نعم .. قد يكون هذا التتابع في الأحداث بشيراً لي ..
بأن الله قد سمع لدعائي فاستجاب ..
فله الحمد في الأولى والآخرة ..
إنني يا سيدي .. حين تمسكت بنفسي – بعد إسلامي- بالاسم ..
الذي كان قد اختاره والدي ..
تعلق رجائي بأن يمتد بي الأجل ..
حتى أكون كفؤاً لزوجة صالحة من بيت طيب ..
وأن أرزق منها مولوداً يكون أول أولادي ..
وأن أدعوه : عيــــــــــسى ..
وها قد تحقق الرجاء بفضل من الله ونعمة ..
وأي فضل تريدني أن أراه فيما ذكرت ..؟
فارتفع صوت الطبيب الشاب في نبرة تشبه الغضب .. وقال :
يا سيدي .. صبراً .. فما أتممت الكلام بعد ..
وأنت ترى أن هذه الأمور التي وقعت .. لا تستوقف نظرك ..
أما أنا .. فقد رأيت هذه الأمور قبل أن تقع .. آمالاً ..
ترتفع يداي في كل لحظة بسببها إلى السماء بالدعاء ..
آمالاً .. سهرت من أجلها الليالي الحالكة ..
التي أحاطت بي لبضع سنوات مضت ..
وإن الله الذي أنعم علي بهذا كله ..
لأكرم من أن يرد ما بقي لي من رجاء عنده..
قال الشيخ : وما هذا الرجاء؟
وإنه إن شئت عهد وميثاق .. إذا نحن أمعنا النظر ..
إن هو رزقني بصبي .. لأحرصن على تنشئته تنشئة صالحة ..
وبالتوفيق إلى ما فيه رضا الله ..
وبأن يكون له في حياته ومن بعد مماته ..
أحسن الذكر على ألسنة العباد ..
ضاق الشيخ ذرعاً باستطراد هذا الطبيب الحدث في سرد أحلامه ..
وأي والد لا يرجو لولده مثلما رجوت وأملت ..
وأية صلة بين هذا الرجاء .. وذلك الميثاق ..
وبين اختيار المسيح عيسى ابن مريم ليكون علماً على ولدك ليكون خيراً كما تقول ..
إنني لا أحصي ثناءً على ربي ..
ولا أقدر على حمده كفاء ما أنعم به علي ..
ولذلك جعلت من وجود هذا الولد ..
وما هو بالإله .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ..
فكلما ذكر ولدي الذاكرون غائباً أو حاضراً ..
كان ذكرهم هذا شهادة مني بين يدي الله عز وجل ..
ولقد استجاب ربي لأول الدعاء ..
وهاهو الولد الصغير حقيقة ماثلة بين يدي ..
وشهادة مني بما آمنت به ..
وإن الذي أسبغ علي هذه النعمة الكبرى ..
لقادر على أن يمد في أجله ..
حتى يكون أهلاً لهذه الشهادة ..
التي فرقت في حياتي بين ضلال كنت فيه ..
إن الغيب من ضنائن الرحمن ..
وإنا لاندري أيكون هذا الصبي صالحاً أم غير صالح ..
ولا ندري هل كتب له من العمر ما يطول .. أم كانت الأخرى ..
ولكنني أعلم من الله أنه ما خذلني ..
ولا أسلمني لأمر لا أحبه ..
منذ سرى في أطرافي هذا الشوق من الوضوء أول مرة ..
وأنا بعد صبي لا أميز بين عقيدة وأخرى ..
إذا فرغت من الشهادة بتسمية عيسى التي أرجو أن تكون شفيعي عند الواحد الأحد ..
فأي الأسماء بعد ذلك يتمم الشهادة ..
وهل هناك من اسم يذكر بعد شهادة ألا إله إلا الله .. سوى محمد رسول الله ..
لذلك فإني أرجو من الله أن يكون حفيدك الثاني ...
إن زوجتي لولود .. وإن غداً لناظره لقريب ..
انصرف إلى عملك يا رعاك الله ..
وإنني عائد إلى حي السيدة زينب ..
والله يعلم بما أنا فيه ..
إنك تعيش في جو من الصفاء ..
لا تعيش فيه كثرة الناس ..
وإن أعمالك وأقوالك لا يفهمها .. إلا من أنار الله بصيرته ..
وحاط بدين الله من كل جوانبه ..
وما أقل هؤلاء في زماننا ..
ولا إخالك إلا هكذا ما حييت ..
ثم شد الشيخ على يد صهره مودعاً .. وهو يقول :
على إني لا أضيق بيوم التقينا فيه ..
ولا أتمنى الآن غير الذي جرت به المقادير ..
ورزق الله عبده ولده الثاني .. محمد ..
ولم يكن الخواجة إبراهيم قد رأى يوماً أشد عليه من يوم الأحد ..
الذي أعلنت فيه الكنيسة خروج عبده عن حظيرتها ..
وقرر فيه رجال الكنيسة طرد ولده الأكبر من رحمة يسوع ..
وبقيت صورته حاضرة أمام ناظريه ..
وهو يهرول مسرعاً إلى خارج الدار ..
والجميع يلاحقونه باللعنات والتهديدات ..
حتى جاءه الخبر بأن ولده عبده ..
قد سمى ولده الثاني محمد ..
فكانت القاضية على ما كان بقي عنده من أمل ورجاء ..
وفي يوم من الأيام .. عام 1909 ..
والأسرة الصغيرة في حياتها الوادعة ..
والطبيب قد أنهى عمله .. وعاد إلى داره ..
وإذا بواحد من مساعديه .. يصعد الدرج مسرعاً ..
وبدا على وجه الطبيب أنه لا يصدق ما سمع ..
في يوم من الأيام .. عام 1909 ..
والأسرة الصغيرة في حياتها الوادعة ..
والطبيب قد أنهى عمله .. وعاد إلى داره ..
وإذا بواحد من مساعديه .. يصعد الدرج مسرعاً ..
وبدا على وجه الطبيب أنه لا يصدق ما سمع ..
قال إنه يقف بباب الدار ,,
ونزل الطبيب الشاب مسرعاً من فوره ..
وعاد ومعه ضيف من القاهرة ..
كان هذا الضيف هو الخواجة إبراهيم .. والد الطبيب ..
وقد وصل فجأة .. بعد قطيعة تامة ومتصلة ..
منذ كان ولده في فترة الامتياز بالقصر العيني ..
فانسحبت الزوجة والمربية والطفلان إلى داخل الدار ..
وبقي الطبيب وولده .. لا يجدان عندهما ما يقال ..
بعد أن كانا قد تبادلا التحية والمجاملة في اقتضاب ..
كيف أنت يا أبي .. وكيف حال أمي وإخوتي ..
وإذ هم الوالد بالجواب .. احتبست الألفاظ في صدره ..
واعتمر رأسه بين يديه لحظة ..
ثم انهارت بقية المقاومة .. التي كان يعانيها منذ وقت طويل مضى ..
فانفجر ينتحب كالثاكلات ..
ولم يحاول ابنه أن يمنعه ..
بل تركه برهة .. وأخلى له المكان حتى يفرج عن نفسه وهمومه ..
وأقبل عليه حين عاوده الهدوء ..
ولكن أباك هو الذي على حافة الهاوية ..
قال: هون عليك وأشركني فيما يؤودك حمله ..
ولا أخفي عنك أنني ما سعيت إليك ..
إلا بعد أن انسدت الدنيا كلها في وجهي ..
وكادت الفضيحة أن تحطم حياتي ..
ثم سكت لحظة .. عاد بعدها يقول .. وقد تهدج صوته من جديد ..
إن البيت الذي ولدت فيه ونشأت ...
حتى أتممت معظم دراسة الطب ..
هذا البيت الذي يؤوينا ويتسع لأسرتنا كلها ..
سيباع في غد بأبخس الأثمان ..
أمام دائرة البيوع بالمحكمة ..
وفاء لدين كان للبنك صغيراً ..
ولكن الفوائض ضاعفته ولله الأمر ..
وأختك يا عبده .. أختك ماريبوه .. ابنتي الكبرى ..
سيكون زواجها بعد أسبوع واحد ..
ولا أعلم كيف أواري فضيحتي المالية ..
وطردي من بيتي عن أصهاري الذين يحسنون بي الظن ..
ومن أجل ذلك جاءوا للمصاهرة ..
وأي مصير سيواجه شقيقاتك الأخريات ..
إذا ما خاب زواج الأولى بسبب إعلان إفلاسي ..
وأظلمت الدنيا في وجهه .. وخارت قواه ..
فعاد يبكي وينتحب .. في مرارة شديدة ..
وسأله ابنه: كم تبلغ القيمة ..
والبيت كما تعلم يساوي أضعاف هذه القيمة ..
ولكن جو البيع يسوده ألوان من المناورات والاحتكار البشع ..
وإن موظفي البنك أنفسهم يحيطون هذه البيوع بإجراءات جهنمية ..
تضمن لهم تسيير البيوع على هواهم ..
قال الطبيب: إن هذا لعجيب ..
أو ليست المحاكم تقوم من اجل العدل ..
يا بني .. إنك تعيش في برجك العادي بعيداً عما يدور في الأسواق من ظلم وفساد ..
إن الدين يا بني يكفي للإطاحة بثروة كبيرة ..
وبخاصة إذا مال الأمر لدائرة البيوع ..
ومن حوله زبانية يتسمعون الأخبار .. و يتحايلون على كل واحد في المزاد حتى ينسحب ..
لماذا لا ندفع جزءاً من الدين .. ثم نفكر كيف نتدبر أمر التصفية الشاملة ..
قلت لك أن هذا كله قد فات أوانه ..
إنني أواجه حكماً بنزع الملكية وفاءً لدين مقداره كذا وكذا ..
لقد أفسدت عليك وقت الراحة ..
أقولها وأنا واثق من أن جميع إخوتك ..
وأنت يا عبده أولى من الغريب ..
فتعال معي في جلسة البيوع .. واشتر أنت البيت .. قبل جلسة المزاد ..
لقاء دفع قيمة الحكم كاملة ..
فلا يضع الغريب يده على دارنا ..
ويسيء إلى أبيك وسائر أفراد أسرتك ..
وأنت لن تلقي بأهلك إلى الطريق ..
إن قصروا في دفع الإيجار ..
اصبر يا والدي .. وائذن لي بتركك برهة صغيرة ..
ثم عاد يحمل شيئاً في يده ..
ودفعه إلى أبيه .. وقال هذه ثمانمائة جنيه ذهباً ..
هي لك يا أبي فتصرف فيها كيف تشاء ..
دهش الوالد من هذا التحول من الجدال إلى الفعل الناجز ..
والدار؟ متى تحضر لإكمال اجراءات نقل ملكيتها إليك؟
إلا أن تبقى داراً لك انت ..
أنت والد الجميع .. ومن مركزك في الظاهر وفي الجمالية ..
تستمد الأسرة كلها تقدير الناس ..
وإني ليسرني ان تبقى محل ثقة الناس واحترامهم ..
وضع الوالد كيس المال بجواره على الأريكة ..
وأطرق وهو يقلب عصاه بين يديه ..
ويقول في صوت خافت تتجاوب فيه أصداء من الشعور بالخجل والصغار:
ماذا صنعت بك وأنا قادر عليك ..
وماذا صنعت معي وأنت قادر علي ..
وتساقط الدمع من عينيه في صمت ذليل ..
حتى رق له قلب ولده فبكى لبكائه ..
وانصرف الخواجة إبراهيم بالمال ..
ونجا من ضائقة كادت تعصف به ..
وعاد الطبيب إلى داره بعد فترة قصيرة ..
قضاها في وداع أبيه إلى أن تحرك القطار ..