رد: إنفلونزا ألكمامات
إننا علمنا السّبب الأخير، ولم نعلم السّبب الأوّل، علمنا لماذا أصيب آخرهم، ولم نعلم لماذا أصيب الأوّل؛ فاشتدّ عندنا الخوف من هذا الذي علمنا سببه، وزال الخوف من السّبب الأول الذي لم نعرفه.
وهنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم يقرّر قاعدة مهمة ويقول: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا نوء، ولا غُول، ولا صفر" رواه مسلم_المسند الصحيح.
إنه بحث طويل أعجز الأطبّاء في هذا النّظام الإيماني الكبير الذي وضعه العليم الخبير -جلّ جلاله وتبارك وتعالى-، إنه أقوى من نظم الحجر الصّحّي، وأقوى من نظم طب الأمراض الجلدية.. هذا ما أقرّوا به وقالوه.
إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم قال: ".. فرّ من المجذوم فرارك من الأسد" السلسلة الصحيحة. وقال صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم: "لا يوردن مُمْرِض على مُصِحّ" رواه البخاري_الجامع الصحيح. وهو القائل: "لا عدوى.." بل حديث: ".. فرارك من الأسد" جاء في أوله "لا عدوى، وفر من المجذوم.."
وقد يبدو للبعض بعض التعارض هنا، والعكس هو الصحيح، ولذا جاء الأمران في حديث واحد تكريسا للوحدة لا التعارض، والتّرجيح السّديد أنّ لا عدوى، وأنّها منفيّة.
والنّفي اختلف فيه وُجَهَاءُ أهل العلم، والخلاف وإن كان خلاف تضاد، ولكنه وقع بين المعتدّ بهم من أهل العلم.
منهم من قال هي منفيّة تمامًا.. منفيّة نفيًا محضًا.. منفيّة نفيًا مطلقًا.. منفيّة ولا وجود لها: "لا عدوى" وكلامهم في غاية الخطورة؛ لأنّ العدوى سيقت في الحديث بين التّخاريف:
".. ولا طيَرَة"
الطيرة مثلا أنّ يقول من رأى قطة سوداء: "لن أُجيب في هذا الامتحان بشكل جيّد"..
القلم الفلاني إذا لم يجب به بشكل جيّد، فلا يجيب به مرّة ثانية..
تشاؤم.. طيرة..
تخاريف..
".. ولا هامة"
الهامة: قالوا هي هامة تطير، لها صوت إذا رآها أحد ظنّ أنّه ميّت، كالذي يرى البومة، فيتشاءم منها.. أو الذي يسمع صوت طائر غريب بالليل؛ فيقول: "هي تنوح على فلان".. وإذا مات رجل، ولم يُؤخذ بثأره ظهر عفريته.. تخاريف..
".. ولا غول"
لا شيء اسمه الغول، لا شيء من ذلك يظهر في الليل..
تخاريف..
".. ولا صفر"
كانوا يقولون شهر صفر شهر الضُرّ والضرر، وكانوا لا يتاجرون في صفر، يرحل الحجّاج والعمّار؛ فتبيت مكّة والمدينة من غير تجارة؛ فتشاءموا من شهر صفر.
وقيل صفر -كما ذكر البخاري رحمه الله تعالى- داء بالبطن: كانوا يعتقدون أنّ دودة في البطن اسمها صفر، إذا جاع الإنسان ولم تجد الدّودة ما تأكله؛ هجمت على الكبد فأكلته، فأصابه الصفر..
تخاريف..
".. ولا نوء"
يقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، وقد قال رسول الله - صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم -: "فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" رواه مسلم_المسند الصحيح.
هذه كلّها تخاريف وضع رسول الله بينها العدوى.
وقد تقول لي: "فما بال الأطبّاء يقولون: الأمراض السّارية والأمراض غير السارية.. الأمراض التي تعتمد على الجراثيم والتي لا تعتمد على الجراثيم..؟"، وأسوقها لك ساطعة، فضعها على قلبك وطمئنْه بها، وامحُ بها كل هذه التخاريف: "فمن أعدى الأوّل؟"
إذن القول الأول في "لا عدوى" أنّ النّفي نفي مطلق.
وقال آخرون: هو نفي لقوّة السّبب.. يعني "لا يتمكّننّ الخوف من قلوبكم من العدوى لأنّها مجرد سبب" وهو قول أيضا قوي.
لماذا؟
أنت ترى اليوم أطبّاءَ ومشرفي وأخصّائي التّعقيم: أليسوا يصابون وهم العاملون في قسم التّعقيم؟ فكم من عمليّة أحكِم تعقيمها، ثمّ فسدت لأسباب التّلوّث.
إذن لا عدوى يعني: لا يتمكّننّ الخوف من قلبك أن تُعدى، فالداء في ذاته مجرد سبب.
والقول الأوّل -بلا شكّ- هو الأقوى، وهو الأرفق بقلوب المسلمين الذين لا يتحمّلون مخاوف أكثر من مخاوفهم.
وإن كان الأمر كذلك، فما بال رسول الله - صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم - ينهى عن ورود السّقيم على الصّحيح، ويقول -صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-: "فرّ من المجذوم"؟
قالوا: قد يكون لضعف السّامع، وليجدَ كلّ مؤمن من المؤمنين ما يناسبه في كلام رسول الله -صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-، لأنّ من القلوب من لا يتحمّل أن يقال له لا عدوى، وإن تحمّله على نفسه لا يتحمّله على أولاده؛ فأراحك رسول الله - صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم- فقال: فرّ منهم.. ألبس الكمامة.. تجنّبهم.. ولكن لا تهلعنّ، لا تُرعَبنّ، لا تخافنّ من غير الله، لن تموت بعمر ناقص، لن يصرف عنك من البلايا ما كان قد كُتب عليك: "رُفِعَت الأقلام، وجفّت الصّحف" إن كنت لابسًا الكمامة فالبسها، ولكن: لماذا ستلبسها؟ هل وقاية من العدوى؟
أبدًا، إنّ الكمامة لا تمنع العدوى، ولكنّها من المسكّنات وحسبُك الله. فافتح فمك، وقُل: حسبي الله.
(اللهمّ أنت حسبنا ونعم الوكيل يا رب، احفظنا بحفظك، واكلأنا بعينك)
إذن؛ فليحذر النّاس من الكمامة؛ فإنّها تُعظّم الخوف من غير الله.
يتبع.......
|