
16-07-2010, 04:03 PM
|
 |
هُـــدُوءُ رُوح ~
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2006
مكان الإقامة: ღ تحت رحمة ربي ღ
الجنس :
المشاركات: 6,445
|
|
8 - وأوفوا بالعهد
وأوفوا بالعهد
قصتنا هذه تتحدث عن عدالة إسلامية انعدم نظيرها حتى في أرقى الدول ديمقراطيةً وحضارةً .
كان وفد من عشرة رجال من أهل سمرقند يغذون السير على الدواب بهمةٍ ونشاط ورغم بعد سمرقند عن دمشق إلا أن هؤلاء الرجال كانوا يسابقون الليالي والأيام للقاء الخليفة الجديد المشهور بالعدل والصلاح عمر بن عبد العزيز ليعرضوا على عمر شكواهم التي غصت بها حلوقهم منذ ثماني سنوات دخلوا عليه وتكلم رئيس الوفد قائلاً : .
إن قائد فتوحاتكم في بلاد ما وراء النهر قتيبة ابن مسلم الباهلي قد فتح سمرقند غدراً والغدر محرم في دينكم حسب ما نعلم لذلك أهل سمرقند يطالبون بخروج الجيش الإسلامي منها وبإعادتها للسمرقنديين .
دهش الخليفة لهذا الكلام وسأله هل لك أن تخبرني كيف فتحها غدراً ؟
أجاب لقد كان بينه وبين سمرقند معاهدة صلح لكن قتيبة خرق هذا الصلح وفاجأنا بغزو سمرقند وحاصرنا حصاراً شديداً حتى نزلنا عند حكمه فدفعنا الجزية وتولى المسلمون حكم ديارنا .
أمسك عمر بن عبد العزيز القلم وخط إلى عامله في سمرقند الكتاب التالي :
إلى سليمان بن أبي السُري إن أهل سمرقند شكوا إليَّ ظلماً وتحاملاً عليهم من قتيبة فإن أتاك كتابي بهذا فأجلس إليهم القاضي لينظر في أمرهم فإذا قضى لهم فأخرج المسلمين إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن يظهر عليهم قتيبة .
رجل وفد سمرقند إلى مدينتهم فرحين وقد راودهم أمل كبير بعودة حقهم إليهم في يوم المحاكمة جلس القاضي "جُميع ابن حاضر الناجي" ليحكم في تلك القضية أمام حشد كبير من أهل سمرقند الذين وفدوا ليشهدوا محاكمةً لم يشهد التاريخ مثلها وربما لن يشهد .
بعد سؤال وجواب الشهود تبين للقاضي صحة دعوى المدعين كان حكم القاضي واضحاً وصارماً رغم ما قد يسببه للمسلمين من صعوبات.
ليخرج الجيش الإسلامي الذي فتح سمرقند بقيادة قتيبة وليخرج المسلمون الذين دخلوها بعد الفتح إلى معسكر خارج المدينة ليجددوا فتحها إن شاؤوا .
مشكلة هذا الحكم أنه قد يكبد المسلمين مشقة معركة شديدة قد تكون خاسرة فضلاً عن ما فيها من إزهاق للأرواح وإضاعةٍ للأموال كما أن في هذا الحكم لتجار المسلمين هؤلاء التجار الذين استوطنوا سمرقند منذ ثمانية أعوام ووضعوا في عماراتها وأسواقها ما يملكونه من رؤوس أموال وخرج الجميع من سمرقند ووقف أهلها يرقبون المشهد المؤثر .
الزوج المسلم يودع زوجته السمرقندية وأولاده منها يلوحون له بأيديهم مودعين الزوج الصالح والأب العطوف وأصوات بكائهم تتعالى بحرقةٍ ولوعة والجار المسلم يودع جيرانه وأصدقاءه من أهل سمرقند وينتزع نفسه من بين أحضانهم انتزاعاً وكأنه يقتلع شجرةً كبيرةً من جذورها العميقة والتاجر المسلم يقضي ديونه ويصفي حساباته مع أهل سمرقند بأمانةٍ وصدق لم يرى مثلها السمرقنديون ولا غير السمرقنديين وخاصةً الغرباء الذين استوطنوا بلدهم يوماً من الأيام .
أمام هذه الصور الحية من التفاعل والود والتفاهم شعر أهل سمرقند تجاه المسلمين بالاحترام والإكبار وأحسوا بأصابع الندم تتسلل إلى قلوبهم وعقولهم فاجتمعوا وأعضاء الوفد الذي ذهب قبل شهور إلى دمشق ليطالب خليفتها برحيل المسلمين انطلق هذا الوفد إلى والي سمرقند الذي كان يشرف بنفسه على خروج المسلمين من بلاده وطلبوا منه أن يبقى المسلمون في سمرقند وألا يخرجوا منها .
استجاب المسلمون لهذا النداء النابع من القلب وعاد جيشهم إلى سمرقند وهو يردد الهتاف الخالد الله أكبر الله أكبر.
لم يتمالك الكثير من أهل سمرقند أنفسهم فانخرطوا مع المسلمين يصدحون بأعلى أصواتهم الله أكبر الله أكبر نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله .
لقد كان هذا الحكم العادل المبني على الوفاء بالعهود سبباً في إسلام الكثير من أهل سمرقند الذين تحولوا من مجوسٍ يعبدون النار إلى عبادٍ للرحمن يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً سلاما.
يقول الله تعالى { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} (34) سورة الإسراء .
|