رد: رجل الفكر والايمان ( حسن البنا )
حسن البنا
بين المحمودية ودمنهور:
كنت أمضي الأسبوع المدرسي في دمنهور، وأعود ظهر الخميس إلى المحمودية حيث أمضى ليلة الجمعة وليلة السبت، ثم أعود صباح السبت إلى المدرسة فأدرك الدرس الأول، في موعده. وكانت لي في المحمودة مآرب كثيرة تقضى في هذه الفترة، يخر زيارة الأهل وقضاء الوقت معهم، فقد كانت الصداقة بيني وبين الأخ أحمد أفندي السكري قد توثقت أواصرها إلى درجة أن أحدنا ما كان يصبر أن يغيب عن الآخر هذه الفترة أسبوعا كاملاً دون لقاء.يضاف إلى ذلك أن ليلة الجمعة في منزل الشيخ شلبي الرجال بعد الحضرة يتدارس فيها كتب التصوف من” الإحياء” وسماع أحوال الأولياء والياقوت والجواهر وغيرها، ونذكر الله إلى الصباح كانت من أقدس مناهج حياتنا، وكنت قد تقدمت في صناعة الساعات وفي صناعة التجليد أيضا، أقضي فترة النهار في الدكان صانعاً وفترة الليل مع الإخوان الحصافية ذاكراً، ولهذه المآرب جميعاً لم اكن أستطيع أن أتخلف عن الحضور يوم الخميس إلا لضرورة قاهرة، وكنت أنزل من قطار الدلتا إلى الدكان مباشرة، فأزاول عملي في الساعات إلى قبيل المغرب حيث أذهب إلى المنزل لأفطر إذ كان من عاداتنا صوم الخميس والاثنين، ثم إلى المسجد الصغير بعد ذلك للدرس والحضرة ثم إلى منزل الشيخ شلبي الرجال أو منزل أحمد أفندي السكري للمدارسة والذكر، ثم إلى المسجد لصلاة الفجر، وبعد ذلك استراحة يعقبها الذهاب إلى الدكان وصلاة الجمعة والغذاء، والدكان إلى المغرب فالمسجد فالمنزل وفي الصباح إلى المدرسة. وهكذا دواليك في ترتيب لا أذكر أ نه تخلف أسبوعاً إلا لضرورة طارئة.
حسن البنا
في الإجازة الصيفية:
وكانت الإجازة الصيفية ظرفا مناسبا لتطبيق هذا المنهاج يوميا، ويدخل عليه عمل جديد هو المذاكرة كل صباح من طلوع الشمس تقريباً إلى الضحوة الكبرى مع أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح في منزله، حيث بدأنا بألفية ابن مالك نحفظها ونقرأ عليها شرح ابن عقيل، ونتدارس فيها كتبا أخرى في الفقه والأصول والحديث مما كان له أكبر الأثر في تهيئة دخولي لدار العلوم، مع أنني لم أكن أفكر في دخولها حينذاك وإنما كنا نقول نطلب العلم لمجرد العلم.
حسن البنا
نداء الصباح:
وكان من أعمالنا بالمحمودية خلال الإجازة الصيفية أو في صباح الجمعة أن نتقاسم أحياء القرية وكنا ثلاثة أو نزيد في بعض الأحيان ة الأخ محمد أفندي الدمياطي والأخ عبد المتعال سنكل لنوقظ الناس لصلاة الصبح قبل الفجر بقليل وبخاصة الإخوان، منهم، وكنت أجد سعادة كبرى وارتياحاً غريباً حين أوقظ المؤذنين لأذان الصبح، ثم أتف بعد ذلك لي هذه اللحظة السحرية الشاعرة على نبر النيل وأصغي إلى الأذان ينطلق من حناجرهم في وقت وأحد إذ كانت المساجد على مسافات متقاربة في القرية، ويخطر ببالي أنني سأكون سببا ليقظة هذا العدد من المصلين، وأن لي مثل ثوابهم مصادقة لقول الرسول ص: “ من دعا إلى هدىً فله أجره، وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً” وكان يضاعف هذه السعادة أن أذهب بعد ذلك إلى المسجد فأرى نفسي أصغر الجالسين فيه، في هذا الوقت سناً، فأحمد الله وأسأله أن يديم التوفيق..
حسن البنا
التهيؤ لدخول دار العلوم:
كانت أيام مدرسة المعلمين في سنواتها الثلاث أيام استغراق في التصوف والتعبد، ولكنها مع ذلك لم تخل من إقبال على الدروس وتحصيل العلم خارج حدود المناهج المدرسية. ومرد ذلك إلى أمرين فيما أظن أولهما: مكتبة الوالد.وتشجيعه إياي على القراءة والدرس وإهدائه إياي كتباً لا أزال أحتفظ ببعضها ومن أعمقها أثراً في نفسي: “ الأنوار المحمدية للنبهاني” و “مختصر المواهب اللدنية للقسطلاني” و “نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ الخضري” وقد كونت لي - بناء على هذا التوجيه، وما تولد منه من شغف بالمطالعة وإقبال عليها - مكتبة خاصة فيها مجلات قديمة وكتب متنوعة. وكنت وأنا في المحمودية في المدرسة الإعدادية أترقب الشيخ حسن الكتبي يوم السوق بفارغ الصبر لأستأجر كتبا بالأسبوع لقاء مليمات زهيدة ثم أردها إليه لآخذ غيرها وهكذا.
وكان من أشد هذه الكتب في هذا الدور وأعمقها أثرا” في نفس قصة الأميرة ذات الهمة. وإذ ذكرت ما كنا نطالع من قصص كلها حماسة وشجاعة وذود عن الوطن، واستمساك بالدين وجهاد في سبيل الله وكفاح لنيل العلا والمجد، ثم ذكرت ما يطالع شباب اليوم وناشئوه من روايات كلها ميوعة وخنوثة وضعف ولين، وأدركت مدى التطور الغريب بين ثقافة الأمس العامة وثقافة اليوم العامة كذلك، وأعتقد أننا في أشد الحاجة إلى غربلة هذا الغذاء الثقافي الذي يقدم إلى الجمل الجديد، في صورة كتب أو روايات أو صحف أو مجلات.
وكان العامل الثاني: أن مدرسة المعلمين حينذاك قد جمعت نخبة من فضلاء الأساتذة - مثل أستاذنا عبد العزيز عطية ناظر مدرسة المعلمين بالإسكندرية الآن ورئيس الإخوان بها، وأستاذنا الشيخ فرحات سليم رحمه الله، وأستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو علام، وأستاذنا الحاج على سليمان، وأستاذنا الشيخ البسيوني جزاهم الله خيرا - امتازوا بالصلاح والخير وتشجيع طلابهم على البحث والدرس وكانت لي بحضراتهم صلة روحية كنت أجد فيها الكثير من التشجيع. ولا زلت أذكر أن الأستاذ عبد العزيز عطية، وقد كان يدرس لنا التربية العملية، وقد أجرى لنا اختبارا شهرياً فأعجبته إجابتي فكتب على الورقة أحسنت جداً ولو كان هناك زيادة على النهاية لأعطيتك. وحجز الورقة بيده عند توزيع الأوراق، ثم طلبني وسلمها إلى و زودني بكثير بن عبارات النصح والتشجيع والحث على القراءة والدر!ن والمطالعة، واختصني بتصحيح بعض” بروفات كتابة”المعلم” ني التربية الذي كان يطبع إذ ذاك بمطبعة المستقبل بدمنهور.
كان لهذه العوامل أثرها في نفس فحفظت وأنا في هذه المرحلة من التعليم خارج المناهج المدرسية كثيراً من المتون في العلوم المختلفة فحفظت ملحة الإعراب للحريري ثم الألفية لابن مالك والياقوتية في المصطلح والجوهرة في التوحيد والرجبية في الميراث وبعض متن السلم في المنطق وكثيرا من متن القدوري في فقه إلى حنيفة ومن متن الغاية والتقريب لأبي شجاع في فقه الشافعية، وبعض منظومة ابن عامر في مذهب المالكية. ولست أنسى أبدا توجيه الوالد لي بالعبارة المأثورة” من حفظ المتون حاز الفنون” و لقد كان أثرها في نفسي عميقا إلى درجة أفي حاولت حفظ متن الشاطبية في القراءات مع جهلي التام بمصطلحاتها، وحفظت مقدماتها فعلا ولا زلت أحفظ -بعضها إلى الآن.
ومن الطرائف أن بعض المفتشين زارنا في حصة من حصص اللغة العربية بالسنة الثالثة الإعدادية ولم أكن أحفظ حينذاك إلا ملحة الإعراب للحريري فسأل عن علامة الاسم وعلامة الفعل في القواعد، ثم سأل عن علامة الحرف فانتدبني الأستاذ للإجابة - وهو الأستاذ الشيخ محمد على النجار حينذاك - فكان ا الجواب بيتا من الملحة وهو قول الحريري:
والحرف ما ليست له علامة فقس عل قولي تكن علامة
فابتسم الرجل وقال حاضر يا سيدي سأقيس على قولك لأكون علامة، وشكر الأستاذ وانصرف.
هذه الثروة العلمية وجهت نظر بعض إخواننا الذين كانوا يعدون أنفسهم للتقدم إلى دار العلوم العليا في ذلك الوقت. من مدرس المدرسة الأولية الملحقة بالمعلمين إلى أن يعرضوا على أن نذاكر معا لنتقدم معا وفي مقدمتهم الأخ العزيز الشيخ على نوفل، حينذاك، والأستاذ على نوفل الآن. وقد رغب في أن نذاكر معاً ونتقدم معاً إلى دار العلوم العليا وكانت دار العلوم حينئذ قسمين: القسم التجهيزي، وهذا يتقدم إليه من شاء من طلاب الأزهر ومدارس المعلمين، والقسم العالي المؤقت ويتقدم إليه من شاء كذلك من هؤلاء الطلاب ويرنون غالباً قد حصلوا على الشهادة الثانوية الأزهرية، وكان القسم العالي هذا لم يبق للتقدم إليه إلا هذا العام: عام 23 – 24 الدراسي. ثم يلغى ليحل محله القسم العالي الذي يستمد من التجهيزي، وقد أراد بعض إخواننا من طلاب المعلمين أن يتقدم إلى هذا القسم التجهيزي وكثر الإقبال على القسم العالي المؤقت على اعتبار أنها الفرصة الوحيدة لمن يريدون اللحاق به. أراد الأستاذ الشيخ على نوفل أن نذاكر معا، وكنت في السنة الثالثة، أي في السنة التي سأؤدي فيها امتحان شهادة الكفاءة للتعليم الأولي، وكان هو مدرساً بالملحقة للمعلمين. فاعتذرت عن المذاكرة معه ولكنه دخل علي من باب حقوق الأخوة ووجوب معاونة الإخوان والاستماع لرأيهم فلم أر بدا من الإصغاء إليه.
|