يأخذ ويرد ولا ينكر
يقول الشيخ الغزالي: "أجمع المسلمون على أن الكتاب والسنة دعائم التشريع الأولى، ولم يقل مسلم في المستقدمين أو المستأخرين: إن سنة محمد صلى الله عليه وسلم تهمل، وإنها ليست مصدرًا للتشريع.
وقد تتفاوت الأنظار في تقدير المرويات، والحكم بقبولها أو رفضها، ولكن لا يصل هذا إلى ترك السنة.
وعندما يترك فقيه حديثًا من أحاديث الآحاد، فهو لا يُتّهم بترك السنة، وغاية ما يوصف به أنه شديد التحري في الإثبات. (مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، ص 105).
ومن خلال ذلك يظهر أن الشيخ الغزالي رحمه الله لم يكن محاربا للسنة، بل كان من المدافعين عنها، وهو يحترم سند الحديث؛ لأن الحكم على السند يساعد على معرفة صحة المتن، ويؤكد أن في خلع السنة خلع للقرآن؛ لأنه لا يصح التشريع بالقرآن وحده، بل لا بد من السنة مع القرآن.
ويرى الشيخ الغزالي أن الاجتهاد في السنة لا يعني الخروج منها، ولا الطعن فيها، بل هو من الخدمات التي تقدم للسنة، فلا مانع من مناقشة بعض الأحاديث، حتى تتبين صحتها من ضعفها، بالميزان الذي وضعه المحدثون من مناقشة السند والمتن معا.
وهذا المسلك الذي سلكه الشيخ الغزالي – رحمه الله - لم يكن هو مبتدعا له، بل ناقش كثير من الأئمة الفقهاء والأعلام عددا من الأحاديث الواردة في كتب الصحاح، أو التي حكم عليها بالصحة في غير كتب الصحاح، بل إن الفقهاء في كثير من المسائل وجد الاختلاف بينهم، والحق عند الله وحده، وهذه سنة كونية، فلم يخل عصر إلا واختلف فيه الفقهاء في كثير من المسائل الفقهية.
فما دام الأمر ليس مقطوعا به، ولا مجمعا عليه، فلا مانع من مناقشته؛ لأن هذه المناقشة قد تؤدي إلى طمأنة المرء للحكم السابق، أو مراجعة هذا الحكم ومناقشته، حتى يتبين الحق، ولكن مناقشة بعض الأحاديث والاختلاف في الحكم عليها شيء، وإنكار السنة والنيل منها شيء آخر، ولا يستويان.