2- العدل:
إنَّ البشرية ترنو دائما "إلى إيجاد قوانين تتَّصف بالعدل، وتنفي الظلم والجور، وكم يكون مصاب البشر أليمًا عندما يجدون القوانين التي يرجونها لإقرار العدل والإنصاف تقنِّن الظلم، بحيث يكون هو النظام الذي يحكم في رقاب العباد!
إنَّنا لا نريد بالعدل تطبيق القاعدة القانونية؛ فجور القاضي وظلم الحاكم في الحكم بخلاف القانون ليس هو المراد هنا، بل المراد هو اتصاف القانون بالعدل.
إن الذين يضعون القوانين البشرية لا يمكنهم أن ينسلخوا من طبائعهم البشرية؛ ولذلك نراهم يميلون بالقوانين تجاه الفئة الحاكمة، فتعطى من المصالح والمنافع ما لا يعطى غيرها، وهي في هذه الحالة تقرِّر الظلم وهي تعلم بذلك، وفي بعض الأحيان تضع القوانين الظالمة بسبب جهلها بالعدل الذي يجب أن تقنَّن، فواضِعُو القوانين البشرية بشرٌ فيهم ظُلْم وجهالة، وبسبب ذلك يقرِّرون كثيرًا من القواعد القانونية التي تتَّصف بالظُّلم"[2].
أمَّا سنن الله وناموسه الكوني وقانونه العادل، فليس من وضع البشر؛ بل هي سننٌ بيَّنها الله في كتابه الحكيم، والله يتَّصف بالعدل التامِّ: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وكذلك سننه؛ فالسنن مصطبغةٌ بالعدل اصطباغًا تامًّا، فلا تميل تلك السنن إلى جانبٍ ضدَّ جانب، بل هي عامَّةٌ وشاملة ومطَّرِدَة، ولا تحابي أحدًا، حاكمًا كان أم محكومًا، مؤمنًا أم كافرًا، رجلاً أم امرأةً، الكلُّ سواسية في ميزانها ومنظارها؛ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]؛ فسنن الله وقوانينه عدل كلها وإنصاف للجميع، تضع كل شيء في موضعه؛ {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115]، قال الإمام قتادة - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية: "صدقًا فيما قال، وعدلاً فيما حكم"[3]، وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: "فكلُّ ما أخبر به فحقٌّ، لا مرية فيه ولا شكَّ، وكلُّ ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكلُّ ما نهى عنه فباطلٌ، فإنه لا ينهى إلا عن مَفْسَدة"[4].
هكذا كان عدل الله بالمرصاد للطغاة المكذِّبين، وكان صدق الآيات الحقيقة القاهرة بأنوارها للكاذبين، ولنا في قصة سيدنا يوسف - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم - خير دليلٍ على ذلك العدل: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 51].
أمثلة لعدالة سنن الله
بكون الجزاء من جنس العمل
العمل الجزاء
{إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا}{يُؤْتِكُمْ خَيْرًا}
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}{فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا}{يَرَهُ}
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا}{يَرَهُ}
{مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا}{يُجْزَ بِهِ}
{اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ}{وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}
{قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}