هذا هو الحد الفاصل بين من يراقب الله ويخافه ، وبين من يراقب الناس هذا هو الحد الفاصل بين أنى نربى أبناءنا على مراقبة القانون الوضفى ومراقبة الحى الذى لا ينام علام الغيوب .
(( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ، ويرفعه ، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى بصره من خلقه ))([1])
فيا أبها الأخوة الكرام : نريد أن نربى أبناءنا على مراقبة علام الغيوب ، وتعالى معى نتجول فى هذا الدرس الذى أراد أحد الأساتذة الكرام أن يعلمه لطلابه ، وأراد أن يربى طلاب علمه على مراقبة الله جل وعلا تربية عملية على أرض الواقع ، وها هو يدفـع لكل تلميذ من تلاميذه دجاجة أو طائر وهو يقول فيذهب كل تلميذ وليذبح هذا الطائر فى مكان لا يراه فيه أحد ، فذهب كل تلميذ بطائـره فى مكان يغيب فيه عن أعـين الناس حتى يذبح طائره ويعود به إلى أستاذه ، ونظر الأستاذ فوجد تلميذاً نجيباً جاء بطائره ولم يذبحه فقال له ، لماذا لم تذبح طائرك ؟! فقال : يا أستاذى لقد طلبت منا أن نبحث عن مكان لا يرانا فيه أحد ، وما من مكان ذهبت إليه إلا ورأيت أن الله يرانى ، فأين أذبحه ؟!
إذا خلوت الدهر يومـاً فلا تقل خلوت ولكن قل علىَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفـل ساعة ولا أن مـا عليــه يغــيب
أليس هو القائل جل جلاله تقدست أسماءه : (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَـةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[
[ المجادلة : 7 ]
أمسك أعرابى بامرأة فى الصحراء ، وأراد أن يفعل بها الفاحشة ، فأرادت هذه المرأة التقية الورعة أن تلقنة درساً من دروس المراقبة ، ترى ماذا قالت له المرأة ؟! قالت له : إذهب وانظر هل نام الناس جميعـاً فى الخيام ؟! فانطلق سعيداً سريعاً لينقب وليبحث ، ثم عاد إليها قائلاً : اطمئنى نام الناس جميعـاً ولا يرانا إلا الكواكب ! فقالت المرأة : وأين مكوكبها ؟! أين الذى لا يغفل ولا ينام ؟! أين الحى القيوم الذى لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم ؟!
أيها المسلمون : إن الإسلام الذى ندين به هو دين الرحمة ، لقد أخبرنا نبى الرحمة صلى الله عليه وسلم أن بغياً من بغايا بنى اسرائيل دخلت الجنة ، رأت كلباً فى يوم حارٍ قد أدلـع لسانه من العطش فنـزعت له موبقها ( أى خفها ) فاستقت له([2]) وأخبرنا أيضاً أن الله أدخل الجنة رجلاً لأنه رحم كلباً فسقاه الماء ([3])
وأخـبرنا أيضاً أن امرأة دخلت النار فى هـرة سجنتها حـتى ماتت لا هى أطعمتها وسقتها ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض ([4]).
أيها المسلمون الموحدون : اعلموا علم اليقين أن الإسلام دين الرحمة .. دين الرأفة .. دين الشفقة حتى بالكلاب والقطط.
وها هو مشهد آخر من مشاهد الرحمة كما جاء فى حديث ماعز السابق ذكره ثم جاءت الغامـدية فقالت : يا رسول الله طهرنى فقال : (( ويحك ارجعى فاستغفرى الله وتوبى إليه )) فقـالت : أراك تريـد أن تردنى كما رددت ماعز بن مالك . قال : وما ذاك قالت : إنها حبلى من الزنا فقال : آنت ؟ قالت : نعم . فقال لها : (( حتى تضعى ما فى بطنك )) قال : فكفلها رجل من الأنصـار حتى وضعت . قال : فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : قد وضعت الغامدية . فقال : (( إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه )) وفى رواية فلما ولدته أتته بالصبى فى خرقة . قالت : هذا قد ولدت . قال : (( أما لا ، فاذهبى حتى تلدى )) فلما فطمته أتته بالصبى وفى يده كسرة خبز فقالت : هذا يا نبى الله قد فطمته ، وقد أكل الطعام . فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ، وأمر الناس فرجموها ، فيُقْبل خالد بن الوليد بحجـر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خـالد . فسبها فسمع نبى الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال : (( مهلاً يا خالد ! فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة ، لو تابها صاحب مكس لغفر له )) ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت([5])
يا لها من كرامة منقبة فازت بها الغامدية لإصرارها إقامة حد الله عليها!! فيا له من سعادة من يصلى عليه النبى ويدعو له نهر الرحمـة ، وينبوع الحنان بأبى هو وأمى عليه الصلاة والسلام .
وهذا هو حد الزانى إذا كان بكراً أو محصناً كما بينَّا أيها الأحبة الكرام
نداء إلى كل من ارتكب جريمة الزنا النكراء .
يا كل من ارتكب هذه الجريمة النكراء أذكرك بهذا النداء الندى الرضى وبهذا النداء العلوى الربانى الذى يسكب الأمل فى القلوب سكباً ، الذى يرد البسمة إلى الشفاة رداً ويرد الأمل إلى القلوب ، ويرد الدمعة الحزينة الدائبة إلى العيون ، هذا النـداء من ربك الذى خلقك ، وهو الـذى يعلم ضعفك ويعلم عجزك ، وبالرغم من ذلك ينادى عليك من سمائه وعليائه جل وعلا :
]قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ [ الزمر : 53 ]
أيها العاصى .. أيها المذنب بادر بالتـوبة والأوبـة والعودة إلى خالقك واعلم بأن الأصل فى الكبائر هو التوبة مالم يرفع أمرك إلى ولى الأمر المسلم .
إذاً نفهم من ذلك ما دام أمرك لم يرفع لولى الأمر المسلم ، فما عليك إلا أن تتـوب إلى الله عز وجل وأن تلجأ إلى الله ، وأن تقلع عن الكبيرة وعن الصغيرة بكل سبيل ، وأن تندم كل الندم على فعلها ، وأن تكـثر من العمل الصالح وأن تتذلل لخالقك بحب وإخلاص وأن تبكى بين يدى العزيز الغفار فإن قبل منك الله التوبة ونرجوا أن يقبلها سعدت فى الدنيا والآخرة .
ومن هنا أقول : هيا بنا جميعاً نتـوب من ذنوبنا صغيرة كانت أو كبيرة عسى الله أن يتقبل ، أليس هو القائل وقوله الحق ] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [ التحريم : 8 ]
أخى الحبيب : تب إلى الله عز وجل فها أنذا أذكر نفسى وإياكم بالتوبة والأوبة إلى الله فإن التـوبة يؤمر بها العاصى والمـؤمن ، واعلم يقيناً أن الله سيفرح بتوبتك ، وإن كنت قد ارتكبت جريمـة الزنا ، نعم وإن كنت قد ارتكبت جريمة الزنا ، عد إلى الله وتب إليه وسيفرح الله بتوبتك وأوبتك إليه وهو الغنى عن العالمين الذى لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية .
(( يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك إلا كما ينقص المِخْيطُ إذا أُدخل البحر )) .
فلا تقنط من رحمة الله ولا تيأس ، وتب إلى الله جل وعلا ، واعلم بأن الله تواب ، واعلم بأن الله غفور كريم يغفر الذنوب ويقبل التوبة .
ففى صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها ، فأتى شجرة فاضجع فى ظلهـا قد أيس من راحلته – فبينما هو كـذلك ، إذا هو بها قائمة عنده ))([6]).
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (( أما والله لله أشد فرحاً بتوبة عبده من الرجل براحلته ))([7]).
فيا من أذنبت فى حق الله بالنهار تب إلى الله ، ويا من أذنبت فى حق الله بالليل تب إلى الله ، ففى الحديث الصحيح من كـلام سيد الخلق (( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيىء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيىء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ))([8]) .
وطلوع الشمس من مغربها علامة من علامات الساعة الكبرى حينها لا تقبل التوبة ولا الأوبة .
فلا تيأس ولا تقنط من رحمة الله ما دامت لم تطلـع الشمس من مغربها ولا تقنط من عفوه واعترف إلى الله بالذنب وقل .
إلهى لا تعذبـنى فإن مقـر بالـذى قـد كـان مـنى
فكم من زلة لى فى البريـا وأنت على ذو فضـل ومنِّ
يظن الناس بى خـيراً وإن لشر الناس إن لم تعفو عنى
فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون .
يا من تصر على الزنا ، على انتهاك الحرمات والأعراض اعلم علم اليقين أن الزنا دين حتماً ستدفعه .
يا هاتكاً الرجال وتابع طرق الفساد فأنت غير مكـرم
من يزنى فى قوم بألفى درهم فى بيته يزنى بربع الدرهـم
إن الزنا دين إذا استقرضتـه الوفاء من أهل بيتك فاعلم
فيا أيها المسلم الحريص على عفة نساءك عف تعف نساءك وتذكر دائماً أمك وأختك وبنتك وزوجك ، فإن رأيت امرأة مسكينة ضعفت فأعنها على طاعة الله ، وأنت أيها الأنثى أى كنت أماً أو زوجة أو بنتاً ، تذكرى دائماً وضع نصب أعينك مراقبة الله عز وجل فى الكبيرة والصغيرة وتذكرى النيران المتأججة والجنة المزخرفة ، وتذكرى دائماً حـال أسرتك جمعاء لو ارتكبت هذه الجريمـة النكراء كيف يكون حالهم ؟!
فاتقى الله ، اتقى الله فى نفسك وأسرتك
([1]) رواه مسلم رقم ( 179 ) فى الإيمان ، باب فى قوله عليه السلام : إن الله لا ينام .
([2]) رواه البخارى رقم ( 3467 ) فى أحاديث الأنبياء باب ( 54 ) ، ومسلم رقم ( 2245 )
فى السلام ، باب فضل ساقى البهائم المحترمة وإطعامها .
([3]) رواه البخارى رقم ( 6009 ) فى الأدب باب رحمـة الناس والبهائم ، ومسلم رقـم
( 2244 ) فى السلام ، باب تحريم قتل الهرة ، وأبو داود رقم ( 2550 ) فى الجهاد ، باب
ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم .
([4]) رواه البخارى رقم ( 3318 ) فى بدء الخلق ، باب إذا وقع الذباب فى شراب أحدكـم .
ومسلم رقم ( 2242 ) فى السلام ، باب فضل ساقى البهائم المحترمة وإطعامها .
([5]) رواه مسلم رقم ( 1695 ) فى الحدود ، باب من اعترف على نفسه بالزنى .
([6]) رواه البخارى رقم ( 6308 ) فى الدعوات ، باب التوبة ، ومسلم رقم ( 2748 ) فى التوبة ، باب الحض على التوبة .
([7]) رواه مسلم رقم ( 2746 ) فى التوبة ، باب الحض على التوبة .
([8]) رواه مسلم رقم ( 2760 ) فى التوبة ، باب غيرة الله تعالى .
محاضرة مفرغة للشيخ محمدحسان