عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-11-2009, 03:27 AM
الصورة الرمزية أبو الشيماء
أبو الشيماء أبو الشيماء غير متصل
مراقب الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مكان الإقامة: أينما شاء الله
الجنس :
المشاركات: 6,415
الدولة : Morocco
افتراضي رد: التطاول على العلماء بين التحذير و التخدير.

الضابط الخامس: وهو يتعلق بمسألة الطعن والسب.
كثير من الناس مجرد أن يسمعوا من مسلم ـ وبخاصة إن كان داعية أو من أهل العلم ـ كلمة سبٍّ أو طعن أو لعنٍ .. سرعان ما يُنكرون عليه صنيعه .. ويشنعون عليه أشد التشنيع .. وأن فعله هذا لا يليق به ..... فهل هذا المنطق صحيح ؟؟
نعم صحيح من منظور مساحتين:
أ- المساحة المحظورة المتفق عليها التي لا يجوز الاقتراب منها، وتكمن في النقطتين التاليتين:
1 لعن وسبّ من لا يجوز لعنه وسبه شرعاً .. وهذه مساحة واسعة جداً لا يجوز الاقتراب منها، ومن يفعل ويتجرأ فهو ظالم لنفسه ولغيره ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إذا خرجت اللعنة من فِي صاحبها نظرت، فإن وجدت مسلكاً في الذي وُجهت إليه، وإلا عادت إلى الذي خرجت منه. (أخرجه أحمد وغيره، السلسلة الصحيحة:1269).
2 : أن لا يكون السب واللعن ديدن المسلم وعادته؛ أي كثير اللعن والطعن، ولأتفه الأسباب تراه يطعن ويلعن .. فهذا لا يليق بأخلاق المسلم،وفي صحيح البخاري، عن أنس رضي الله عنه قال:" لم يكن رسول الله عليه السلام فاحشاً، ولا لعَّاناً، ولا سبَّاباً، كان يقول عند المعتبة: مالَه تَرِبَ جبينُه ".

-ب -المساحة المباحة التي يجوز فيها الطعن، والسبُّ، واللعن:

أقول: يجوز الطعن، والسبُّ، واللعن بضوابط أربعة:
أولاً: أن يكون المطعون والملعون ممن أجاز الشارع لعنه والطعن به.
ثانياً: أن يكون الطعن والسب واللعن مبعثه الغضب لحرمات الله تعالى.
ثالثاً: أن يكون الطعن واللعن والسب سبباً معيناً على زجر المطعون والملعون من الاسترسال في غيه وظلمه، وفجوره.
رابعاً: أن لا يؤدي سب ولعن من يجوز سبه ولعنه إلى أن يسب الآخرُ اللهَ أو دينَه أو رسولَه، لقوله تعالى:) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنعام. فالله تعالى نهى عن سبهم لعلة وليس لذات السبِّ، وهي ) فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ( فإن انتفت هذه العلة، وأُمن عدم وقوعها .. جاز سبهم والطعن بهم.
وإليك بعض الأدلة على ذلك:
ما أخرجه البخاري في صحيحه عن صلح الحديبية، وفيه أن عروة بن مسعود موفد للنبي عليه السلاملمفاوضته، يقول للنبي عليه الصلاة و السلام: فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:" امصص ببظر اللات، أنحنُ نفر عنه وندَعه ..؟! يقول أبو بكر ذلك ـ وهو سب صريح ولاذغ ـ في حضرة النبي الكريم ومع ذلك لا ينكر عليه؛ لأنه قال ما قاله غضباً لله ودفاعاً عن رسوله صلى الله عليه و سلم.. وفي موطن يُستحسن أن يشعر الكفار بسوء ظنهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد أمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كلّ من رأى من يتفاخر ويتماجد ويتعصّب لقومه بالباطل أن يقول له دون لفّ أو دوران وبكلّ وضوح:" إذا رأيتم الرّجل يتعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بِهَنِ أبيه ولا تكنوا" أخرجه أحمد والترمذي، صحيح الجامع: 1787 فقوله صلى الله عليه وآله وسلّم: " عضّ إير أبيك أي فرجه ، قال ابن الأثير في " النهاية ": التّعزّي الانتماء والانتساب إلى القوم . " فأعضوا بهن أبيه " أي قولوا عضَّ إير أبيك .


احذر يا عبد الله أن تتكلف الأدب والوقار و الحشمة وتقول: من العيب أن نقول للآخرين ذلك .. فأنت بذلك تنسب العيب للنبي عليه الصلاة و السلام.. فتكفر!


ندخل إلى قضية أخرى:


يقول قائل: هل اللعن العام يستلزم دائماً لعن المعين الذي يقع بما يستدعي اللعن .. أم أن هناك موانع تمنع من لعن المعين رغم إتيانه لفعلٍ يستوجب اللعن؟؟؟


أقول: لا يمكن أن نعطل النصوص الشرعية .. ونجعل اللعن دائماً لعناً عاماً لا يمكن أن يتنزل على أصحابه ومستحقيه .. فهذا بخلاف السنة كما تقدم.. كما لا يصح أن نحمل اللعن العام على الأشخاص بأعيانهم مطلقاً ودائماً من دون النظر في الشروط والموانع، والتي يمكن تلخيصها فيما يالي:
-1 أن يكون اللعن في موضع قد أجاز الشارع لعنه.
2-- أن لا يكون من وقع في الفعل الذي يستوجب اللعن .. متأولاً أو جاهلاً لا يقدر أن يدفع عن نفسه الجهل فيما قد خالف فيه مما يستدعي اللعن. كالأعرابي الذي بال في مسجد الرسول.
-3 مما يمنع اللعن كذلك عن المعين أن يكون هذا المعين ممن وقع فيما يستوجب اللعن ـ من ذوي الحسنات الكثيرة، وله سابقة بلاء وجهاد في سبيل الله .. فالحسنات ـ في كثير من الأحيان ـ كلما تعاظمت كلما تشفعت لصاحبها عند موارد الشبهات وحصول الزلل والوقوع في الخطأ، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة عندما راسل كفار قريش يخبرهم فيها عن توجه النبي الكريم لغزو مكة .. فقد تذكر له النبي الكريم مشاهدته لموقعة بدر العظيمة، فقال:" إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لك.
-4- أن يكون الفعل الذي يستوجب اللعن صفة لازمة للفاعل .. يستعلن به ويُباهي .. ولا يستحي من سوء وقبح صنيعه .. فهذا الذي يستحق اللعن .. وليس من تصدر عنه المخالفة على وجه الندرة مع الاستحياء من فعله .. وسرعة المبادرة إلى الاستغفار والتوبة.
في الحديث الصحيح: منستر مسلما سترهالله يوم القيامة "البخاري.-
ومثلهما كمثل الذي يريد أن يقضي حاجته فيذهب بعيدا عن الناس و.. وهو يتحرج أشد الحرج من أن يراه أحد.والآخر يقضي حاجته على وجه العادة والتكرار في وسط الطريق مع علمه المسبق أن الناس سيمرون به، ويرونه ويتأذون به .. ومع ذلك فهو لا يبالي .. فالأول يجب ستره، ولا يجوز لعنه .. بخلاف الثاني فإنه يجوز لعنه.

الضابط السادس: من يتتبع سيرة بعض الصحابة، ومن تبعهم من بعض أهل العلم ، يجد أحياناً أن لهم بعض الملاسنات والاطلاقات الشديدة بحق بعضهم البعض.. .. قد تكون لحكمة نعرفها أولا نعرفها، أو لعلة ومآرب في نفوسهم نعرفها أو لا نعرفها.. هذه الملاسنات التي تحصل بينهم .. لا تمنعك يا عبد الله يا مسلم من احترامهم وإكرامهم كما لا تبرر لك عدم احترامهم .. فإن سلَّمنا أن هذا الذي يحصل بينهم خطأ .. فخطأ الآخرين لا يبرر لك فعل الخطأ.
.. قد تكون لما يعلمه هذا العالم عن العالم الآخر من مزالق، وانحرافات، أو بدع، أو تقصير ونحو ذلك .. هو يعلمها ونحن لا نعلمها .. تستدعي وتبرر له شرعاً ـ من قبيل تحذير العامة من أخطائه وانحرافاته وإنصاف الحق ـ مثل هذه الاطلاقات الشديدة بحق ذلك العالم.
قد تكون من قبيل التذكير أو النصح والزجر للعالم الآخر الذي وقع في التقصير أو المخالفة، وهذا يقع أحياناً، وبخاصة من جهة الفاضل نحو المفضول.
وهاهو العالم المجاهد الزاهد عبد الله بن المبارك يقول لابن علية وهو من كبار أهل العلم، لما رضي الآخر لنفسه أن يتولى القضاء عند هارون الرشيد، وقيل صدقات البصرة:

يا جاعلَ العلمِ له بازياً ... يصطادُ أموالَ المساكينِ.
احتـلتَ للـدُّنيا ولذَّاتها ... بحيـلةٍ تذهبُ بالـدينِ
فصرتَ مجنوناً بها بعـدَ ما ... كـنتَ دواءَ المجانـينِ
أين رواياتُك فيما مضى ... عن ابن عونٍ وابن سيرينِ
أين رواياتُك في سردِها ... في تركِ أبوابِ السـلاطينِ
إن قلتَ أُكرهتَ فذا باطلٌ ... زلَّ حمارُ العلمِ في الطينِ.
فلما وقف على هذه الأبيات قام من مجلس القضاء فوطئ بساط الرشيد، وقال: الله، الله، ارحم شيبتي فإني لا أصبر على القضاء.

الشاهد أن مثل هذه الشدة والملاسنة قد تحصل بين أهل العلم ..الفضلاء الأتقياء.. فلا ينبغي أن نضخم الأمور ونثير الشغب عصبية لطرف على طرف، أو لعالم على عالم .. فإن أدركنا الحكمة منها يكون ذلك خيراً .. وإن لم ندرك الحكمة منها .. وقصرت أفهامنا عن إدراك المراد منها .. فالواجب حينئذٍ يحتم علينا أن نحسن الظن بالجميع.


وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..


(بمساعدة مجموعة من المراجع لمجموعة من العلماء).


في حفظ الله.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.59 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (2.08%)]