عيد السعداء وعيد الأشقياء
في المجتمع المتماسك، يكون العيد عيداً لجميع أبناء الأمة، وفي المجتمع المتفكك يكون العيد عيداً لأقوام ومأتماً لآخرين.
عيد العاقل والجاهل والغافل
العاقل يرى في العيد فرصة للطاعة، من صلة رحمٍ، وإغاثة ملهوف، وبر فقير، والجاهل يرى في العيد فرصة للمعصية، يعبُّ فيها من الشهوات عبًّا، والغافل يرى في العيد فرصة للعبث، يتفلَّت فيها من قيود الحشمة والوقار، وكذلك يرى الأطفال العيد.
ليس العيد لمن زاد فيه همومه، ولكنه لمن أنقص منها همًّا، ونستطيع بالإيمان بالقضاء والقدر أن نجعل من كل يوم لنا عيداً.
العيد يعطينا درساً اجتماعيًّا عظيم النفع، ذلك أن الفرح العام أعمق أثراً في النفس من الفرح الخاص الذي لا يشارك فيه الآخرون؛ ففي العيد تدخل الفرحة كل قلب حتى المحزونين والمرضى، والمثقلين بالأعباء، وهي فرحة ليست نابغة من نفوسهم بل من مجتمعهم ومحيطهم، ففرحة المجتمع تطغى على آلام الفرد، ولكنَّ فرحة الأفراد لا تغطي آلام المجتمع، ولذلك كان العيد تنمية للشعور الاجتماعي في أفراد الأمة.
في الإسلام عيدان: أحدهما بعد طاعة عامة وهو عيد الفطر، وثانيهما: بعد طاعة خاصة وهو عيد الأضحى، ولكن الإسلام يعتبر الطاعة الخاصة ذات نفع عام؛ فألزم غير الحجاج أن يفرحوا بتمام فريضة الحج، مشاركة في الشعور، واعترافاً بفضل العاملين.
أيها المرهقون بالآلام! افرحوا بالعيد؛ لأن آلامكم تخفُّ بالمواساة فيه.
أيها المثقلون بالأعباء! افرحوا بالعيد؛ لأن أعباءكم ألقيت عن عواتقكم قليلاً.
أيها المثخنون بالجراح! افرحوا بالعيد؛ لأن جراحكم قد وجدت من يضمِّدها.
أيها المحرومون من النعيم! افرحوا بالعيد؛ لأن أيام حرمانكم قد نقصت فيه بضعة أيام.
أيها الموجعون بالأحزان! افرحوا بالعيد؛ لأنه أعطاكم أياماً لا تحزنون فيها.
أيها المنهكون بالمصائب! افرحوا بالعيد؛ لأنه يمنحكم أملاً بانتهاء مصائبكم.
لو كبَّرت قلوب المسلمين كما تكبِّر ألسنتهم بالعيد، لغيَّروا وجه التاريخ، ولو اجتمعوا دائماً كما يجتمعون لصلاة العيد، لهزموا جحافل الأعداء، ولو تصافحت نفوسهم كما تتصافح أيديهم؛ لقضوا على عوامل الفرقة، ولو تبسمت أرواحهم، كما تتبسم شفاههم؛ لكانوا مع أهل السماء، ولو ضحوا بأنانياتهم كما يضحون بأنعامهم؛ لكانت كل أيامهم أعياداً، ولو لبسوا أكمل الأخلاق كما يلبسون أفخر الثياب؛ لكانوا أجمل أمة على ظهر الأرض.
لو عرف المسلمون مغزى العيد كما أراده الإسلام، لكان عيدهم الأكبر يوم يتمّ لهم تحرير الوطن الأكبر.
عيد في الأرض ومأتم في السماء
إن عيداً في الأرض يضحك فيه أناس ويبكي آخرون هو مأتم عند أهل السماء.
اجتهد أن يفرح أولاد جارك بالعيد، كما يفرح أولادك؛ لتتم لأولادك فرحتهم.
أعمق التقاليد جذوراً ما كان منها متَّصلاً بالدين، وفي العيد تقاليد كضرب المدافع، لو ألغيت لهاج الناس لها كما يهيجون لإلغاء العيد نفسه، ومع ذلك فلست أرى إلغاء مثل هذه التقاليد.
الأعياد الدينية والتقاليد
حين تصبح الأعياد الدينية تقاليد قومية، تفقد في النفوس معناها، وفي المجتمع آثارها، وتصبح فرصة للراحة أو العبث.
القسم الثالث عشر - الأولاد حظوظ آبائهم
إلهي! لقد رغبت من عبادك أن يصلوا في العيد أرحامهم، ويتفقَّدوا مساكينهم وضعفاءهم، فهب لي رحمة تصلني بك، ولطفاً يجبر كسري ويقوِّي ضعفي ويعافيني من الآلام والأسقام، فإنك أكرم من بر، وأصدق من وفَّى، وأرحم من أحسن.
الأولاد حظوظ الآباء من الدنيا، فمن رزق أولاداً سيئين كان سيئ الحظ ولو اجتمع له المال والجاه.
حبَّبوا إلى هذا الجيل العبث والاستمتاع باللذة، ثم اعتذروا عن إرضاء رغباته في الإذاعة والتلفزيون والصحافة والكتب بأنه يريد ذلك.. أفليس مثلهم كمن أغرى إنساناً بالمخدِّرات، حتى اعتادها، ثم جاء يشكو منه، ويعتذر عن تقديم المخدِّر له بأنه لا يستطيع عنه صبراً؟!
جنِّب ولدك قرين السوء، كما تجنِّبه المرض المعدي، وابدأ ذلك منذ طفولته، وإلا استشرى الداء، ولم ينفع الدواء.
·القسوة في تربية الولد تحمله على التمرد، والدلال في تربيته يعلِّمه الانحلال، وفي أحضان كليهما تنمو الجريمة.
·الولد كالمهر إذا أعطي كل ما يريد نشأ حروناً يصعب قياده، وإذا منع كل ما يريد نشأ شرساً يكره كل ما حوله، فكن حكيماً في منعه وعطائه. وإياك وتدليله باسم الحب له؛ فذلك أقتل شيء لسعادتك وسعادته.
·يحبون الصبيان ويكرهون البنات، أما أنا فرأيت في أكثر من عرفت، بناتهم أسعد لهم من صبيانهم.
·عوِّد ولدك على الاعتماد على نفسه ولو كنت غنيًّا، فإذا أصبح قادراً على الكسب وهو غير طالب علم فحذار أن تطعمه على مائدتك، أو تسكنه في بيتك، أو تسدِّد نفقاته من جيبك. فإنك تقتل فيه روح الكفاح في سبيل العيش، وقد رأيت من هؤلاء كثير.
·إذا يئس الولد من عطف أبيه عليه نشأ عاقاً، وإذا طمع في عطفه عليه نشأ كسولاً، وخير الآباء من لم يؤيس ولده من حنانه، ولم يطمعه في الاعتماد على إحسانه.
·إفراطك في القسوة على ولدك، يقطعه عنك، وإفراطك في تدليله يقطعك عنه، فكن حكيماً وإلا أفلت من يدك الزمام.
·لأن ترى ولدك يقاسي متاعب الحياة وهو يعمل لها، خير من تراه غارقاً في النعيم وهو يعتمد عليك.
·إياك أن تترك لأولادك ثروة إذا كانوا فاسدين، فإنهم يُتْلِفُون في أيام ما جمعته في أعوام، ثم هم يشوِّهون سمعتك، ويثلمون شرفك، ويسلمونك إلى من هو سريع الحساب.
·ولد صالح يدعو لك، ويذكرك الناس به بكل خير، أبقى لك من ولد ينساك ويسيء إليك بما يسيء في الحياة من سلوك، أولادك قطع من كبدك، أتراك تريد أن تصاب بكبدك بما يسبِّب لك الأسقام والآلام، أم تريده صحيحاً معافى؟.
·لو أن كل أب خصص جزءاً من يومه لرعاية ولده لما تعب الآباء في أبنائهم كثيراً.
·الأب الجاهل يفرح بجمال صورة ولده، ولا يبالي بقبح أخلاقه، والأب العاقل يفرح بجمال أخلاق ولده ولو كان من أقبح الناس.
·الأب العظيم من يحاول أن يجعل ولده أعظم منه، والأب العاقل من يحاول أن يجعل ولده مثله، ولا أتصور أن أباً يحاول أن يجعل ولده أقل منه.
·فرحة الأب بولادة ولده، تذهب بها غصته بسوء نشأته، فمن استطاع أن تتمَّ له فرحتا الولادة والنشأة فقد فرح بولادته مرتين.
·حين يخلفك ولد صالح تولد عند موتك، وحين يخلفك ولد سيِّئ تموت ميتتين.
·اللهم لولا ما خلقت فينا من غريزة الأبوة، ووعدتنا من عظيم الأجر، لكانت ولادتنا للأولاد وشقاؤنا في سبيلهم سفهاً من الرأي، لا يصير إليه عاقل.
·لا ينسى الأب شقاءه في سبيل ولده، إلا أن يراه بارًّا مستقيماً، ولا يجعله نادماً على ولادته وتعبه فيه، إلا أن يراه عاقًّا منحرفاً.
·جهاد الآباء في ميدان التريبة، أشق من جهاد الأبطال في ميدان الحروب.
·أكثر ما يعيق الأب عن تربية ولده كما يريد هو تقدم السن، فباكر ما استطعت إلى الزواج.
·إلى الله نشكو! ما نبذله من جهد على أولادنا في البيوت تذهب به المدارس والشوارع.
·الولد مفطور على حبِّ التقليد. وأحب شيء إليه أن يقلِّد أباه ثم أمه، فانظر كيف يراك في البيت معه ومع أمه، وكيف يراك في المعاملة معه ومع الناس.
·من أدخل الشَّر إلى بيته فقد دعا زوجته وأولاده ليشاركوه فيه، ولو زعم أن يقصيهم عنه.
·قال أب مسيء لولده السيئ: ألا تخجل مني؟ تسيء إليَّ وقد ربيتك؟
فقال له ولده: أولى بك أن تخجل من ربك، تسيء إليه وقد خلقك وأنعم عليك.
قال الأب: ولكن ربي غفور رحيم.
قال الابن: أولى بك أن تكون معي غفوراً رحيماً.
قال الأب: ولكن رحمة الله تدخلني الجنة، ورحمتي لك تدخلك النار.
قال الابن: لو عنيت بي وأنا صغير لاستغنيت برحمة الله عن رحمتك.
قال الأب: ألا تعود إلى طاعتي؟.
قال الابن: هيهات! حتى تعود أنت إلى طاعة الله.
قال الأب: فلا تسئ إليَّ بين الناس.
قال الابن: يداك أوكتا، وفوك نفخ.
·يولد الولد معه طباعه، فأبواه لا يستطيعان تبديلها ولكن يستطيعان تهذيبها، أما أخلاقه فهي بنت البيئة والتربية، وهنا يؤدي الوالدان دورهما الكبير في سعادته أو شقائه.
·الابن يتأثر بالأب أكثر، والبنت تتأثر بالأم أكثر، والأمهات الجاهلات طريقهن في التربية: الشتيمة والدعاء بالموت والهلاك، والآباء الجاهلون طريقهم في التربية: الضرب والاحتقار.
أخطر شيء على الأسرة أن يميِّز الأبوان بعض الأولاد على بعض في الحب والدلال والإغضاء عن الزلاّت، وأخطر من ذلك: أن يعلنا كرههما للواحد وحبهما للآخر، فتلك هي بذرة العداء بين الإخوة والأخوات، تثمر بعد رشدهم واستقلالهم بشؤون أنفسهم جفاء وخصومة قد ينتهيان إلى الجريمة.
أعن ولدك على برك بثلاثة أشياء: لطف معاملته، وجميل تنبيهه إلى زلاَّته، وحسن تنبيهه إلى واجباته.
لا تستعمل الضرب في تأديب ولدك إلا حين تخفق الموعظة والتأنيب، وليكن ضربك له ضرب تربية لا ضرب انتقام، وتجنَّب ضربه وأنت شديد الغضب منه، واحذر موطن الأذى من جسمه، وأشعره وأنت تضربه أنك لا تزال تحبُّه. وقلل ما استطعت من استعمال الضرب وسيلة للتأديب. ولأن يهابك ويحبك خير من أن يخافك ويكرهك.
اسلك في تربية ولدك طريق الترغيب قبل الترهيب، والموعظة قبل التأنيب، والتأنيب قبل الضرب، وآخر الدواء الكي.
القسم الرابع عشر
شوق الذين زاروا ديار الأحبة، ثم منعوا عنها، أشدُّ من شوق الذين لم يزوروها بعد، فمن استطاب الذواق مرَّة، أحب العودة مرّة بعد أخرى.
من أنست نفسه بالله لم يجد لذة في الأنس بغيره، ومن أشرق قلبه بالنور لم يعد فيه متَّسع للظلام، ومن سمت روحه بالتقوى لم يرض إلا سكنى السماء، ومن أحب معالي الأمور لم يجد مستقرًّا إلا في الجنة، ومن أحب العظماء لم يقنعه إلا أن يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أدرك أسرار الحياة، لم يرَ حديراً بالحبِّ حقّ الحبّ إلا الله تبارك وتعالى.
لست أرى في الدنيا فرحة تعدل فرحة الحجيج بعد أدائهم مناسك الحج، ومن شكَّ فليجرب.
لو جدَّد المسلمون معاني العبادة في نفوسهم، لجدَّدوا للإنسانية شبابها، ولو وجدت حكومة إسلامية تهيئ للمسلمين الاستفادة من مؤتمر الحج، لاقتلعوا من أوطانهم جذور الاحتلال والطغيان والفساد والشَّتات.