عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 27-11-2009, 09:33 PM
الصورة الرمزية أم عبد الله
أم عبد الله أم عبد الله غير متصل
مراقبة الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,882
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قصة ابن الخواجة

نعم .. قد يكون هذا التتابع في الأحداث بشيراً لي ..
بأن الله قد سمع لدعائي فاستجاب ..
فله الحمد في الأولى والآخرة ..
ثم استطرد يقول ..
إنني يا سيدي .. حين تمسكت بنفسي – بعد إسلامي- بالاسم ..
الذي كان قد اختاره والدي ..
وهو كما تعلم : عبده ..
تعلق رجائي بأن يمتد بي الأجل ..
حتى أكون كفؤاً لزوجة صالحة من بيت طيب ..
وأن أرزق منها مولوداً يكون أول أولادي ..
وأن أدعوه : عيــــــــــسى ..
وها قد تحقق الرجاء بفضل من الله ونعمة ..
وقاطعه الشيخ محتداً :
وأي فضل تريدني أن أراه فيما ذكرت ..؟
فارتفع صوت الطبيب الشاب في نبرة تشبه الغضب .. وقال :
يا سيدي .. صبراً .. فما أتممت الكلام بعد ..
وأنت ترى أن هذه الأمور التي وقعت .. لا تستوقف نظرك ..
ولا تثير فيك عجباً ..
أما أنا .. فقد رأيت هذه الأمور قبل أن تقع .. آمالاً ..
ترتفع يداي في كل لحظة بسببها إلى السماء بالدعاء ..
آمالاً .. سهرت من أجلها الليالي الحالكة ..
التي أحاطت بي لبضع سنوات مضت ..
وإن الله الذي أنعم علي بهذا كله ..
لأكرم من أن يرد ما بقي لي من رجاء عنده..
قال الشيخ : وما هذا الرجاء؟
قال الطبيب:
إنه إن شئت رجاء ..
وإنه إن شئت عهد وميثاق .. إذا نحن أمعنا النظر ..
فلقد كنت عاهدت ربي ..
إن هو رزقني بصبي .. لأحرصن على تنشئته تنشئة صالحة ..
ولأدعون له بطول العمر ..
وبالتوفيق إلى ما فيه رضا الله ..
وبأن يكون له في حياته ومن بعد مماته ..
أحسن الذكر على ألسنة العباد ..
ضاق الشيخ ذرعاً باستطراد هذا الطبيب الحدث في سرد أحلامه ..
فقاطعه قائلاً:
وأي والد لا يرجو لولده مثلما رجوت وأملت ..
وأية صلة بين هذا الرجاء .. وذلك الميثاق ..
وبين اختيار المسيح عيسى ابن مريم ليكون علماً على ولدك ليكون خيراً كما تقول ..
قال: يا عم ..
إنني لا أحصي ثناءً على ربي ..
ولا أقدر على حمده كفاء ما أنعم به علي ..
ولذلك جعلت من وجود هذا الولد ..
شهادة تنبض بالحياة ..
ما بقيت له الحياة ..
بأن (عيسى) .. (عبده) ..
وماهو بولده ..
وما هو بالإله .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ..
فكلما ذكر ولدي الذاكرون غائباً أو حاضراً ..
حياً أو ميتاً ..
كان ذكرهم هذا شهادة مني بين يدي الله عز وجل ..
بأن عيسى عبده ..
وما هو بولده ..
ولقد استجاب ربي لأول الدعاء ..
وهاهو الولد الصغير حقيقة ماثلة بين يدي ..
وشهادة مني بما آمنت به ..
وإن الذي أسبغ علي هذه النعمة الكبرى ..
لقادر على أن يمد في أجله ..
وأن يهديه سواء السبيل ..
حتى يكون أهلاً لهذه الشهادة ..
التي فرقت في حياتي بين ضلال كنت فيه ..
وهداية أرجو أن تزيد ..
ياعم ..
إن الغيب من ضنائن الرحمن ..
وإنا لاندري أيكون هذا الصبي صالحاً أم غير صالح ..
ولا ندري هل كتب له من العمر ما يطول .. أم كانت الأخرى ..
ولكنني أعلم من الله أنه ما خذلني ..
ولا أسلمني لأمر لا أحبه ..
منذ سرى في أطرافي هذا الشوق من الوضوء أول مرة ..
وأنا بعد صبي لا أميز بين عقيدة وأخرى ..
يا عم ..
إذا فرغت من الشهادة بتسمية عيسى التي أرجو أن تكون شفيعي عند الواحد الأحد ..
على نحو ما عاهدت ربي ..
فأي الأسماء بعد ذلك يتمم الشهادة ..
وهل هناك من اسم يذكر بعد شهادة ألا إله إلا الله .. سوى محمد رسول الله ..
لذلك فإني أرجو من الله أن يكون حفيدك الثاني ...
(محمد عبده) ..
ثم ضحك قائلاً :
إن زوجتي لولود .. وإن غداً لناظره لقريب ..
قال له الشيخ :
انصرف إلى عملك يا رعاك الله ..
وإنني عائد إلى حي السيدة زينب ..
والله يعلم بما أنا فيه ..
إنك تعيش في جو من الصفاء ..
لا تعيش فيه كثرة الناس ..
وإن أعمالك وأقوالك لا يفهمها .. إلا من أنار الله بصيرته ..
وحاط بدين الله من كل جوانبه ..
وما أقل هؤلاء في زماننا ..
لكنك يا عبده ..
قد أتعبتني منذ عرفتك ..
ولا إخالك إلا هكذا ما حييت ..
عفا الله عنك يا بني ..
ثم شد الشيخ على يد صهره مودعاً .. وهو يقول :
على إني لا أضيق بيوم التقينا فيه ..
ولا أتمنى الآن غير الذي جرت به المقادير ..
ثم انصرف ..
مرت الأيام ..
ورزق الله عبده ولده الثاني .. محمد ..
ولم يكن الخواجة إبراهيم قد رأى يوماً أشد عليه من يوم الأحد ..
الذي أعلنت فيه الكنيسة خروج عبده عن حظيرتها ..
وقرر فيه رجال الكنيسة طرد ولده الأكبر من رحمة يسوع ..
وبقيت صورته حاضرة أمام ناظريه ..
وهو يهرول مسرعاً إلى خارج الدار ..
والجميع يلاحقونه باللعنات والتهديدات ..
حتى جاءه الخبر بأن ولده عبده ..
قد سمى ولده الثاني محمد ..
فكانت القاضية على ما كان بقي عنده من أمل ورجاء ..
وفي يوم من الأيام .. عام 1909 ..
والأسرة الصغيرة في حياتها الوادعة ..
على مقربة من السجن ..
والوقت بعد الظهيرة ..
والحر قائظ ..
والطبيب قد أنهى عمله .. وعاد إلى داره ..
وإذا بواحد من مساعديه .. يصعد الدرج مسرعاً ..
ويقترب منه ..
ويهمس في أذنه كلاماً ..
وبدا على وجه الطبيب أنه لا يصدق ما سمع ..
(20)
في يوم من الأيام .. عام 1909 ..
والأسرة الصغيرة في حياتها الوادعة ..
على مقربة من السجن ..
والوقت بعد الظهيرة ..
والحر قائظ ..
والطبيب قد أنهى عمله .. وعاد إلى داره ..
وإذا بواحد من مساعديه .. يصعد الدرج مسرعاً ..
ويقترب منه ..
ويهمس في أذنه كلاماً ..
وبدا على وجه الطبيب أنه لا يصدق ما سمع ..
ورفع الطبيب صوته قائلاً:
وأين هو الآن .. ؟
قال إنه يقف بباب الدار ,,
ونزل الطبيب الشاب مسرعاً من فوره ..
وعاد ومعه ضيف من القاهرة ..
كان هذا الضيف هو الخواجة إبراهيم .. والد الطبيب ..
وقد وصل فجأة .. بعد قطيعة تامة ومتصلة ..
منذ كان ولده في فترة الامتياز بالقصر العيني ..
فانسحبت الزوجة والمربية والطفلان إلى داخل الدار ..
وبقي الطبيب وولده .. لا يجدان عندهما ما يقال ..
بعد أن كانا قد تبادلا التحية والمجاملة في اقتضاب ..
قال الطبيب:
كيف أنت يا أبي .. وكيف حال أمي وإخوتي ..
وإذ هم الوالد بالجواب .. احتبست الألفاظ في صدره ..
واعتمر رأسه بين يديه لحظة ..
ثم انهارت بقية المقاومة .. التي كان يعانيها منذ وقت طويل مضى ..
فانفجر ينتحب كالثاكلات ..
ولم يحاول ابنه أن يمنعه ..
بل تركه برهة .. وأخلى له المكان حتى يفرج عن نفسه وهمومه ..
وأقبل عليه حين عاوده الهدوء ..
وقال ماذا بك يا أبي ..
وكيف أمي وإخوتي ..
قال:
إنهم بخير نحمد الرب ..
ولكن أباك هو الذي على حافة الهاوية ..
قال: هون عليك وأشركني فيما يؤودك حمله ..
لعلي أكون في عونك ..
قال: لهذا جئت إليك ..
ولا أخفي عنك أنني ما سعيت إليك ..
إلا بعد أن انسدت الدنيا كلها في وجهي ..
وكادت الفضيحة أن تحطم حياتي ..
ثم سكت لحظة .. عاد بعدها يقول .. وقد تهدج صوته من جديد ..
يا عبده ..
إن البيت الذي ولدت فيه ونشأت ...
حتى أتممت معظم دراسة الطب ..
هذا البيت الذي يؤوينا ويتسع لأسرتنا كلها ..
سيباع في غد بأبخس الأثمان ..
أمام دائرة البيوع بالمحكمة ..
وفاء لدين كان للبنك صغيراً ..
ولكن الفوائض ضاعفته ولله الأمر ..
وأختك يا عبده .. أختك ماريبوه .. ابنتي الكبرى ..
سيكون زواجها بعد أسبوع واحد ..
ولا أعلم كيف أواري فضيحتي المالية ..
وطردي من بيتي عن أصهاري الذين يحسنون بي الظن ..
ومن أجل ذلك جاءوا للمصاهرة ..
وأي مصير سيواجه شقيقاتك الأخريات ..
إذا ما خاب زواج الأولى بسبب إعلان إفلاسي ..
وأظلمت الدنيا في وجهه .. وخارت قواه ..
فعاد يبكي وينتحب .. في مرارة شديدة ..
وسأله ابنه: كم تبلغ القيمة ..
قال: ثمانمائة جنيه ..
والبيت كما تعلم يساوي أضعاف هذه القيمة ..
ولكن جو البيع يسوده ألوان من المناورات والاحتكار البشع ..
وإن موظفي البنك أنفسهم يحيطون هذه البيوع بإجراءات جهنمية ..
تضمن لهم تسيير البيوع على هواهم ..
قال الطبيب: إن هذا لعجيب ..
أو ليست المحاكم تقوم من اجل العدل ..
قال أبوه :
يا بني .. إنك تعيش في برجك العادي بعيداً عما يدور في الأسواق من ظلم وفساد ..
إن الدين يا بني يكفي للإطاحة بثروة كبيرة ..
وبخاصة إذا مال الأمر لدائرة البيوع ..
ومن حوله زبانية يتسمعون الأخبار .. و يتحايلون على كل واحد في المزاد حتى ينسحب ..
قال الطبيب :
لماذا لا ندفع جزءاً من الدين .. ثم نفكر كيف نتدبر أمر التصفية الشاملة ..
قال الوالد :
يا بني يا عبده ..
قلت لك أن هذا كله قد فات أوانه ..
إنني أواجه حكماً بنزع الملكية وفاءً لدين مقداره كذا وكذا ..
عفواً يا بني ..
لقد أفسدت عليك وقت الراحة ..
والجو شديد الحرارة ..
ولكن العذر واضح لك ..
ولي معك كلمة أخيرة ..
أقولها وأنا واثق من أن جميع إخوتك ..
يؤيدونها راضين ..
وأنت يا عبده أولى من الغريب ..
فتعال معي في جلسة البيوع .. واشتر أنت البيت .. قبل جلسة المزاد ..
لقاء دفع قيمة الحكم كاملة ..
فلا يضع الغريب يده على دارنا ..
ويسيء إلى أبيك وسائر أفراد أسرتك ..
وأنت لن تلقي بأهلك إلى الطريق ..
إن قصروا في دفع الإيجار ..
قال الطبيب : لا عليك ..
اصبر يا والدي .. وائذن لي بتركك برهة صغيرة ..
ودخل إلى حجرته الخاصة ..
ثم عاد يحمل شيئاً في يده ..
ودفعه إلى أبيه .. وقال هذه ثمانمائة جنيه ذهباً ..
هي لك يا أبي فتصرف فيها كيف تشاء ..
دهش الوالد من هذا التحول من الجدال إلى الفعل الناجز ..
وسأل في تكرار ..
والدار؟ متى تحضر لإكمال اجراءات نقل ملكيتها إليك؟
قال: لا حاجة لي بها ..
إلا أن تبقى داراً لك انت ..
أنت والد الجميع .. ومن مركزك في الظاهر وفي الجمالية ..
تستمد الأسرة كلها تقدير الناس ..
وإني ليسرني ان تبقى محل ثقة الناس واحترامهم ..
وضع الوالد كيس المال بجواره على الأريكة ..
وأطرق وهو يقلب عصاه بين يديه ..
ويقول في صوت خافت تتجاوب فيه أصداء من الشعور بالخجل والصغار:
ماذا صنعت بك وأنا قادر عليك ..
وماذا صنعت معي وأنت قادر علي ..
وتساقط الدمع من عينيه في صمت ذليل ..
حتى رق له قلب ولده فبكى لبكائه ..
وانصرف الخواجة إبراهيم بالمال ..
ونجا من ضائقة كادت تعصف به ..
وعاد الطبيب إلى داره بعد فترة قصيرة ..
قضاها في وداع أبيه إلى أن تحرك القطار ..
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 51.16 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.21%)]