ملامح من أخلاقه صلى الله عليه وسلم:
ولما قرب وقت إنزال الوحي عليه بدا بالرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فكان يخلوا في غار حراء و يتزود لذلك، وجاءه الحق وهو بغار حراء ونزل عليه أول ما نزل قوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) العلق:1. ثم بعد ذلك فتر الوحي مدة ثم نزل عليه بعد ذلك أول سورة المدثر، فامتثل ما أمر به فقام بالدعوة إلى الله بعد الوحي، فكان ينذر الناس ويدعوهم ولكن لا يشدد عليهم حتى لا ينفروا من دعوته، فمن ذلك أنه رقى مرة على الصفا ورفع صوته بقوله: "وا صباحاه" وجاء عنده أهل مكة وحظروا عنده فضرب لهم مثلا قال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الجبل تصبحكم أو تمسيكم أكنتم مصدقي" قالوا: "ما جربنا عليك كذبا"فقال لهم : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" هذا من أسلوبه الحسن يدعو به الناس
كذلك في موضع آخر قال لهم: "إنما أريد منكم كلمة تملكون بها العرب وتدينون بها العجم" قالوا: "نعطيكها وعشرا" فقال: "قولوا لا اله إلى الله" فثقلت عليهم وقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً)ص:5، فهذا أيضا من خلقه وتعامله معهم لأجل أن يقبلوا دعوته بضرب هذه الأمثال
ثم كان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في الموسم على القبائل، ففي السنن أنه كان يعرض نفسه على كل قبيلة من قبائل العرب الذين كانوا يتوافدون في موسم الحج ويقول: "من يجيرني حتى أبلغ كلام ربي" يعني القران، وكان يمشي عليهم ويدعوهم إلى التوحيد يدعوهم إلى كلمة التوحيد، ولكن كان ممن عارضه عمه أبو لهب لعنه الله، فكان يحذر الناس منه، ولكن من ركن إلى قوله واطمأن إليه عرف صحة ما يدعو إليه، هكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم وتعامله مع الناس
وعندما كان أهل مكة يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، كان يقول لهم إذا قالوا: لبيك لا شريك لك، يقول: "قعد قعد" أي قفوا هاهنا فإن هذا هو الصحيح فإن الله لا شريك له فلا تزيدوا عليها فتفسدوا توحيدكم، فلا يستجيبون له إلا من هداه الله ويعرفون أن ما قاله صحيح وذلك لأنهم يقرون أن الله تعالى هو الخالق الرازق كما في قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)61العنكبوت.ولكنهم يدعون أن آلهتهم التي يدعونها تنفعهم وتشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى فيدعوهم بالتي هي أحسن، فقد كان يعرض دعوته بلطف ولين على بعض الأفراد يعمل بقول الله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل:125. فيعرض عليهم الدعوة بهذا الأسلوب ولا شك انه مؤثر وقد تكلم العلماء على هذه الآية وبينوا الحكمة والموعظة والمجادلة وتوسعوا في ذلك ولنا رسالة في الدعوة إلى الله تعالى مطبوعة في أساليب الدعوة
واستجاب لدعوته أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وكان قد صحبه واطلع على صحة نبوته واطلع على أخلاقه ورأى بعض الآيات والمعجزات التي حصلت له، فعند ذلك استجاب له وصدقه ونزل في ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِه) الزمر:33 الذي صدق به هو أبو بكر، وكان أبو بكر رضي الله عنه له أيضا أسلوب حسن فكان يدعو بعض الصحابة الذين يعرف قربهم من التقبل، فأسلم بدعوته الكثير من الصحابة هكذا كان أسلوبه وكان هؤلاء الذين استجابوا لدعوته وقبلوا منه، وكانوا بعد ذلك مساعدين له بالدعوة
ومع ذلك كان يعامل المشركين بالمعاملة الحسنة خصوصا إذا كان لهم قرابة، كأبي طالب حيث كان يحرص على إسلامه ويدعوه ويبين له، ولما حضرته الوفاة عرض عليه الشهادة وقال: "قل لا اله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" ولكن كان عنده جلساء سوء صرفوه عن قبولها وقالوا: "أترغب عن ملة عبدالمطلب" فكان آخر ما قاله: هو على ملة عبد الطلب ونزل قوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ 56 ا لقصص: وكان التزم أن يستغفر له حتى نهاه الله بقوله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى) التوبة:113.
يتبع