الواجب الإيجابي الرابع: المقاطعة
وأقصد به المقاطعة لكل ماهو يهودي أو أمريكي أو إنجليزي أو لكل من يساعد اليهود, سواء كان دولة أو شركة.. وهو واجب هامٌ هامٌ هام.. ومؤثر إلى أبعد درجات التأثير وله من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية ما لا يمكن حصره في هذه المساحة الضيقة..
وقد فصّلت فيشرح جدوى المقاطعة في كتيب خاص بها, وذكرت فيه عشرة فوائد لها.. سواء على المستوى المحلي أو الإسلامي أو العالمي أو اليهودي.. وذكرت أنها لا محالة ستؤثر على الشركات التي يصفونها بأنها متعددة الجنسية, وأشرت إلى ضوابطنا الشرعية في المقاطعة.. والفرق بين مقاطعتنا لمنتجاتهم وحصارهم لبلادنا..
وعلقت على كثير من الشبهات التي تجول في أذهان الناس.. مثل من يقول أن الأيدي العاملة في هذه المصانع والشركات وطنية مئة بالمئة, وسيؤدي ذلك إلى تشريد الآلاف ومثل من يقول رأس المال الوطني سيخسر.. ومثل من يقول أن المقاطعة ستؤدي إلى كراهية الشعب الأمريكي لنا، ومثل من يقول أن الشركات الأمريكية ستنعش الاقتصاد الوطني، ومثل من يقول أننا لا نستطيع أننعيش بدونهم, ومثل من يقول أنا لا أستطيع أن استغنى عن كذا أو كذا.. شبهات كثيرة جدًا تعرضت لها، وفصلّت في الرد عليها, وأذكر أيضًا أنني عرضت لبعض فنون المقاطعة وطرائقها.. ذكرت كل ذلك وغيره في كتيب المقاطعة, وأشعر أنه من المستحيل أن نفصل في هذه الأمور في هذه الوريقات, فأرجو أن تعودوا إلى كتيب المقاطعة..
الواجب الإيجابي الخامس: الدعاء...
الدعاء لأهل فلسطين بالثبات والنصر, والدعاء على اليهود وأعوانهم بالهلكة والاستئصال..
والدعاء - يا إخواني - من أقوى أسلحة المؤمنين في حربهم مع الكافرين.. الدعاء ليس شيئًا سلبيًا.. كثيرٌ من الناس يعتقدون أن الدعاء أمرٌ مقابلٌ للأخذ بالأسباب..
أبدًا.. الدعاء يرفعه العمل الصالح.. إن ترك المؤمن الأسباب واكتفى بالدعاء فهو متواكل ولا يرجى له إجابة.. ولذلك جعلتُ الدعاء الوسيلة الخامسة حتى لا يعتمد المرء عليه وينسى بقية الواجبات..
الدعاء ليس أمرًا جانبيًا في قضية فلسطين.. ليس أمرًا اختياريًا إن شئنا فعلناه وإن شئنا تركناه.. أبدًا.. الدعاء ركن أساس من أركان النصر.. وسببٌ أكيد من أسباب التمكين.
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك الدعاء أبدًا, وما يأس منه قط, مهما تأخرت الإجابة, ومهما طال الطريق, ومهما عظم الخطب.. وكان أشدُ ما يكون دعاءًا ورجاءً وخشوعًا وابتهالاً عند مواقف الضيق والشدة.. يفزع إلى ربه, ويطلب عونَه, ويرجو مددَه وتأييدَه.. في بدر.. في أحد.. في الأحزاب.. في كل أيامه صلى الله عليه وسلم..
وفلسطين يا أخواني.. تحتاج إلى دعاء لا ينقطع, وتحتاج إلى رجاءٍ لايتوقف..
o من أدراك أن طائرة تقصف فَيُصدُ قصفُها بدعائك..
o من أدراك أن مخططًا يهوديًا يدبر في الظلام فيحبط بدعائك..
o من أدراك أن شابًا فلسطينيًا أطلق حجارةً أو رصاصة فأصابت هدفها بدعائك..
نريد دعاءً لحوحًا مستفيضًا متكررًا في كل يوم وليلة أكثر من مرة..
دعاء في القنوت وفي السجود..§
دعاء فيه يقين في الإجابة..§
دعاء ليس فيه عجلة ولا يأس..§
دعاءٌ فيه حضور للقلب.. وتضرع وتذلل وانكسار لله عز وجل..§
ويتحرون§ ويتحرون الأوقات الفاضلة,§ دعاءٌ من رجال يتحرون المال الحلال,§ الأحوال الشريفة..
دعاءٌ في جوف الليل وقبل الفجر..§
دعاءٌ يجتمع فيه أهل البيت وأهل العمل وأهل المسجد..§
أخي الحبيب إن أردت أن تساعد المحصورين والمجاهدين والجوعى والجرحى.. فاستيقظ الليلة.. الليلة قبل الفجر بساعة أو بنصف ساعة وادع الله لهم.. أن يوحد صفَّهم, ويسددَ رميتَهم, ويقوي شوكتَهم, ويثبت أقدامَهم, ويُعلي راياتِهم, وينصرهم على أعدائهم, ويُمكنَ لهم في أرضهم, ويزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم..
والله لا محالة سيستجيب.. فقد وعد.. وقال ربكم ادعوني استجب لكم.
إذن تحدثنا حتى الآن عن خمس وسائل إيجابية لنصرة حبيبتنا فلسطين.. هذه الوسائل هي:
فهم القضية فهمًا صحيحًا وتحريكها بين الناس بسرعة،
قتل الهزيمة النفسية وبث الأمل في عودة اليقظة للأمة الإسلامية،
بذل المال قدر المستطاع وتحفيزُ الناس عليه،
المقاطعة الاقتصادية الشاملة والكاملة لكل ما هو يهودي أو أمريكي أو إنجليزي،
وأخيرًا الدعاء المستفيض اللحوح لله عز وجل..
كانت هذه وسائل خمسة.. ولا شك أن في أذهانكم وسائل أخرى، والأمر على إطلاقه بين المسلمين، كلٌ يدلي بدلوه.. وكل يساهم بطاقته..
لكن تبقى الوسيلة السادسة هي الوسيلة التي تشمل كلَ ما سبق.. وتبقى الوسيلة السادسة دافعةً لكل ما سبق من وسائل.. وإن لم تُفعل فليس هناك نجاحٌ لأيٍ من الوسائل السابقة..
الواجب الإيجابي السادس: إصلاح النفس والمجتمع
لابد أن نسأل أنفسنا لماذا هذا التدهور لهذه الأمة الإسلامية التي تعودت أن تسود؟
ولماذا يسيطر 5.2مليون يهودي على بلد مبارك مقدس كفلسطين, مخرجين ألسنتهم لمليار وثلث مليار مسلم في الأرض؟
ولماذا لا يكترث زعماء الشرق والغرب وزعماء اليهود بأعدادنا؟
ولماذا لا تتحرك الحمية في قلوب بعضنا وقد انتهكت الحرمات ودُنست المقدسات وسالت الدماء؟
لابد أن الأمة قد وقعت في خطأ فادحٍ مهد الطريق لهذا الوضع.. فأمة الإسلام لا تهزم بقوة الكافرين ولكن تهزم بضعفها..
يلخص هذا الموقف حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود عن ثوبان رضي الله عنه.. وفيه يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحداث وكأنه يراها رأي العين.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يوشك الأممُ أن تَدَاعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها.. (أي يدعو بعضُها البعض ليأكلوا من أمة المسلمين) قال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنت يومئذ كثير (مليار وثلث مليار) ولكنكم غثاءٌ كغثاءالسيل.. ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم.. وليقذفن الله في قلوبكم الوهْن.. قالوا وما الوهْن يا رسول الله قال: حبَ الدنيا وكراهية الموت..
هذا هو موطن الداء.. هذا هو الخطأ الفادح: حب الدنيا وكراهية الموت.. إذن مصيبة الأمة هي تعاظمُ حب الدنيا في قلوب المسلمين ومن أجل الدنيا يرضى المسلمون بالدنية في دينهم.. ولو هانت عليهم الدنيا لقويت شوكتهم وعز سلطانهم..
الدنيا كلما تعاظمت في النفوس قلت قيمة الآخرة عند الإنسان.. الدنيا كانت سببًا مباشراً لاحتلال فلسطين.. ولن تحرر فلسطين إلا إذا خرجت الدنيا من القلوب.. قل متاع الدنيا قليل،والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً..
إن وجدت صراعًا بين الأخوة, وتنافسًا على أشياء كان من الواجب أن يتعاونوا عليها..
إن وجدت موالاة لكافر على حساب مؤمن..
إن وجدت خيانة لأمانة ونقضًا لعهد وحربًا لفضيلة ونشرًا لإباحية وإنكارًا لمعروف..
إن وجدت تقديما لأهل الرذيلة وعلوًا لأهل الفسق والفجور وتأخيرًا للعلماء والفضلاء وسجنا وتعذيبًا للدعاة والمجاهدين..
إن وجدت الحبيبَ يترك حبيبَه، والولد يهملُ والديه، والحاكمَ يظلم شعبه والرجلَ يكره وطنه..
إن وجدت الأجساد هامدة والعقول خاملة والعزائم فاترة والغاياتِ تافهةً منحطة منحدرة..
إن وجدت كلَ هذا فاعلم إنها الدنيا، واعلم أن ذلك متبوع بهلكة والهلكة متبوعةٌ باستبدال.. وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.
روى الإمام مسلم عن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثلُ ما يضع أحدُكم إصبَعَه هذه (وأشار راوي الحديث إلى السَبابة) في اليم فلينظر أحدكم بم يرجع".
من هذا المنطلق لحجم الدنيا والآخرة نريد أن نعيد ترتيب أوراقِنا وتنظيمَ حياتِنا وتعديلَ أهدافنا.. من هذا المنطلق لحجم الدنيا والآخرة نريد أن نصطلح مع ربنا.
نعم يا أخواني.. يطول الفراق أحيانًا بيننا وبين ربنا.. وهو سبحانه لا تضره معصية ولا تنفعُه طاعة.. نحن الذين نخسر ونحن الذين نفوز..
القضية يا أخوة ليست قضية فلسطين فقط.. القضية قضيةُ الأمة بأسرها.. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. قاعدة لا تتبدل ولا تتغير.
والله والله والله.. لن يتغير حالنا من ذِلةٍ إلى عزة, ومن ضعف إلى قوة, ومن هوان إلى تمكين, إلا إذا اصطلحنا مع ربنا, وطبقنا شرعه, وأخرجنا الدنيا من قلوبنا, وتبنا من ذنوبنا, وعظمت الجنةُ في عقولنا..
ساعتَها.. ستصبح كلُ حركة, وكل سكنة في حياتنا, دعمًا لقضية فلسطين..
من هذا المنظور يا أخوة ستصبح صلاتنا في جماعة وقراءتُنا للقرآن وذكرُنا وصيامنا يصبح كل ذلك دعمًا لفلسطين..
ويصبح بر الوالدين وصلة الرحم ورعاية الجار وحفظ الطريق وعون الملهوف يصبح كل ذلك دعما لفلسطين..
ويصبح غض البصر وحفظ الفرج وصيانة اللسان ووقاية السماع يصبح كل ذلك دعما لفلسطين..
وكذلك يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس الخيرودعوة الآخرين إلى الفضيلة يصبح كل ذلك دعما لفلسطين..
وكذلك تصبح محاربة الربا ومقاطعة الرشوة ونبذ الفرقة وترك المحرمات والبعد عن الشبهات يصبح كل ذلك دعمًا لفلسطين..
وهكذا تتحول حياتُنا - كلُ حياتِنا - لدعم فلسطين.. وغير فلسطين من أقطار الإسلام الجريحة.. يرفع الله عنا البلاء، ويكشف الضراء وتشرق الأرض بنور ربها..
كلمة أخيرة...
بعد هذه الرحلة السريعة في ربوع فلسطين..
أخي وحبيبي ورفيقي في طريق الله..
دينك دينك لحمك دمك..
الله الله في إسلامك وشرعك..
الله الله في أهلك وأرضك..
اغضب لدينك أشد من غضبك لنفسك..
أذكرالله أشد من ذكرك لأبيك وقومِك..
احرص على أمتك أشد من حرصك على مالك وبيتك..
لا عذر لك أن خلص لفلسطين وفيك قلب ينبض, أو عين تطرف, أو نفس يتردد..
أخي في الله..
طريقنا طويل فلا تسيرن فيه بغير صحبة، وانتق من الناس من إذا رأيتَه ذكرك بالله..
لا تفتر أبدًا.. فرب فتورٍ لا يتبع بقيام..
ولاتركن فإن الماء الراكد يأسن ويتعفن..
ابدأ الساعة, واعمل حثيثًا, فرب نفس خرج ولا يعود، ورب دقةِ قلب لا تتبع بأخرى..