وتفكيره، ونظرته إلى الكون والحياة، عربيًّا في انتمائه واهتمامه واعتزازه بوطنه وأمَّته.

عربيًّا في إيمانه بالحضارة العربية، والحضارات التي قامت في مختلف أقطار وطننا العربي الكبير، واعتبار كل ِّأولئك حلقات في سلسلة ذهبية واحدة.

عربيًّا في إيمانه بالله وبالقيم الروحيَّة السماويَّة، وبالمثل العليا، وبالمبادئ الخلقيَّة الرفيعة؛ إذ هذه سمات أمتنا العربيَّة ومميزاتها ومقوماتها منذ كانت.

فالأديب العربي حقًّا هو الذي تكتمل فيه هذه المعاني، ولو كان يكتبُ بلغة أجنبيَّة، والأديب الذي تعوزه هذه المعاني أو بعضها، ليس في الحق أديبًا عربيًّا، وإنما هو أديب من العرب أو أديب يكتب باللغة العربيَّة.

وهذه الأصالة ليس معناها العُزلة عن العالم، أو الانغلاق في تراثنا والتعصُّب له تَعَصُّبًا يجعلنا في معزلٍ عن العصر الذي نعيشُ فيه، بل على الأديب العربي أنْ يتمثَّل جميع مشكلات عصره، والأفكار السائدة فيه، ولكن على شرط أنْ يَنظُر إلى كلِّ ذلك بعين الإنسان العربي الأصيل"[65].

لقد جعل الأديب باكثير اعتزازه بعُروبته نصب عينيه في فكره بكل ما تشمله كلمة العروبة من مكونات دينيَّة وقوميَّة وحضاريَّة؛ لذا نجدُها تُوجِّه اهتماماته في جميع كِتاباته أيًّا كان نوعها، وكانت القضيَّتين المحوريَّتَيْن اللتين لوَّنتا أعماله الأدبيَّة هما: وحدة العرب والتهديد الصِّهيَوْني لتلك الوحدة بصورةٍ عامَّة وللأرض الفلسطينيَّة بصورةٍ خاصَّة، وفي ذلك يقول: "اهتمامي بهذه المشكلة قديمٌ؛ لأني أعتقد أنَّ قضية فلسطين هي مفتاح القضايا العربيَّة كلها، وهي قضية حياة أو موت بالنسبة للشعب العربي كله"[66].

إنها قضيَّة لا تخصُّ الفلسطينيين وحسب، وإنما الشَّعب العربي كله، وما من شكٍّ أنَّ الأدباء العرب هم المعنيُّون الأوَّلون بهذه القضيَّة، وسلاحهم في هذه المعركة هو أقلامهم التي بين أصابعهم، وهو سلاحٌ يُدرِكُ باكثير مدى خطورته "فرُبَّ قلمٍ يكونُ له من الأثر في تحريك الجماهير العريضة وإلهاب حماسها وتعميق وعيها ودفعها إلى العمل ما يفوقُ كثيرًا أثر السلاح الذي يحملُه المقاتل في ميدان المعركة"[67].

وهو سلاح لم يغفلْه بنو صِهيَوْن كذلك؛ لذا فالعرب أولى باستخدامه، وهم أرباب اللسان والقلم على تقادُم العهود؛ ومن ثَمَّ نرى باكثير يُنبِّه أقرانَه من الأدباء إلى الأدوار المناطة بهم، ويتعيَّن عليهم أداؤها أداءً واجبًا يتمثَّل أبرزها في تبصير الأمَّة بما يحيطُ بها من مؤامرات ومَن يتربَّص بها من أعدائها على أنْ يكون الأديب حكيمًا في التصوُّر والمعالجة و"أنْ يَعِي دورَه في المعركة، فلا يُبدِّد مواهبه فيما لا يُجدِي على المعركة شيئًا، بله ما يُعطِّلها أو يعوقُها؛ كاختيار الموضوعات المثبِّطة للهمم والموهنة للعزائم، أو انتحال البدع الأدبيَّة المنحرِفة التي هي في بلادها نتاجُ اليأس الشائع هناك والانحِلال والتمزُّق والضَّياع.

فليس لنا أنْ نَسْتَنْبِتَها عندنا مجارات لتلك البلاد، إنَّنا نعيش معركة ضاربة ضدَّ مَن يريدون سلْب وجودِنا ذاته، فلا مكانَ في أدبنا لنغمات اليأس والضَّياع والشك والعبث والوهن"[68].

لكن ليس معنى ذلك أنْ يُضحِّي الأديب بإحسانه لفنِّه في سبيل الجري وراء موضوعٍ بعينه قبل أنْ تتكون لديه التهيئة النفسيَّة والشعوريَّة لتشكيل الموضوع أو الأفكار في قوالب فنيَّة تليقُ بها، وباكثير هنا يؤمنُ بقُدرة الأديب الفنان على إنتاج أعمالٍ فنيَّة يستوحي موضوعاتها من حماسته المتوقِّدة لأفكارٍ أو قضايا في الإصلاح الاجتماعي أو السياسي، لكن في الوقت نفسِه يُنبِّهه إلى "أنْ يحرص الحرصَ كلَّه على سلامة عملِه من الوجهة الفنيَّة، وأنْ يُدرِكَ أنَّ ذلك هو السبب الوحيد لجعْل الرسالة التي ينطَوِي عليها بليغة التأثير"[69].

رحم الله أديبنا الكبير علي أحمد باكثير، لقد كان حَقًّا في أدبه ونقده صاحبَ رسالة، حملها وأدَّاها بكلِّ تجرُّد وثقةٍ وبسالةٍ، فعفا الله عنه وتقبَّل أعماله.

المصدر: من أبحاث (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية)، المنعقد بالقاهرة في 18 – 21 جمادى الآخرة 1431هـ، 1 - 4يونيه (حزيران) 2010م.


[1] "مع علي أحمد باكثير"؛ عمر بن محمد باكثير، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، حضرموت، 1985م، 17.

[2] نفسه 15.

[3] "الجامع"، محمد عبدالقادر بامطرف، دار الهمداني، عدن، ط2، 1984م، 2/270.

[4] "سياحة في كتاب"؛ علي أحمد باكثير، التهذيب، سيئون ع4، 1349هـ، 70.

[5] "مع علي أحمد باكثير"، ص57.

[6] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ علي أحمد باكثير، دار مصر للطباعة، القاهرة، 8.

[7] "أزهار الربى في شعر الصبا"؛ علي أحمد باكثير، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، 1978م، 56.

[8] نفسه 134.

[9] نفسه163.

[10] "ديوان الشرنوبي"، تقديم علي أحمد باكثير، دار مصر للطباعة، القاهرة، د.ت، ص7.

[11] "أزهار الربى"، 150.

[12] "في النقد الأدبي"؛ د. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط3، د.ت، 148.

[13] "أزهار الربى"، 134.

[14] نفسه 163.

[15] "فن المسرحية"، 9.

[16] نفسه، 14.

[17] نفسه، 13.

[18] نفسه، 9، لكن مع الزمن وتكرار التجارب في هذا النوع الشعري ثبت صلاحية تلك الأبحر المزدوجة التفعيلة لنظمِه.

[19] نفسه، 12.

[20] "علي أحمد باكثير.. آراء وأحاديث"؛ اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، حضرموت، 1989م، 17.

[21] "فن المسرحية"، 9.

[22] "باكثير آراء وأحاديث"، 16.

[23] نفسه، 17.

[24] نفسه، 2، وانظر: "شعراء اليمن المعاصرون"؛ هلال ناجي، منشورات مؤسسة المعارف، بيروت، 1996م، 288.

[25] "أزهار الربى"، 89.

[26] "مع علي أحمد باكثير"، 18.

[27] "ديوان أبي تمام"، المطبعة الأدبية، بيروت، 1889م، 67.

[28] انظر: "الموازنة بين أبي تمام والبحتري"؛ للآمدي، دار المعارف، 1961م، 205.

[29] "سياحة في كتاب"، التهذيب، ع4، 71.

[30] "ديوان البحتري"، دار الصحوة للنشر، القاهرة، 2009م، 111.

[31] "ديوان بن زيدون"، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط3، 1965م، 115.

[32] "ملاحظات سائح في ديوان بن زيدون"؛ علي أحمد باكثير، النهضة الحضرمية، ع6 و7، يوليو 1933م، 2.

[33] "عباس العقاد ناقدًا"؛ عبدالحي دياب، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1966م، 384.

[34] "مقدمة ديوان الشرنوبي"، 10.

[35] نفسه، 11.

[36] نفسه.

[37] نفسه.

[38] نفسه، 12.

[39] نفسه.

[40] نفسه.

[41] "من الوجهة النفسيَّة في دراسة الأدب ونقده"؛ محمد خلف الله أحمد، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، ط2، 1970م، 239.

[42] "فن المسرحية من خلال تجارب الشخصية"، 31.

[43] نفسه، 34.

[44] نفسه.

[45] نفسه.

[46] نفسه، 42.

[47] نفسه.

[48] نفسه، 64.

[49] نفسه.

[50] "الأدب وفنونه"؛ د. عز الدين إسماعيل، دار الفر العربي، ط7، 1978م، 253.

[51] "المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ 65.

[52] نفسه.

[53] نفسه.

[54] نفسه، 67.

[55] نفسه، 69.

[56] نفسه، 75.

[57] نفسه.

[58] نفسه، 74.

[59] نفسه.

[60] نفسه، 79.

[61] نفسه.

[62] "علي أحمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر"؛ د. عبدالعزيز المقالح، دار الكلمة، صنعاء، 141.

[63] انظر مثلاً ص31 و51 و87.

[64] "مقدمة في الأدب الروماني الحديث، باكثير الوجه الفكري مجموع مقالات باكثير"؛ د. محمد أبو بكر حميد، مخطوط، 262.

[65] "دور الأديب العربي في المعركة ضد الاستعمار والصهيونية"، نفسه، 310.

[66] "مسرحيتي القادمة"، نفسه، 267.

[67] "دور الأديب العربي في المعركة"، 301.

[68] نفسه، 308.

[69] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، 36.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.84 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.11%)]