رد: فقه الصيام
الاعتكاف - 3
ما يستحــــب للمعتكــــف وما يكـــره له
يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات، ويشغل نفسه بالصلاة، وتلاوة القرآن، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، والصلاة والسلام على النبي، صلوات اللّه وسلامه عليه، والدعاء، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى اللّه _ تعالى _ وتصل المرء بخالقه، جل ذكره.
ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم، واستذكار كتب التفسير، والحديث، وقراءة سير الأنبياء والصالحين، وغيرها من كتب الفقه والدين، ويستحب له أن يتخذ خباءً في صحن المسجد؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ويكـره له أن يشغل نفسـه، بما لا يعنيـه من قول أو عمل؛ لما رواه الترمذي، وابن ماجه، عن أبي بصرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه"(1).
ويكره له الإمساك عن الكلام؛ ظنّاً منه أن ذلك مما يقرب إلى اللّه، عز وجل؛ فقد روى البخاري، وأبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه ؟ فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه"(2). وروى أبو داود، عن علي _ رضي اللّه عنه _ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُماتَ يومٍ إلى الليل(3)"(4).
--------------------------------------------------------------------------------
(1) الترمذي: كتاب الزهد _ باب (11) حديث رقم (2317) (4 / 858، 859)، وقال: حديث غريب. وابن ماجه: كتاب الفتن - باب كف اللسان في الفتنة (2 / 1315، 1316).
(2) البخاري: كتاب النذور والأيمان - باب النذر فيما لا يملك (8 / 178)، وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور - باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية (3 / 599)، برقم (3300)، وابن ماجه: كتاب الكفارات - باب من خلط في نذره طاعة بمعصية، برقم (2136).
(3) أي؛ لا يسمى من فقد أباه يتيماً، بعد بلوغه. والصمات؛ السكوت.
(4) أبو داود: كتاب الوصايا - باب ما جاء متى ينقطع اليتم (3 / 293، 294)، برقم (2873).
مـا يبـــــاح للمعـتكـــــف
يباح للمعتكف ما يأتي: 1ـ خروجه من معتكفه؛ لتوديع أهله؛ قالت صفية: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت، فانقلبت، فقام معي؛ لِيَقْلِبني(1)، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجـلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم، أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "على رسْلِكما؛ إنها صفية بنت حُيَيّ". قالا: سبحان اللّه، يا رسول اللّه. قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً". أو: قال "شرّاً(2)"(3). رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
2ـ ترجيل شعره، وحلق رأسه، وتقليم أظفاره، وتنظيف البدن من الشعر والدرن، ولبس أحسن الثياب، والتطيب بالطيب؛ قالت عائشة: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكون معتكفاً في المسجد، فيناولني رأسه من خلَل الحجرة، فأغسل رأسه - وقال مسدد: فأرَجِّله(4) _ وأنا حائض(5). رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
3ـ الخروج للحاجـة التي لابد منها؛ قالت عائشة: كان رسـول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف، يُدني إلي رأسه، فأرَجِّله، وكان لا يدخل البيت، إلا لحاجة الإنسان(6). رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول؛ لأن هذا مما لابد منه، ولا يمكن فعله في المسجد، وفي معناه، الحاجة إلى المأكول والمشروب، إذا لم يكن له من يأتيه به، فله الخروج إليه، وإن بغته القيء، فله أن يخرج؛ ليقيء خارج المسجد، وكل ما لابد منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فله خروجه إليه، ولا يفسد اعتكافه ما لم يطل، انتهى.
ومثل هذا الخروج الغسل من الجنابة، وتطهير البدن، والثوب من النجاسة؛ روى سعيد بن منصور، قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اعتكف الرجل، فليشهد الجمعة، وليحضر الجنازة، وليعد المريض، وليأت أهله يأمرهم بحاجته، وهو قائم(7). وأعان _ رضي اللّه عنه _ ابن أخته بسبعمائة درهم من عطائه، أن يشتري بها خادماً، فقال: إني كنت معتكفاً. فقال له علي: وما عليك لو خرجت إلى السوق، فابتعت ؟ وعن قتادة، أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة، ويعود المريض، ولا يجلس. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال - وهن له، وإن لم يشترط - عيادة المريض، ولا يدخل سقفاً، ويأتي الجمعة، ويشهد الجنازة، ويخرج إلى الحاجة. قال: ولا يدخل المعتكف سقيفة، إلا لحاجة.
قال الخطابي: وقالت طائفة: للمعتكف أن يشهد الجمعة، ويعود المريض، ويشهد الجنازة. وروي ذلك عن علي _ رضي اللّه عنه _ وهو قول سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي.
وروى أبو داود، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر بالمريض، وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يعرِّج يسأل عنه(8). وما روي عنها من أن السنة على المعتكف، ألا يعود مريضاً، فمعناه، ألا يخرج من معتكفه، قاصداً عيادته، وأنه لا يضيق عليه أن يمر به، فيسأل غير معرج عليه.
4ـ وله أن يأكل ويشرب في المسجد، وينام فيه، مع المحافظة على نظافته وصيانته، وله أن يعقد العقود فيه، كعقد النكاح، وعقد البيع والشراء، ونحو ذلك.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) يردها لبيتها. قال الخطابي: وفيه، أنه خرج من المسجد معها؛ ليبلغها منزلها، وفي هذا حجة، لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب، وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان معروف.
(2) حكي عن الشافعي، أن ذلك كان منه شفقة عليهما؛ لأنهما لو ظنا به ظن سوء، كفرا، فبادر إلى إعلامهما ذلك؛ لئلا يهلكا. وفي "تاريخ ابن عساكر"، عن إبراهيم بن محمد، قال: كنا في مجلس ابن عيينة، والشافعي حاضر حدث بهذا الحديث. وقال للشافعي: ما فقهه ؟ فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا، حتى لا يظن بكم ظن السوء، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم اتهمهم، وهو أمين اللّه في أرضه. فقال ابن عيينة: جزاك اللّه خيراً يا أبا عبد اللّه، ما يجيئنا منك، إلا كلام نحبه.
(3) البخاري: كتاب الاعتكاف - باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه (3 / 65)، ومسلم: كتاب السلام - باب يستحب لمن رئي خالياً بامرأة، وكانت زوجته أو محرماً له، أن يقول: هذه فلانة، برقم (24)، وأبو داود: كتاب الصوم - باب المعتكف يدخل البيت لحاجنه، برقم (247) (2 / 835).
(4) تصليحه بالمشط.
(5) البخاري: كتاب الاعتكاف - باب الحائض ترجل المعتكف (3 / 63)، ومسلم: كتاب الحيض - باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله (1 / 244)، برقم (9)، وأبو داود: كتاب الصيام - باب المعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة (2 / 834)، برقم (2469).
(6) البخاري: كتاب الاعتكاف - باب لا يدخل البيت إلا لحاجة (3 / 63)، ومسلم: كتاب الحيض - باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (1 / 244)، برقم (6)، وأبو داود: كتاب الصوم _ باب المعتكف يدخل البيت لحاجته (2 / 834)، برقم (2467)، والترمذي: كتـاب الصـوم _ بـاب المعتكـف يخرج لحاجة أم لا ؟ (3 / 158)، برقم (804) وقال: حديث حسن صحيح.
(7) ورى نحوه الدارقطني، في "سننه" (2 / 200).
(8) أبو داود: كتاب الصوم - باب المعتكف يعود المريض (2 / 836)، برقم (2472)، وقال المنذري في "مختصره": في إسناده ليث بن أبي سليم، وفيه مقال (3 / 343).
|