الاستاذ على عزت بوجفتش
علي عزت بيجوفيتش
علي عزت بيجوفيتش وكتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»
محمد يوسف عدس ـ مصر[1]
على مدى عام أو يزيد ابتداءً من يولية 1992 ومأسة البوسنة والهرسك تستأثر بأولوية في الاعلام العالمي، فمن منّا لم يسمع بأهوال العدوان الصربي الوحشي على شعب البوسنة الاعزل؟ ومن منا لم يسمع بأعمال التطهير العرقي واغتصاب الارض والعرض.. ومعسكرات التعذيب؟ ومع ذلك نادرا ما كنا نشاهد «علي عزت بيجوفيتش» يظهر على شاشة التلفزيون وهو رئيس الدولة المُغتصبة وقائد المقاومة المستميتة. وعندما يظهر الرجل ـ لحظات خاطفة ـ في نشرات الاخبار نلمح انساناً مثقلاً كأنه يحمل على عاتقه جبلا من الهموم. ولكننا لا نملك إلاّ أن نعجب كيف انّه لا يزال قويا متماسكا لم يتحطم.. لقد عاش المآسي والكوارث التي تنقضُّ على شعبه ووطنه ليل نهار، وهو نفسه محاصر في مدينة سراييفو بمدفعية الصرب وقنّاصتهم يحدّقون بالمدينة على قمم الجبال، وقد تمزقت المدينة وتقطعت فيها شرايين الحياة فلا طعم ولا ماء ولا كهرباء. وتحول استاد سراييفو ـ الذي احتضن الالعاب الاولمبية الشتوية يوما ـ إلى مقبرة كبرى تضم رفات آلاف الضحايا من المسلمين الذين سقطوا صرعى في المجازر الصربية الهمجية.
صلابة علي عزت
كان للرجل امل في ان ينهض المجتمع الدولي بواجبه في انقاذ شعبه الاعزل أو على الاقل يرفع عنه حظر التسلح حتى يتمكن من الحصول على سلاح يدافع به عن نفسه ضد الغزو والعدوان، ولكن يطول انتظاره ولا يأتيه من الاخبار في كل يوم الا أسوأها: فموقف الامم المتحدة هزيل مُخز، وموقف الولايات المتحدة سلسلة من التشنجات والتراجعات المهينة. وأما موقف أوربا. فأقل ما يوصل به انّه موقف متحيز خسيس. فالماساة تقع في قلب اوربا والحقائق تقع امامها صارخة مزلزلة.. ولكن اوربا لا تحرك ساكنا لرد العدوان، وانما تتوالى تصريحات ساستها بأن دولهم لن تتدخل في الصراع وكأنهم يقولون للصرب: افعلوا اذن ما يحلو لكم.
قاومت بريطانيا مستميتة كل دعوة أو مبادرة لتسليح المسلمين بحجة ان ذلك يطيل امد الحرب ويزيد من اراقة الدماء.. وكانها تقول: دع المسلمين عُزلا من السلاح يائسين حتى يتم قتلهم بسرعة وسهولة، فاذا اُبيدوا ينتهي الصراع وتزول المشكلة. وهكذا تقف الحضارة الغربية عارية مجردة من كل مزاعمها الإنسانيّة والاخلاقية، وينكشف وجهها القبيح امام الالم.
ان (علي عزت) لا يعيش فقط ماساة شعبه الدامية ولا تحاصره مشاعر الاحباط المتصل بسبب المواقف الدولية المتخاذلة تجاه قضية بلاده العادلة، ولكن بالاضافة إلى كل ذلك يتعرض لمحاولات تستهدف تحطيم شخصيته وتمزيق نسيجه النفسي وسحق صلابته وشموخه واعتزازه بفكره ودينه وشعبه. وللاسف الشديد لا تأتيه هذه المحاولات من قبل اعدائه الظاهريين من الصرب والكروات فحسب وانما تأتيه بصفة خاصة من خلال المفاوضات في قصر الامم المتحدة، وبواسطة خبراء في المكر السياسي والدبلوماسي من امثال لورد «كارنجتون» ولورد «أوين» وغيرها، وهم اناس جعلوا اكبر همهم ان يروا علي عزت ينهار مستسلماً لضغوطهم فيوقّع على وثيقة موته ونهاية دولته وتحويل شعبه إلى شراذم من اللاجئين المشردين. وعندئذ تنحل عقدة المجتمع الدولي ودول اوربا بصفة خاصة.. فلن تكون في حاجة إلى سحب اعترافها السابق بدولة البوسنة والهرسك التي لم يعد لها وجود.
كانت هذه الظروف المأساوية جديرة بتحطيم اقوى الرجال، ولكن علي عزت ظل صامدا متماسكاً متوازن العقل صحيح النفس، وهو امر يثير الدهشة ويبعث على التساؤل.. ولكن لعل دهشتنا تزول إذا عرفنا طرفا من حياة الرجل وفكره كما يتمثل في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»، فهذا الكتاب يمدنا برؤية داخلية كاشفة لشخصية مؤلفه وسماته النفسية والاخلاقية.
عاشق الحرية
قضى (علي عزت) فترات طويلة وراء قضبان السجون ـ في دولة يحكها نظام شيوعي دكتاتوري ـ بسبب افكاره التي لا تنسجم مع فكر النظام، الذي لا يقبل من رعاياه أقل من التسليم الكامل والتبعية المطلقة فلا يرتفع فكر ولا رأي آخر ما عدا فكر الدولة ورأيها. ولم يكن علي عزت من النوع الذي يتنازل عن جوهر انسانيته الذي يتمثل في حرية الاختيار وحرية الفكر والتعبير. وسنجد ان فكرة الحرية الإنسانيّة محور اساسي هام من المحاور التي تدور عليها الموضوعات التي تصدّى للكتابة فيها. ومما له دلالة نفسية على موقف المؤلف الخاص انّه عالج هذه الفكرة في علاقتها بالدكتاتورية والنظم الشمولية في اكثر من موضع وانتهى من تحليلاته إلى ان هذه النظم غير ممكنة، بمعنى انّه يستحيل استمرارها في الوجود لانها تنظر إلى الإنسان نظرة احادية الجانب فتصطدم بأعمق ما في طبيعته. وكأن علي عزت في ذلك الوقت المبكر كان يتنبأ بانهيار النظم الشيوعية قبل ان يبدأ الزلزال الذي اكتسحها بوقت طويل.
يمضي (علي عزت) ليكشف عن طبيعة العلاقة التي تربط بين السلطة المستبدة وبين نوعين مختلفين من الناس يسميهم «الاتباع والهراطقة». فهناك علاقة توافق وانسجام بين الاتباع الذين يعشقون التبعية والخضوع، وبين السلطة التي تحب ان يكون لها اتباع مخلصون لا يسألونها وانما يصفقون ويستحسنون. ويعلق المؤلف على ذلك بقوله: «انهم جميعاً متوافقون منسجمون كأنهم اجزاء من كل واحد». اما الهراطقة فانه يتحدث عنهم كأنه يصف نفسه فيقول: «انهم اناس اشقياء.. يتطلعون دائماً إلى شيء جديد.. قليلاً ما يتحدثون عن الخبز ولكن يتحدثون كثيراً عن الحرية.. يتحدثون عن السلام قليلاً وعن الشخصية الإنسانيّة كثيراً. انهم لا يقبلو فكرة ان الملك يمنحهم مرتباتهم وانما على العكس يعتقدون انهم هم الذين يطعمون الملك.. هؤلاء هم الهراطقة الخارجون.. لا يحبون السلطة ولا تحبهم السلطة.. في الاديان يُوقّر الامعات الاشخاص.. والسلطات.. والاوثان.. اما عشّاق الحرية فانهم لا يمجدون الا الله».
ولد علي عزت سنة 1925 في مدينة «بوسانا كروبا» في شمال غرب البوسنة، وقد اصبحت هذه المنطقة الآن تحت الاحتلال الصربي. واسم عائلته بجوفيتش معناه الحرفي «ابن عزت بك» وكلمة «بك» لقب شرفي موروث من الدولة العثمانية كان يمنح لمن قدم خدمة مرموقة لبلاده. وعلي عزت من اسرة مسلمة عريقة في البوسنة. تعلم في سراييفو والتحق بمدرسة تسمى «جمنازيوم» وهي مدرسة ثانوية تتبنى منهجاً اكاديمياً على غرار المناهج الالمانية، ويتميز النظام المدرسي فيها بالدقة والصرامة.
جماعة الشباب المسلمين
في ذلك الوقت كانت البوسنة والهرسك جزءاً من مملكة تحكمها اسرة لبرالية. ولم يكن التعليم الديني جزءاً من المناهج المدرسية. وكان علي عزت ـ وهو لا يزال شاباً ناشئاً ـ واعياً بأهمية ان يتعرف على دينه ويقرأ فيه قراءة مستفيضة فأتفق هو وبعض زملائه في المدرسة ان ينشئوا نادياً مدرسياً للمناقشات الدينية سموه «ملادي مسلماني» اي الشبان المسلمين.. وكثير من زملاء علي عزت واصدقائه ينتمون إلى هذه الفترة المبكرة من حياته.
تطورت جماعة «الشبان المسلمين» فيما بعد فلم تقتصر في نشاطها على الاجتماعات والمناقشات وانما امتدت إلى اعمال تعليمية وخيرية، وانشىء بها قسم خاص بالفتيات والمسلمات.. واستطاعت الجماعة اثناء الحرب العالمية الثانية ان تقدم خدمات فعالة في مجال ايواء اللاجئين ورعاية اليتامى والتخفيف من ويلات الحرب.. والى جانب هذه الانشطة تضمن برامج الجماعة برنامجاً «لبناء الشخصية». وكانت عضوية الجماعة تجتذب طلاباً من المدرسة الثانوية ومن جامعة سراييفو. ومن الثابت ان اتجاهات الجماعة وتطورها نحو التكامل والنضوج كان نتيجة سعيها المستمر لتحسين نفسها، ومحاولة الاستفادة في عملها بالمعرفة التي توصلت اليها من خلال تحليلاتها واجتهاداتها الخاصة إلى جانب تأثرها بأفكار اخرى جاء بها بعض الطلاب البوسنيين الذين تعلموا في جامعة الازهر بالقاهرة واتصلوا بمنظمات اسلامية هناك تعلموا منها ان الإسلام ايمان وعمل.. دين ودنيا.. وانّه اسلوب حياة بقدر ما هو طريقة في التفكير. وسنجد هذه الافكار تتطور عند علي عزت في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» حيث يعالجها بمنهجه الخاص في اطار فلسفي.
كانت مجموعة الشباب المتعلم الدينامي الملتزم بفكر الإسلام واخلاقياته تحفزهم رغبة قوية لايقاظ مجتمعهم وتخليص فكره من كثير من المعتقدات الخاطئة التي كان يظن انها من الدين ولكنها في الحقيقة لا تستند إلى أي اساس من القرآن أو السنّة النبوية الصحيحة. وهي معتقدات سكت عنها رجال الدين الرسميون أو ساهموا في ترويجها لقلة فقههم في الدين. وبسبب ذلك، ولاسيما اخرى تتعلق بعجزهم عن مواجهة تطورات الحياة الحديثة بالفهم والمعالجة المستنيرة، كانت صلة علي عزت وصحبه بعلماء الدين الرسميين صلة محدودة يشوبها كثير من عدم الثقة بأهليتهم في ان يكون لهم دور فعال في انهاض المسلمين وتنويرهم وتخليصهم من كبوة الجهالة والارتكاس في الخرافات.
ولكن تبين للشبان المسلمين فيما بعد ان بقاءهم واستمرار نشاطهم لن يتحقق الا إذا كانت لهم مظلة رسمية تحميهم من مظنة اهل السوء والسلطان، فاقتربوا من «جمعية العلماء» وشجعهم على ذلك الشيخ «قاسم دوبراشا» (الذي توفى سنة 1979). وظل علي عزت محتفظاً بعلاقة ذات طابع عملي برجماتي مع «جمعية العلماء» وان كان لا يأمل فيهم كثيراً خاصة وان الدولة في ظل النظام الشيوعي كانت تتدخل في اختيار رئيس الجمعية وتضع لها اطراً حديدية في مجال نشاطاتها العامة. وقد انعكس هذا على فكر علي عزت الذي كان لا يؤمن بقدرة المؤسسات الدينية الرسمية على احداث تغييرات اجتماعية وسياسية ايجابية في مجتمعاتها. ويظهر موقفه هذا بوضوح في انتقاده لهذه المؤسسات، لعل اقواها تعليقه على حياة وأفول كل من الثورة والدين حيث يقول: «ان كلاً من الدين والثورة يولدان في مخاض من الالم والمعاناة، ولا تدوم حياة الدين والثورة بدوام النضال والجهاد، حتى إذا تحققا يبدأ الموت يتسرب اليهما».. ذلك لان الدين والثورة ـ في مرحلة تحققهما في الواقع العملي ـ يقيمان لهذا الغرض مؤسسات.. هذه المؤسسات هي نفسها التي تقضي عليهما في نهاية الامر.. فالمؤسسات الرسمية لا هي ثورية ولا هي دينية».
اما جماعة الشبان المسلمين فكانت منظمة عفوية حية ظلت مجالاً متطوراً يتدرب فيها اجيال من الشباب المسلم وينمون في اطارها قدراتهم الفكرية والعملية.
التحق علي عزت بكلية القانون في «جامعة سراييفو»، وظل مستمراً في عضويته بلجنة الشبان المسلمين. وفي ابريل 1941م استولى جيش «هتلر» على يوغسلافيا فأحل فيها مكان الملكية جمهورية كرواتية فاشستية. وكانت جمعية الشبان المسلمين تلتزم بسياسة خاصة تحرّم على اعضائها الالتحاق بحركة «الأستاشا» النازية الموالية للالمان، ولهذا السبب عندما تقدموا للسلطات الحكومية الجديدة لتسجيل جمعيتهم رفضت هذه السلطات طلبهم.
كانت اتجاهات جماعة الشبان المسلمين ـ منذ وقت مبكر في حياتها ـ اتجاهات واضحة وثورية.. فقد ورد في مقال لها نشر سنة 1942م بان الإسلام ليس ديناً فقط وانما هو ايديولوجية عالمية يتضمن شؤونا اجتماعية وأموراً تتعلق ببناء الدولة وسياستها.. وقد نشر هذا المقال في مجلة «جمعية العلماء» التي كانت تحمل عنوان (الهداية» ولم يشأ صاحب المقال ان يذكر اسمه وانما اكتفى بتوقيع (طالب طب من الشبان المسلمين). وكان وصف الإسلام بالايديولوجية العالمية في ذلك الوقت المبكر يدل على توجهات الجماعة وتبنيها لفكرة اسلامية سياسية نجد صداها واضحاً في كتاب علي عزت الذي نحن بصدده، كما نراها بصورة ممركزة في كتاب صغير آخر له بعنوان «الاعلان الاسلامي».
وتدلنا دراسة فكر وحركة الشبان المسلمين في البوسنة على ان افكار هذه الجماعة كانت مزيجاً من تحليلاتهم واجتهاداتهم الخاصة مع تأثيرات خارجية سبق ان المحنا اليها.
وتتضح حيوية هذه الجماعة في اتجاهها نحو تعميق فكرها ورغبة اعضائها في الانفتاح على الفكر العالمي، فكانت لهم خطط منظمة لتعلم اللغات الاوربية. وقد اشتملت قراءاتهم على مؤلفات «محمد اسد» في الإسلام باللغة الالمانية ضمن قراءات اخرى كثيرة. وكان من عادتهم ان يجتمعوا ليقرأوا معاً ما يجري على الساحة في الاوضاع السياسية بالعالم الاسلامي. ومن خلال كتابات محمد اسد عرفوا كثيراً عن الحركة الإسلامية في باكستان وكانت تحمل في طياتها املاً في وقت من الاوقات. وقد اشار اليها علي عزت في كتاباته وتعرض لبعض جوانبها السلبية بالنقد في كتابه «الاعلان الاسلامي».
وفي هذا المجال نذكر ان اهتمام علي عزت بتعلّم اللغات الاوربية لم يقتصر على اللغة الالمانية فحسب وانما امتد ليشمل اللغتين الفرنسية والانجليزية فقد كان حريصاً ـ فيما يبدو ـ على ان يتصل بالفكر الغربي في منابعه وبلغته الاصلية. ويظهر هذا واضحاً في ثقافته الواسعة التي انعكست في كتاباته كما يظهر في العدد الهائل من المراجع التي اتصل بها خلال بحثه لموضوع كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» وتشتمل على موضوعات متنوعة في الفلسفة والاخلاق والقانون والفنون والعلوم الطبيعية وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الجريم والادب والشعر والتاريخ والاديان.
الصراع مع النظام الشيوعي
انتهت الحرب العالمية سنة 1945م، وخرج «جوزيف بروز تيتو» وحزبه الشيوعي من انقاض الحرب ليعلنوا سيطرتهم على السلطة، ويؤسسوا دكتاتورية النظام الشيوعي في يوغسلافيا. أما بقية المنظمات غير الشيوعية فقد الغيت أو اخترقت. وحوكم قادة المسلمين البارزين وأعدم بالفعل كثير منهم. وتم اعتقال الفين من اعضاء جماعة الشبان المسلمين فأرسل عدد منهم إلى معسكرات العمل الشاق بدون محاكمة، وحوكم بعضهم الآخر محاكمات صورية ثم اودعوا السجون. واختفى بقية اعضاء الجماعة تحت الارض حيث اصدروا صحيفة سرية سموها «مجاهد»، وسعى بعضهم للحصول على تدريبات عسكرية تحسباً من ان تقوم السلطات الشيوعية بتصفيات جديدة بين المسلمين. وفي سنة 1949 انقض عليهم تيتو مرة اخرى بقسوة اكبر. وليس واضحاً تمام إذا كان علي عزت قد اعتقل في التطهير الاول أو الثاني ولكن الثابت انّه ظل مسجوناً حتى افرج عنه سنة 1954م وكان عمره في ذلك الوقت 29 سنة.
ورغم كل ما عاناه علي عزت في السجن على يد النظام الماركسي الا ان هذا الظلم الذي وقع على شخصه لم يمنعه من ان يكون منصفاً لهذا النظام في نقطتين محدودتين: ففي سياق حديثه عن افلاس الفكر الماركسي تحت وطأة الدكتاتورية والارهاب اشار علي عزت إلى ان الاضافة الوحيدة التي تستحق الذكر في الفكر الماركسي بعد «لينين» جاءت من يوغسلافيا متمثلة في فكرة الادارة الذاتية. وفي ذلك يقول: «.. انها تعتبر طريقاً متميزاً.. فهي تعني تحرراً من النمذجة[2] والمذهبية المغلقة التي وضعت فيها الماركسية الاغلال على نمو فكر الطبقة العاملة». اما النقطة الثانية فتتمثل في موقفه المؤيد لحركة عدم الانحياز، وكانت يوغسلافيا احدى اربعة دول تتزعم هذه الحركة، وقد رأى علي عزت في انضمام الدول الإسلامية إلى هذه الحركة دليلاً على رفضها التبعية للشرق أو الغرب، واتخاذها موقفاً وسطاً بين الكتلتين المتطرفتين المتصارعتين وهو يرى انّه موقف يتفق تماماً مع طبيعة الإسلام وروحه التي تنبذ التطرف وتكرس الوسطية.
عمل علي عزت بعد خروجه من السجن محامياً متخصصاً في القانون التجاري لدى احدى الشركات. وفي غضون ذلك نشأت بينه وبين «حسين دوزو» علاقة. وكان «حسين دوزو» قد تخرج من جامعة الازهر وعينته الحكومة اليوغسلافية رئيساً «لجمعية العلماء» وكان حريصاً من جانبه على ان يقيم حواراً بين العلماء وبين المثقفين المسلمين. وقد اتيح لعلي عزت من خلال هذه العلاقة ان ينشر مقالاته في مجلة الجمعية المسماة «تاكفين Takvin» على مدى عقد السبعينات فتناول في مقالاته موضوعات في الثقافة والاخلاق مستخدماً اسماً مستعاراً مكوناً من ثلاث حروف «ل. س. ب» وهي الحروف الاولى من اسماء ابنائه «ليلى وسابينا وبكر». وكان لهذا الانفتاح عى جمعية العلماء اهمية كبرى فقد استطاع علي عزت ايصال فكره لخمسين الف مسلم من قراء المجلة.
وفي سنة 1981م قام ابنه «بكر» بجمع سلسلة من مقالات ابيه في كتيب وضع له عنواناً هو «الاعلام الاسلامي». وقد اثار هذا الكتاب ضجة اعلامية كبيرة في يوغسلافيا، واستغل استغلالاً ظالماً ضد مؤلفه، وقد كان ولا يزال اداة اتخذها الصرب والكروات لتحريض الغرب على دولة «البوسنة والهرسك» وعلى رئيسها وكانت التهمة المعلنة هي «الاصولية الإسلامية».
وجاء ذلك متسقاً مع اتجاه الغرب لخلق عدو جديد بدلاً من الشيوعية التي انهارت، فوجد في الإسلام ايديولوجية مؤهلة لهذه الوظيفة، وهي فكرة تروج لها الصهيونية العالمية وتجد لها صدى واسعاً في دوائر الاعلام الغربي بل تجد انصاراً اكثر تحمساً في بلاد المسلمين من العلمانيين المتطرفين والماركسيين القدامى تؤازرهم السلطات الحاكمة ملتمسة لنفسها شرعية ما، بعد ان فقدت مصداقيتها لدى الجماهير. ولعل هذا يفسر الموقف السلبي لحكومات الدول المسلمة والموقف الغربي المنحاز إلى العدوان الصربي الكرواتي ضد البوسنة وضد رئيس جمهوريتها.
عندما صدر كتاب «الاعلام الاسلامي» كانت يوغسلافيا محكومة بمجلس مكون من رؤساء جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي، وكان رد الفعل بازاء الكتاب شديد الحدة فألقى القبض على مؤلفه ووجهت إليه تهمة السعي لاحياء جماعة الشبان المسلمين ضمن اتهامات اخرى. وكان توجيه الاتهام في حد ذاته مهزلة لان محتويات الكتاب كلها سبق نشرها على حلقات خلال عشر سنوات في مجلة مسموح بها من قبل السلطات الحكومية، وليس في الكتاب شيء جديد. كانت السلطات قد القت القبض مع علي عزت على مجموعة اخرى من اصدقاءه المثقفين بينهم سيدة، ووجهت إلى الجميع تهمة العمل ضد نظام الدولة وأمن شعبها والسعي لتحويل البوسنة والهرسك إلى دولة اسلامية. ولم تكن هناك اي ادلة حقيقية تدعم هذا الاتهام سوى كتاب «الاعلام الاسلامي» الذي لم يرد فيه ذكر لاسم يوغسلافيا أو البوسنة كما اشرنا من قبل.
اجريت محاكمة صورية لعلي عزت وصحبه سنة 1983م، وسمح لاصدقاء المتهمين وأسرهم بحضور الجلسة الاولى فقد ثم استكملت المحاكمة بعد ذلك في جلسات سرية سريعة. ويذكر شهود الجلسة الولى ان علي عزت قام للدفاع عن نفسه فلم ينكر انّه مؤلف الكتاب وانّه مسؤول عن محتوياته. وكانت حجته ان كتاباته كانت موجهة إلى المسلمين بصفة عامة وانّه من شأن المسلمين في البلاد التي يشكلون فيها الاغلبية العظمى من السكان ان يختاروا ـ إذا شاءوا ـ نظاماً اسلاميا للحكم ولا يصح عندئذ ان تتدخل الدول الغربية ضد هذه الرغبة.
ولم تلتفت المحكمة لدفاع علي عزت فأصدرت حكمها عليه مع زملاه بالسجن لمدة 14 سنة.
في تلك الاثناء طارت شهرة علي عزت في انحاء يوغسلافيا وأصبح حديث الناس في بيوتهم. وهكذا ادخل علي عزت السجن للمرة الثانية بتهمة باطلة، وكأن الاقدار كانت تصنعه بطريقة خاصة وتهيئه لدور صعب ينتظره في المستقبل القريب.
انهيار يوغسلافيا وبداية الصراع
خلال وجود علي عزت بالسجن بدأ الزلزال يجتاح العالم الشيوعي في اوربا الشرعية وتحققت نبوءته بانهيار النظم الاشتراكية. وبرزت على انقاض هذه النظم نزعات قومية وعرقية كانت مكبوتة في يوغسلافيا، اخذت تعمل على تفكيك الوحدة الهشة التي صنعها تيتو وحافظ عليها مدة حياته بالحيلة والدهاء. وكان لظهور رؤساء جمهوريات مثل «سلوبودان ميلوسوفيتش» الصربي و«تودجمان» الكرواتي من اصحاب النزعات الفاشية العرقية من الاسباب الاساسية التي ادت إلى الانهيار السريع في يوغسلافيا، فانشقت سلوفينيا ثم كرواتيا وأعلنا استقلالهما معاً في يوم 25 يونيو سنة 1991. وفي صباح 26 يونيو هاجمت القوات الصربية كرواتيا، وكان بامكانها سحق كرواتيا بآلتها العسكرية الرهيبة التي انفردت بها ميراثاً من الدولة اليوغسلافية السابقة، ولكنها اضطرت لايقاف العمليات العسكرية عندما ادركت وتأكدت ان الدول الاوربية وبالاخص المانيا سوف تتدخل بالقوة العسكرية للدفاع عن كرواتيا.
كانت موجة التغيير التي بدأت تجتاح يوغسلافيا عاملاً هاماً في استرخاء قبضة السلطة المركزية عن الجمهوريات، ومن ثم تهيأت الظروف لاعادة محاكمة علي عزت وصحبه حيث الغت محكمة سراييفو الحكم الذي صدر عليهم بالسجن وأفرج عنهم 1989 بعد ان اعادت المحكمة لهم اعتبارهم.
بدأت مرحلة جديدة في حياة علي عزت فقد كان دوره السابق هو دور المفكر الثائر ورجل الاخلاق والمواقف، ولكنه اصبح الآن امام مرحلة جديدة تتطلب منه دوراً سياسياً قيادياً، خصوصا وان كل الدلائل تشير إلى مخاطر كبرى وأزمات مقبلة تلوح في الافق. ولذلك انشأ علي عزت حزباً جديداً باسم «حزب العمل الديمقراطي» استطاع به هزيمة الحزب الشيوعي وتولى رئاسة جمهورية البوسنة والهرسك اعتباراً من نوفمبر 1990م.
كانت القيادة البوسنية تشعر بالقلق ازاء الصراع الذي اندلع بين صربيا وكرواتيا ان يؤثر على التركيبة العرقية المتداخلة من المسلمين والصرب والكروات في انحاء جمهورية البوسنة والهرسك، ومن ثم تنجرف إلى حرب اهلية كتلك الحروب السابقة التي خرج منها المسلمون بأكبر نصيب من الويلات والمآسي. ولذلك كان على القيادة البوسنوية ان تحدد موقفها بعد انفصال سلوفينيا وكرواتيا وتفجر الصراع العسكري في المنطقة.