رد: فقه الصيام
الاعتكاف - 2
رأْيُ الفقهاءِ في المسجد الذي ينعقدُ فيه الاعتكافُ
اختلف الفقهاء في المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه؛ فذهب أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، إلى أنه يصح في كل مسجد، يصلى فيها الصلوات الخمس، وتقام فيه الجماعة؛ لما روي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسجد له مؤذن وإمام، فالاعتكاف فيه يصلح"(1). رواه الدارقطني. وهذا حديث مرسل ضعيف، لا يحتج به.
وذهب مالك، والشافعي، وداود، إلى أنه يصح في كل مسجد؛ لأنه لم يصح في تخصيص بعض المساجد شيء صريح.
وقالت الشافعية: الأفضل أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد الجامع، ولأن الجماعة في صلواته أكثر، ولا يعتكف في غيره، إذا تخلل وقت الاعتكاف صلاة جمعة، حتى لا تفوته.
وللمعتكف أن يؤذن في المئذنة، إن كان بابها في المسجد أو صحنه، ويصعد على ظهر المسجد؛ لأن كل ذلك من المسجد، فإن كان باب المئذنة خارج المسجد، بطل اعتكافه إن تعمد ذلك، ورحبة المسجد منه، عند الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد. وعن مالك، ورواية عن أحمد، أنها ليست منه، فليس للمعتكف أن يخرج إليها.
وجمهور العلماء، على أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها؛ لأن مسجد البيت لا يطلق عليه اسم مسجد، ولا خلاف في جواز بيعه، وقد صح، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في المسجد النبوي.
--------------------------------------------------------------------------------
(1)رواه الدارقطني، عن الضحاك، عن حذيفة... الحديث، وقال: الضحاك لم يسمع من حذيفة (2 / 200) _ كتاب الصوم _ باب الاعتكاف، حديث (رقم 5)..
صـــــوم المعتكـــــف
المعتكف إن صام، فحسن، وإن لم يصم، فلا شيء عليه؛ روى البخاري، عن ابن عمر _ رضي اللّه عنهما _ أن عمر، قال: يا رسول اللّه، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال: "أوف بنذرك"(1). ففي أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطاً في صحة الاعتكاف؛ إذ إنه لا يصح الصيام في الليل. وروى سعيد بن منصور، عن أبي سهل، قال: كان على امرأة من أهلي اعتكاف، فسألت عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: ليس عليها صيام، إلا أن تجعله على نفسها. فقال الزهري: لا اعتكاف، إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لا قال: فعن أبي بكر ؟ قال: لا. قال: فعن عمر ؟ قال: لا. قال: وأظنه قال: عن عثمان ؟ قال: لا. فخرجت من عنده، فلقيت عطاء وطاووساً، فسألتهما ؟ فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياماً، إلا أن تجعله على نفسها. وقال عطاء: ليس عليها صيام، إلا أن تجعله على نفسها.
قال الخطابي: وقد اختلف الناس في هذا؛ فقال الحسن البصري: إن اعتكف من غير صيام، أجزأه. وإليه ذهب الشافعي. وروي عن علي، وابن مسعود، أنهما قالا: إن شاء صام، وإن شاء أفطر. وقال الأوزاعي، ومالك: لا اعتكاف، إلا بصوم. وهو مذهب أهل الرأي، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة. وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والزهري.
--------------------------------------------------------------------------------
وقـــت دخــــول المعتكـــف والخـــروج منـه
تقدم، أن الاعتكاف المندوب ليس له وقت محدد، فمتى دخل المعتكف المسجد، ونوى التقرب إلى اللّه بالمكث فيه، صار معتكفاً، حتى يخرج، فإن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس؛ فعند البخاري، عن أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر"(1). والعشر؛ اسم لعدد الليالي، وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين، أو ليلة العشرين.
وما روي، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجر، ثم دخل معتكفه. فمعناه، أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد، أما وقت دخول المسجد للاعتكاف، فقد كان أول الليل(2).
ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإنه يخرج بعد غروب الشمس، آخر يوم من الشهر، عند أبي حنيفة، والشافعي. وقال مالك، وأحمد: إن خرج بعد غروب الشمس، أجزأه. والمستحب عندهما، أن يبقى في المسجد حتى يخرج إلى صلاة العيد.
وروى الأثرم بإسناده، عن أبي أيوب، عن أبي قلابة، أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم يغدو كما هو إلى العيد، وكان - يعنى، في اعتكافه - لا يُلْقَى له حصير، ولا مصلى يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم، قال: فأتيته في يوم الفطر، فإذا في حجْره جُوَيرية مُزينة، ما ظننتها إلا بعض بناته، فإذا هي أَمةٌ له فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد. وقال إبراهيم: كانوا يحبون، لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان، أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد.
ومن نذر اعتكاف يوم أو أيام مسماة، أو أراد ذلك تطوعاً، فإنه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبين له طلوع الفجر، ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس؛ سواء أكان ذلك في رمضان، أم في غيره، ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليالي مسماة، أو أراد ذلك تطوعاً، فإنه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا تبين له طلوع الفجر. قال ابن حزم: لأن مبدأ الليل إثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، وتمامه بغروب الشمس، وليس على أحد، إلا ما التزم أو نوى، فإن نذر اعتكاف شهر، أو أراده تطوعاً، فمبدأ الشهر من أول ليلة منه، فيدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا غابت الشمس كلها من آخر الشهر؛ سواء رمضان وغيره.
--------------------------------------------------------------------------------
(1)البخاري: كتاب الصوم - باب الاعتكاف (3 / 62).
(2) مسلم: كتـاب الاعتكـاف - بـاب متى يدخل من أراد الاعتكاف (2 / 831)، وابن ماجه: كتاب الصيام - بـاب ما جـاء فيمن يبتدئ الاعتكاف (1 / 563)، برقم (1771)، وأبو داود: كتاب الصوم - باب الاعتكاف (2 / 830)، برقم (2464)، والترمذي: كتاب الصيام - باب ما جاء في الاعتكاف (3 / 148)، برقم (791)، والنسائي: كتاب المساجد - باب ضرب الخباء في المساجد (2 / 44)، برقم (709).
|