الاعتكاف - 4
مـا يبطـــــل الاعتكـــــاف
يبطل الاعتكاف بفعل شيء مما يأتي: 1ـ الخروج من المسجد، لغير حاجة عمداً، وإن قل، فإنه يفوت المكث فيه، وهو ركن من أركانه.
2ـ الرّدَّة؛ لمنافاتها للعبادة، ولقول اللّه _ تعالى: " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ " [الزمر: 65].
3، 4، 5 _ ذهاب العقل، بجنون أو سكر، والحيض والنفاس؛ لفوات شرط التمييز، والطهارة من الحيض والنفاس.
6ـ الوطء؛ لقول اللّه تعالى: " وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا " [ البقرة: 187].
ولا بأس باللمس بدون شهوة، فقد كانت إحدى نسائه صلى الله عليه وسلم ترجله، وهو معتكف، أما القبلة واللمس بشهوة، فقد قال أبو حنيفة، وأحمد: قد أساء؛ لأنه قد أتى بما يحرم عليه، ولا يفسد اعتكافه، إلا أن ينزل. وقال مالك: يفسد اعتكافه؛ لأنها مباشرة محرمة، فتفسد، كما لو أنزل. وعن الشافعي روايتان، كالمذهبين. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم، هل الاسم المشترك بين الحقيقة والمجاز له عموم، أم لا ؟ وهو أحد أنواع الاسم المشترك؛ فمن ذهب إلى أن له عموماً، قال: إن المباشرة في قوله تعالى: "وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأََنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد*. يطلق على الجماع، وعلى ما دونه. ومن لم ير له عموماً، وهو الأشهر والأكثر، قال: يدل إما على الجماع، وإما على ما دون الجماع، فإذا قلنا: إنه يدل على الجماع بإجماع. بطل أن يدل على غير الجماع؛ لأن الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معاً، ومن أجرى الإنزال بمنزلة الوقاع؛ فلأنه في معناه، ومن خالف؛ فلأنه لا يطلق عليه الاسم حقيقة.
قضـــــاء الاعتكـــــاف
من شرع في الاعتكاف متطوعاً، ثم قطعه، استحب له قضاؤه. وقيل: يجب.
قال الترمذي: واختلف أهل العلم في المعتكف، إذا قطع اعتكافه، قبل أن يتمه على ما نوى؛ فقال مالك: إذا انقضى اعتكافه، وجب عليه القضاء. واحتجوا بالحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه، فاعتكف عشراً من شوال.
وقال الشافعي: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف، أو شيء أوجبه على نفسه، وكان متطوعاً، فخرج، فليس عليه قضاء، إلا أن يحب ذلك اختياراً منه.
قال الشافعي: وكل عمل لك ألا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه، وخرجت منه، فليس عليك أن تقضي، إلا الحج والعمرة.
أما من نذر أن يعتكف يوماً أو أياماً، ثم شرع فيه وأفسده، وجب عليه قضاؤه، متى قدر عليه، باتفاق الأئمة، فإن مات قبل أن يقضيه، لا يقضى عنه.
وعن أحمد، أنه يجب على وليه أن يقضي ذلك عنه. روى عبد الرزاق، عن عبد الكريم بن أمية، قال: سمعت عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، يقول: إن أمنا ماتت، وعليها اعتكاف، فسألت ابن عباس، فقال: اعتكف عنها، وصم. وروى سعيد ابن منصور، أنَّ عائشة اعتكفت عن أخيها، بعد ما مات.
المعتكفُ يلزمُ مكانًا من المسجد ، وينصبُ فيه الخيمةَ
1ـ روى ابن ماجه، عن ابن عمر _ رضي اللّه عنهما _ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان(1).
قال نافع:وقد أراني عبد اللّه بن عمر المكان، الذي كان يعتكف فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
2ـ وروي عنه، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف، طرح له فراش، أو يوضع له سرير وراء أسطوانة التوبة(2)(3).
3ـ وروي عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية، على سدتها(4) قطعة حصير(5).
--------------------------------------------------------------------------------
(1) مسلم: كتاب الاعتكاف - باب اعتكاف العشر الأواخر (2 / 830)، برقم (2)، وابن ماجه: كتاب الصيام - باب في المعتكف يلزم مكاناً من المسجد (1 / 564)، برقم (1773).
(2) هي أسطوانة، ربط بها رجل من الصحابة نفسه، حتى تاب اللّه عليه.
(3) ابن ماجه: كتاب الصيام - باب في المعتكف يلزم مكاناً من المسجد (1 / 564)، برقم (1774)، وقال المحقق في "الزوائد": إسناده صحيح، ورجاله موثقون. وفي "مصباح الزجاجة": هذا إسناده صحيح، رواه البيهقي في السنن الكبرى (2 / 43).
(4) سدتها: أي؛ بابها، وإنما وضع الحصير على بابها، حتى لا ينظر فيها أحد.
(5) ابن ماجه: كتاب الصيام - باب الاعتكاف في قبة المسجد (1 / 564)، برقم (1775).
نــــذر الاعتكـــاف في مسجـــد معيـــن
من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى، وجب عليه الوفاء بنذره، في المسجد الذي عينه؛ لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"(1).
أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة، فلا يجب عليه الاعتكاف في المسجد الذي عينه، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء؛ لأن اللّه _ تعالى _ لم يجعل لعبادته مكاناً معيناً، ولأنه لا فضل لمسجد من المساجد على مسجد آخر، إلا المساجد الثلاثة، فقد ثبت أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة، فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا، بمائة صلاة"(2).
وإن نذر الاعتكاف في المسجد النبوي، جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منه.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه، في "المساجد". (2) تقدم تخريجه، في "المساجد".