الجزية وختم غير المسلمين
ومن القضايا الحساسة التي تثار أيضا، قضية الجزية، وما ورد في كتب التاريخ من ختم غير المسلمين على أجسادهم.
بداية نود أن نقول كلمة يساء فيها إلى الإسلام والنظام الإسلامي، عندما تذكر كلمة (الجزية) وكأنها سبة في جبيننا كمسلمين أو كنظام إسلامي، إن الجزية اختراع غير إسلامي، لم يخترعه الإسلام ولا المسلمون، بل جاء الإسلام فوجد الجزية نظاما موجودا بين الناس، شأنه في ذلك شأن الرِّق، فهو من مخلفات العصور التي سبقته، وقيل: إن الجزية فارسية معرَّبة وأصلها (كزيت) ومعناها: الخراج الذي يستعان به على الحرب، وأطال العلامة شبلي النعماني المؤرخ الهندي في الاستدلال على ذلك في رسالة خاصة نشرت في مجلة (المنار)، ومما استأنس به في ذلك: أن التاريخ يثبت أن كسرى هو أول من وضع الجزية، فالجزية نظام فارسي، وليس مبتكرا من الإسلام.[9 ]
لقد كان عقد الذمة الذي يعقد قبل الإسلام يجعل الذمي في ذمة العاقد، أما الإسلام فجاء واحترم آدمية الناس، فجعل عقد الذمة في ذمة الله ورسوله، ليعلم كل من يخرق هذا العقد أو يعتدي على غير مسلم أنه اعتدى على حرمات الله ورسوله؛ ليجمع الإسلام على المعتدي المسلم بين عقاب الدنيا والآخرة.
كما أن ختم غير المسلمين في رقابهم بختم، أو تعليق قطعة نحاسية على صدورهم لتمييزهم، ليس من اختراع المسلمين أيضا، بل هي عادة قديمة ترجع إلى عصر الآشوريين الذين كانوا يعلقون في رقاب العبيد قطعة من الفخار أسطوانية مكتوبا عليها اسم العبد واسم سيده.[10]وكان اليهود في عهد التلمود يعلمون عبيدهم بالختم في الرقبة أو الثوب.[11 ]
ومع ذلك عندما نقل المسلمون هذه العادة، لم يقصدوا بها الإساءة، بل ميزوا بها من دفع الجزية ممن لم يدفع، حتى لا يعاقب من دفع بالخطأ، وكانت تعلق في رقبتهم علامة تسمى علامة البراءة. [12 ]
أي أن تمييز غير المسلم له أهداف، ومنها: تمييزه بعلامة حتى لا يظن أنه محارب، وهذا آمَنُ له، ولما عرف لم يشترط ذلك.
قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون):
قد يسلم القارئ بما مضى من أن الجزية اختراع غير إسلامي، ولكن يشوش عليه ورود نص في القرآن الكريم يدعو لأخذ الجزية من غير المسلم في صورة كلها مهانة ومذلة، وهو قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة: 29.
(فتفسير (اليد) في قوله: (عن يدٍ) بالقدرة، وفي نصوص القرآن واللغة ما يؤكد هذا المعنى، وقد رأيتهم في عهد خالد لصاحب قس الناطف قوله: "على كل ذي يد" أي قدرة.
وأما قوله: (وهم صاغرون) فيتحتم تفسير الصَّغار هنا بالخضوع لا بالذلة والمهانة، ومن معاني الصَّغَار في اللغة: الخضوع، ومنه أطلق (الصغير) على الطفل؛ لأنه يخضع لأبويه، ولمن هو أكبر منه، والمراد بالخضوع حينئذ: الخضوع لسلطان الدولة).[13 ]