رُبَّ حَرفٍ قـادَ نَصْـرًا
أتخوض الكلمة حَربًا ؟!
أتبارزُ الأقلام في المعارك ؟!
أيقودُ الحرف الهزيلُ نصرًا ؟!
ضجّت الأسئلة مِن حولي وعلا استنكارها ، غير أنّي مضيتُ بثباتٍ ويَقين فاعتليتُ الجَبل بحَذر ، وهناك قربَ الشَّمس علّقتُ شِعار أمسيتنا .
فمِن الحروفِ الهَزيلة تتشكَّل الكلمات ، ومن الكلماتِ تتكوَّن الجُمَل السَّليمة ذات المَعنى النّافع ، ومِن ترابط الجُمَل السَّليمة النَّافعة يُصاغ النّص القيّم ، كما تصوغ أحجارِ الألماس الصغيرة أغلى وأجمل الحلي والحلل ...
يقوم القلم الحرّ بهذه المُهمَّة العظيمة ، بحبٍّ وحِرص ورغبَة صادِقة في الإصلاح ، لا تأخذه في الحقِّ لومَة لائِم ، فتغدو الحروف قناديل هداية ، والكلمات مرافئ إدراكٍ .
فكم من كلمَة أثارت مكامِن التّفكير عند القارئ ، وتركته يُصارِع أمواجَ أفكاره العاتيَة باحثًا عن الحقيقة !
وكم من كلمة غرَسَت في قلبِ القارئ بذرة خير نَمت مَع الأيام حتى أضحَت شجَرة وارفة !
وكم من كلمة ثبّتت الأقدام وحمتنا من السقوط ، عندما تهادت نحونا في رفق ولين !
وكم من كلمة صَدَحنا بها في عِزَّة ويَقين ، فجاءنا النَّصرُ والتَّمكين مِن ربِّ العالمين !
[ هناك في غزو أحد ، لما انقضت الحرب ، أشرف "أبو سفيان" على الجبل ، فنادى : أفيكم محمد ؟
فلم يجيبوه ...
فقال : أفيكم ابن أبـي قحافة ؟
فلم يجيبوه ...
فقال : أفيكم عمر بن الخطاب ؟
فلم يجيبوه ...
ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قوام الإسلام بهم ، فقال : أما هؤلاء ، فقد كفيتموهم ، فلم يملك "عمر" نفسه أن قال : يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياءٌ ، وقد أبقى الله لك ما يسوءك .
فقال : قد كان في القوم مثلةٌ لم آمر بها ، ولم تسوءني ، ثم قال : اعل هبل !
فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : « ألا تجيبونه ! »
فقالوا : ما نقول ؟
قال : « قولوا : الله أعلىٰ وأجلّ »ثم قال : لنا العزى ولا عزى لكم .
قال : « ألا تجيبونه ! »
قالوا : ما نقول ؟
قال : « قولوا : الله مولانا ولا مولىٰ لكم » ] *
هل كانت مجرد كلمات ؟
أم أنها قذائف مُدوية أُلقيت على أهل الكُفر فدمغتهم دمغًا ، وثبّتت قلوبَ قوم مؤمنين !
[ وها هو "بلال بن رباح" ـ رضي الله عنه ـ ، فقد عذب في الله أشد العذاب ، فهان على قومه ، وهانت عليه نفسه في الله ، وكان كلما اشتد عليه العذاب يقول : أحدٌ أحدٌ ، فيمرّ به ورقة بن نوفل . فيقول : إي والله يا بلال أحدٌ أحدٌ ... ]*
كلمة تتفوَّه بها الشَّفاه فتسري مع الدَّماء تغذّي القلبَ صمودًا وثبات !