عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 29-10-2009, 05:15 PM
الصورة الرمزية اخت الاسلام
اخت الاسلام اخت الاسلام غير متصل
مشرفة الملتقى الاسلامي
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
مكان الإقامة: ارض الله
الجنس :
المشاركات: 6,045
الدولة : Morocco
افتراضي رد: أصول مواحق الطاعات

وهؤلاء هم أهلُ التعبُّد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدُهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه، يرَ نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد، وصاحب التعبُّد المطلق ليس له غرضٌ في تعبد بعينه يؤثره على غيره؛ بل غرضه تتبُّع مرضاة الله - تعالى - أين كانت، فمدار تعبُّده عليها، فهو لا يزال متنقلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات؛ بل هو على مراد ربه، ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو المتحقق بـ{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] حقًّا، القائم بهما صدقًا، ملبسه ما تهيأ، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته، ومجلسه حيث انتهى به المكان ووجده خاليًا، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رَسْم، حرٌّ مجرَّد، دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه، يأنس به كل محقٍّ، ويستوحش منه كل مبطل، كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله ومع الله، قد صحب الله بلا خلق، وصحب الناس بلا نفس، بل إذا كان مع الله عزل الخلائق عن البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فواها له! ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه! والله المستعان، وعليه التكلان"[2].

كلما سمع أو رأى أو دُعي إلى باب من الخير والمعروف والطاعة والعمل الصالح، يزوِّد به الرصيد ويثقل به الميزان ويملأ به سجل صاحب اليمين - هرع إليه ولبَّى النداء وشمَّر عن ساعِد الجد، من غير كسل أو تقاعس أو تلكؤ أو تثاقل أو تأخر، ونال نصيبه من الأوائل، يتتبَّع مواسم الخيرات، ومحطات التزود الإيمانية التي يكرم الله بها عباده، فيستثمر فيها بجد، ويستغل زيادة الكرم الإلهي فيها، ويزداد كيل بعير، يرفع شعار الصالحين الذي يقول:
إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونَ
وَلاَ تَغْفَلْ عَنِ الإِحْسَانِ فِيهَا فَلاَ تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
وَإِنْ دَرَّتْ نِيَاقُكَ فَاحْتَلِبْهَا فَمَا تَدْرِي الْفَصِيلُ لِمَنْ يَكُونُ
وَإِنْ ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلاَ تُقَصِّرْ فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتَهُ يَخُونُ
وبعد أن يحقق كل هذا الفضل، ويكون كل هذه الثروة، يأتي عليه واجب أكبر ومهمة أعظم، ألا وهي تسييج رصيده من الطاعات والحسنات والعمل الصالح، وحمايته من الآفات، وضمان وصوله إلى الله - عز وجل - سليمًا معافًى من كل عوارض الإحباط، محفوظًا من كل طوارق الإفساد، محفوفًا بكل شروط ومسببات القبول، وصيانته من المواحق والمحبطات التي إن طرأت عليه وخالطته، جعلته في مهبِّ الريح مهما عَظُم وكَثُر، ونزعت بركته وحولت بوصلته، ليصبح وبالاً على صاحبه، فيتحوَّل من طوق نجاة وسعادة، إلى دليل إدانة وسبب شقاء، بعد أن كان حجة للعبد وجواز عبور به إلى الجنة، يصبح حجة عليه وسائق له إلى النار - والعياذ بالله.

فإن ضَمِن العبد قبولَ ولو جزءًا يسيرًا من عمله من دون محبطات ومواحق فقد أفلح، قال فضالة بن عبيد - رحمه الله -: "لأن أعلم أن الله تقبَّل مني مثقال حبة أحب إلي من الدنيا وما فيها"[3].

وقد حذَّرنا المولى - عز وجل - من هذا الأمر الخطير، ونبَّهنا إلى ضرورة التيقُّظ له، والعمل على النجاة من عواقبه، وتجنُّب أسبابه ومسبَّباته؛ فقال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم} [محمد: 33]، وقال أيضًا: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]، وقال أيضًا: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23].
[1] "صفقات رابحة"؛ خالد أبو شادي، ص 142.
[2] "مدارج السالكين"؛ ابن القيم، ج1- ص110، 111.
[3] "سير أعلام النبلاء"؛ الذهبي، ج3 ص116.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.39 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (3.57%)]