رد: فقه الصيام
مبطلات الصيـــــام
الأكل والشرب عمدًا
الأكلُ والشربُ عمداً: فإن أكل أو شرب ناسياً، أو مخطئاً، أو مُكرهاً، فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ فعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن نَسِيَ، وهو صائم، فأكل أو شرب، فليُتِمَّ صوْمَه؛ فإنما أطعمه اللّه وسقاه"(1). رواه الجماعة.
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وروى الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أفطَر في رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه، ولا كفارة". قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح.
وعن ابن عباس _ رضي اللّه عنهما _ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللّه وَضعَ عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكرِهوا عليه"(2). رواه ابن ماجه، والطبراني، والحاكم.
--------------------------------------------------------------------------------
(1)البخاري: كتاب الصيام - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً (3 / 40)، ومسلم: كتاب الصيام - باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، برقم (171) (2 / 809)، والترمذي: كتـاب الصيـام - بـاب مـا جـاء في الصائم يأكل، أو يشرب ناسياً، برقم (721) وقال: حديث حسن صحيح (3 / 91)، وأحمد في "المسند" (2 / 395)، وابن ماجه: كتاب الصيام - باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً، برقم (1673) (1 / 535)، وأبو داود بنحوه: كتـاب الصـوم - بـاب من أكـل ناسياً، برقم (2398) (2 / 789، 790)، وصحيح ابن خزيمة: كتاب الصوم - باب ذكر البيان أنَّ الآكل والشارب ناسياً لصيامه غير مفطر بالأكل والشرب، برقم (1989) (3 / 238).
(2) ابن ماجه: كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم (2045) (1 / 659)، وفي "الزوائد": إسناده صحيح، إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع؛ بدليل زيادة عبيد بن نمير في الطريق الثاني وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس، انتهى.
القيء عمدًا
القيء عمداً فإن غلبه القيء، فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ فعن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرَعه(1) القيء، فليس عليه قضاء، ومن اسْتقاء(2) عمداً، فليقض". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم وصححه.
قال الخطابي: لا أعلم خِلافاً بين أهل العلم، في أن من ذرعه القيء، فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامداً، فعليه القضاء.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) "ذرعه": أي؛ غلبه.
(2) "استقاء": أي؛ تعمد القيء، واستخرجه، بشم ما يقيئه، أو بإدخال يده.
الحيض والنفاس
الحيْضُ والنفاسُ، ولو في اللحظة الأخيرة، قبل غروب الشمس، وهذا مما أجمع العلماء عليه.
الاستمناء
الاستمناءُ(1)، سواء أكان سببه تقبيل الرَّجُل لزوجته، أو ضمّها إليه، أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم، ويوجب القضاء.
فإن كان سببه مجَرَّدَ النظر أو الفكر، فإنه مثل الاحتلام نهاراً في الصيام، لا يبطِل الصوم، ولا يجب فيه شيء، وكذلك المذي، لا يؤثر في الصوم؛ قلَّ أو كثر.
أمور أخرى تبطل الصيام
1ـ تناول ما لا يتغذَّى به، من المنفذ المعتاد إلى الجوف، مثل تعاطي الملح الكثير، فهذا يفطِّر، في قول عامّةِ أهل العلم.
2ـ ومن نوى الفطر، وهو صائم، بطل صومه، وإن لم يتناول مفطراً؛ فإن النية ركن من أركان الصيام، فإذا نقضها، قاصداً الفطر، ومتعمداً له، انتفض صيامه لا محالة.
3ـ إذا أكل، أو شرب، أو جامع، ظانّاً غروب الشمس، أو عدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك، فعليه القضاء، عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة.
وذهب إسحاق، وداود، وابن حزم، وعطاء، وعروة، والحسن البصري، ومجاهد إلى أن صومه صحيح، ولا قضاء عليه؛ لقول اللّه تعالى: " وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ *. ولقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللّه وضع عن أمتي الخطأ"(1). وتقدم.
وروى عبد الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب، فرأيت عِسَاساً(2) أُخْرِجَتْ من بيت حفصة، فشربوا، ثم طلعت الشمس من سحاب، فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: لِمَ ؟ واللّه، ما تجانفنا لإثم(3)(4).
وروى البخاري، عن أسماء بنت أبي بكر _ رضي اللّه عنها _ قالت: أفطرنا يوماً من رمضان في غيم، على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس(5).
قال ابن تيمية: وهذا يدل على شيئين؛ الأول، يدل على أنه لا يُسْتَحَبّ مع الغيم التأخير، إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع للّه ورسوله، ممن جاء بعدهم.
والثانى، يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك، كما نقِلَ فطرهم، فلما لم ينقل، دلَّ على أنه لم يأمرهم به، وأما ما يبطله، ويوجب القضاء والكفارة، فهو الجماع لا غير، عند الجمهور؛ فعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هَلكتُ، يا رسول اللّه. قال: "وما أهلكك ؟". قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فقال: "هل تجد ما تعتق رقبة؟" قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين" ؟ قال: لا. قال: "فهل تجد ما تُطْعِمُ ستين مسكيناً" ؟ قال: لا. قال: ثم جلس، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق(6) فيه تمر، فقال: "تصَدّقْ بهذا". قال: فهل على أفقر منّا ؟ فما بين لابتيها(7) أهلُ بَيْتٍ أحوج إليه منّا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بَدَتْ نواجذه، وقال: "اذهب، فأطعمه أهلك(8)"(9). رواه الجماعة.
ومذهب الجمهور، أن المرأة والرجل سواء في وجوب الكفارة عليهما، ما داما قد تعمدا الجماع، مختاريْنِ في نهار رمضان(10)، ناوِيَيْنِ الصيام.
فإن وقع الجماع نسياناً، أو لم يكونا مختارين، بأن أُكرها عليه، أو لم يكونا ناويين الصيام، فلا كفارة على واحد منهما، فإن أكرهَت المرأة من الرجل، أو كانت مفطرة لعذر، وَجَبَتِ الكفارة عليه دونها.
ومذهب الشافعي، أنه لا كفارة على المرأة مطلقاً، لا في حالة الاختيار، ولا في حالة الإكراه، وإنما يلزمها القضاء فقط.
قال النووي: والأصح، على الجملة، وجوب كفارة واحدة عليه خاصة، عن نفسه فقط، وأنه لا شيء على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب؛ لأنه حقّ مالٍ مُخْتَصٌّ بالجماع، فاختص به الرجل دون المرأة، كالمهر.
قال أبو داود: سئل أحمد(11)، عمن أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة ؟ قال: ما سمعنا، أن على امرأة كفارة.
قال في "المغني": ووجه ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء، مع علمه بوجود ذلك منها(12). ا ه.
والكفارة على الترتيب المذكور في الحديث، في قول جمهور العلماء، فيجب العتق أولاً، فإن عجز عنه، صام شهرين متتابعين(13)، فإن عجز عنه، أطعم ستين مسكيناً، من أوسط ما يطعم منه أهله(14)، وأنه لا يصح الانتقال من حالة إلى أخرى، إلا إذا عجز عنها. ويذهب المالكية، ورواية لأحمد، أنه مخير بين هذه الثلاث، فأيها فَعَل، أجزأ عنه؛ لما روى مالك، وابن جريج، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يكَفِّر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً(15). رواه مسلم. و "أو" تفيد التخيير؛ ولأن الكفارة بسبب المخالفة، فكانت على التخيير، ككفارة اليمين.
قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين روَوا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة.
وجمع المهلب، والقرطبي بين الروايات، بتعدد الواقعة.
قال الحافظ: وهو بعيد؛ لأن القصة واحدة، والمخرج مُتّحِد، والأصل عدم التعدد.
وجمع بعضهم بحمل الترتيب على الأولوية، والتخيير على الجواز، وعكسه بعضهم، انتهى.
ومن جامع عامداً في نهار رمضان، ولم يكفِّر، ثم جامع في يوم آخر منه، فعليه كفارة واحدة، عند الأحناف، ورواية عن أحمد؛ لأنها جزاء عن جِنَاية، تكرر سببها، قبل استيفائها، فتتداخلا. وقال مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد: عليه كفارتان؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فإذا وجبت الكفارة بإفسا، لم تتداخل، كرمضانين.
وقد أجمعوا، على أن من جامع في نهار رمضان عامداً، وكَفّر، ثم جامع في يوم آخر، فعليه كفارة أخرى.
وكذلك أجمعوا على أن من جامع مرتين، في يوم واحد، ولم يكفر عن الأول، أن عليه كفارة واحدة، فإن كَفّر عن الجماع الأول، لم يكفر ثانياً، عند جمهور الأئمة، وقال أحمد: عليه كفارة ثانية.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) عساساً: أي؛ أقداحاً ضخاماً، قيل: إن القدح نحو ثمانية أرطال.
(3) ما تجانفنا: التجانف: الميل. أي؛ لم نمل لارتكاب الإثم.
(4) مصنف عبد الرزاق: كتاب الصيام - باب الإفطار في يوم مُغيم، برقم (7395) (4 / 179).
(5) البخاري: كتاب الصوم - باب إذا أفطر في رمضان، ثم طلعت الشمس (3 / 47)، وابن ماجه: كتاب الصيام - باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً، برقم (1674) (1 / 535)، وأبو داود: كتاب الصوم - باب الفطر قبـل غـروب الشمس، برقم (2359) (2 / 765) ونسبـه المنذري للترمـذي أيضاً، وأحمد في "المسند" (6 / 346)، والموطأ: كتاب الصيام - باب ما جاء في قضاء رمضان والكفارات، برقم (44) (1 / 303).
(6) العرق: مكيال يسع 15 صاعاً.
(7) لابتيها: جمع لابة؛ وهي الأرض التي فيها حجارة سود، والمراد ما بين أطراف المدينة أفقر منا.
(8) استدل بهذا، من ذهب إلى سقوط الكفارة بالإعسار، وهو أحد قولي الشافعي، ومشهور مذهب أحمد، وجزم به بعض المالكية. والجمهور، على أن الكفارة لا تسقط بالإعسار.
(9) البخاري: كتاب الصوم - باب إذا جامع في رمضان... (3 / 41، 42)، ومسلم: كتاب الصيام - باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، برقم (81) (2 / 781)، والترمذي: كتاب الصوم - باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان، برقم (724) (3 / 93) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود: كتاب الصوم - باب كفارة من أتى أهله في رمضان، برقم (2390) (2 / 783)، وابن ماجه: كتاب الصوم - باب كفارة من أفطر يوماً من رمضان، برقم (1671) (1 / 534)، ونسبه المنذري للنسائي أيضاً.
(10) فإن كان الصيام قضاء رمضان، أو نذراً، وأفطر بالجماع، فلا كفارة في ذلك.
(11) هذه إحدى الروايتين، عن أحمد.
(12) مسلم: كتـاب الصيـام - باب تغليـظ تحريم الجماع في نهـار رمضان علـى الصائـم، برقم (83، 84) (2 / 782)، وأبو داود بمعناه: كتاب الطلاق - بـاب في الظهار، برقم (2221، 2222) (2 / 666) والمغني، والشرح الكبير، لابن قدامة (3 / 58) وموفق الدين، وشمس الدين المقدسيان ( طبعة دار الكتاب العربي - بيروت لبنان 1403 ه - 1983 م).
(13) ليس فيهما رمضان، ولا أيام العيدين والتشريق.
(14) مذهب أحمد، لكل مسكين مد من قمح، أو نصف صاع من تمر، أو شعير، ونحوهما. وقال أبو حنيفة: من القمح نصف صاع، ومن غيره صاع. وقال الشافعي، ومالك: يطعم مدّاً من أي الأنواع شاء. وهذا رأي أبي هريرة، وعطاء، والأوزاعي، وهو أظهر؛ فإن العرق الذي أعطي للأعرابي يسع 15 صاعاً.
(15) مسلم: كتاب الصيام - باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها، برقم (84 ) (2 / 782، 783).
قضَـاءُ رمضَـانَ
قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوباً موَسّعاً في أي وقت، وكذلك الكفارة؛ فقد صح عن عائشة، أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان، ولم تكن تَقْضيه فوْراً، عند قدرتها على القضاء(1).
والقضاء مثل الأداء، بمعنى أنَّ مَنْ ترك أياماً، يقضيها دون أن يزيد عليها.
ويُفارقُ القضاءُ الأداءَ، في أنه لا يلزم فيه التتابع؛ لقول اللّه تعالى: " فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ " [البقر:184]. أي؛ ومن كان مريضاً، أو مسافراً، فأفطر، فَلْيَصُم عِدة الأيام التي أفطر فيها في أيام أخر؛ متتابعات، أو غير متتابعات؛ فإن اللّه أطلق الصيام، ولم يقيده.
وروى الدارقطني، عن ابن عمر _ رضي اللّه عنهما _ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، في قضاء رمضان،: "إن شاء فرَّق، وإن شاء تابع"(2).
وإن أخّر القضاء، حتى دخل رمضان آخر، صام رمضان الحاضر، ثمَّ يقضي بعده ما عليه، ولا فدية عليه؛ سواء كان التأخير لعذر، أو لغير عذر. وهذا مذهب الأحناف، والحسن البصري.
ووافق مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحق الأحناف في أنه لا فدية عليه، إذا كان التأخير بسبب العذر.
وخالفوهم، فيما إذا لم يكن له عذر في التأخير، فقالوا: عليه أن يصوم رمضان الحاضر، ثم يقضي ما عليه بعده، ويفدي عما فاته، عن كل يوم مُدّاً من طعام.
وليس لهم في ذلك دليل يمكن الاحتجاج به، فالظاهر ما ذهب إليه الأحناف؛ فإنه لا شرع، إلا بنص صحيح.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) مسلم: كتاب الصيام - باب قضاء رمضان في شعبان، برقم (151، 152) (2 / 802، 803)، والفتح الرباني، برقم (179، 180) (10 / 126، 127)، وانظر المسألة بالتفصيل، في: تمام المنة (421).
(2) الدارقطني: كتاب الصيام - باب القبلة للصائم، برقم (74) (2 / 193)، وقال: لم يسنده غير سفيان بن بشر، وقد صحح الحديث ابن الجوزي، وقال: ما علمنا أحداً طعن في سفيان بن بشر، والحديث ضعيف، انظر: تمام المنة (423).
مـن مـــات وعليـه صيــــام
أجمع العلماء، على أن من مات، وعليه فوائت من الصلاة، فإن وليه لا يصلي عنه، هو ولا غيره، وكذلك من عجز عن الصيام، لا يصوم عنه أحد أثناء حياته.
فإن مات، وعليه صيام، وكان قد تمكن من صيامه قبل موته، فقد اختلف الفقهاء في حكمه؛ فذهب جمهور العلماء؛ منهم أبو حنيفة، ومالك، والمشهور عن الشافعي، إلى أن وليه لا يصوم عنه، ويُطعمُ عنه مدّاً، عن كل يوم(1).
والمذهب المختار عند الشافعية، أنه يستحب لوليّه أن يصوم عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى طعام عنه. والمراد بالولي، القريب؛ سواء كان عصبة، أو وارثاً، أو غيرهما.
ولو صام أجنبي عنه، صحَّ إن كان بإذن الولي، وإلا فإنه لا يصح، واستدلوا بما رواه أحمد، والشيخان، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات، وعليه صيام، صام عنه وليه". زاد البزار لفظ: "إن شاء(2)"(3).
وروى الشيخان، وأحمد، وأصحاب السنن، عن ابن عباس _ رضي اللّه عنهما _ أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه، إن أمي ماتت، وعليها صيام شهر، أفأقضيه عنها ؟ فقال: "لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه؟" قال: نعم. قال: "فدَينُ اللّه أحقُّ أنْ يقضى"(4).
قال النووي: وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا، الجامعون بين الفقه والحديث؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) يرى الحنيفة، أن الواجب نصف صاع من قمح، وصاعاً من غيره.
(2) سندها حسن. بل الزيادة ضعيفة منكرة؛ فإن مدارها على ابن لَهيعة، وهو ضعيف. تمام المنة (427).
(3) البخاري: كتاب الصوم - باب من مات وعليه صوم صامه عنه وليه (3 / 45، 46)، ومسلم: كتاب الصيام - باب قضاء الصيام عن الميت، برقم (153) (2 / 803)، وأبو داود: كتاب الصوم - باب فيمن مات وعليه صيام، برقم (2400) (2 / 791، 792)، وأحمد في "المسند" (6 / 69)، وكتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء فيمن مات، وعليه صيام، صام عنه وليه، برقم (3311) (3 / 605، 606).
(4) البخاري: كتاب الصوم - باب من مات وعليه صوم (2 / 47)، ومسلم: كتاب الصيام - باب قضاء الصيام عن الميت، برقم (155) (2 / 804)، وأبو داود: كتاب الأيْمان والنذور - باب ما جاء فيمن مات، وعليه صيام، صام عنه وليه، برقم (3310) (3 / 605)، والترمذي بلفظ "إن أختي ماتت": كتاب الصوم - باب ما جاء في الصوم عن الميت، برقم (716) (3 / 86)، وابن ماجه، بلفظ: "إن أختي ماتت": كتـاب الصيـام - باب من مات، وعليه صيام من نذر، برقم (1758) (1 / 559)، وبلفظه مختصراً، برقم (1759) (1 / 559)، وأحمد في "المسند" (1 / 227، 258 بلفظه)، (1 / 279، 345 بمعناه).
التقديرُ في البلاد التي يطولُ نهارُهَا ، ويقصر ليلُها
اختلف الفقهاء في التقدير في البلاد التي يطول نهارها، ويقصرُ ليلها، والبلاد التي يقصر نهارها، ويطول ليلها، علي أي البلاد يكون ؟ فقيل: يكون التقدير على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع، كمكة، والمدينة. وقيل: على أقرب بلاد معتدلة إليهم.
|