القدس قضية كل مسلمالغياب العالمي
وكذلك يقال في الغياب العالمي، فهو ـ في الواقع ـ أثر للتسلط الأمريكي على العالم، بسيف المعز وذهبه. وعدم وجود زعماء أقوياء يقولون كلمة الحق، ولا يخافون لومة لائم، ولا ظلم ظالم. فقد بات العالم قرية عمدتها رئيس الولايات المتحدة. ووزير الدفاع الأمريكي هو شيخ خفرائها، ووزير الخارجية الأمريكي هو شيخ البلد فيها.
حتى أوروبا لم يعد لها تأثير يذكر في سياسة العالم وقضاياه الكبرى، وإن حاولت بعض دولها أن يكون لها موقف تميز عن أمريكا، كما نرى فرنسا أحيانا.
أما كتلة ( عدم الانحياز ) فلم يعد لها علم مرفوع، ولا صوت مسموع.
إن العالم الذي ربا عدد سكانه على ستة مليارات أصبح (أحجارا على رقعة الشطرنج) تحركها أصابع أمريكا حيث تشاء، لا تبالي بفيل ولا حصان ولا (طابيه) بل لا تعبأ بوزير ولا ملك. فهي تحي منهم من تشاء وتميت من تشاء، وقتما تشاء.
هل سيبقى العالم لعبة في يد أمريكا إلى الأبد؟ مستحيل: وهل يستمر هذا الغياب العالمي طويلا؟ ما أظن ذلك .
إن الظروف المساعدة لإسرائيل – عالميًا وإسلاميًا وعربيا وفلسطينيا- لن تبقى إلى الأبد، فالدهر قلب، والدنيا دول، ودوام الحال من المحال، وصدق الله إذ يقول:{وتلك الأيام نداولها بين الناس}آل عمران :140.
ومن المبشرات العاجلة: ما قضت به محكمة العدل الدولية في قضية (لوكربى) التي اتخذت ذريعة ضد ليبيا، وقد كان حكم المحكمة صفعة للولايات المتحدة وبريطانيا، وانتصارا للجمهورية الليبية، مما يوحي بأن في الزوايا خبايا، وأن في العالم رجالا أحرارا، لا يشترون، ولا يخافون.
ربما انتقدنا بعض رجال السياسة، واتهمونا ـ نحن علماء الدين ورجال الفكر الإسلامي ـ بأننا ( رومانسيون) نعيش في مثاليات ونسبح في بحار الأماني والأحلام، ولا نرضى بالواقع. وقد قال علي بن أبي طالب لابنه: إياك والاتكال على المنى، فإنها بضائع النوكى ( الحمقى).
وقال الشاعر :
ولا تكن عبد المنى، فالمنى رؤوس أموال المفاليس!
وأود أن أقول لهؤلاء: إن من شأن الإنسان الحي أن يتخيل وأن يحلم، وعلى قدر همة المرء وطموحه تكون أحلامه صغرًا وكبرًا.
وما لنا لا نحلم، وقد حلم اليهود فبلنا بإقامة دولتهم، وقد أقاموها في ديارنا، ولم يكن هناك أي شيء على الأرض يدل على ذلك، وقد عاشوا حتى غدت أحلام الأمس حقائق اليوم.
فما علينا إذا حلمنا بالانتصار على عدونا، واستعادة أرضنا وحقنا، حتى تكون أحلام اليوم حقائق الغد، ولا سيما وحقائق الوجود، ووقائع التاريخ، وسنن الله في الكون كلها تؤيدنا.
كل ما ينقصنا هو ( إرادة الصمود والتحدي) والتحرر من اليأس والضعف، والثورة على الرضا بالهون، والعيش الدون، والقدرة على أن نقول بملء فينا، وبأعلى صوتنا: لا ثم لا.
إننا إذا قلناها ـ مجتمعين ـ صارخة مدوية، عالية متحدية، ستزلزل قلوب أعدائنا ويكون لها ما بعدها. إن كل ما نريده اليوم: أن ننتصر على ضعف أنفسنا، وأن نستعيد ثقتنا بالله تعالى، ونستجيب لقول الله تعالى: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون، والله معكم ولن يتركم أعمالكم} محمد: 35