
28-10-2009, 02:03 AM
|
 |
مراقبة الملتقيات
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,882
الدولة :
|
|
رد: كيف دخل التتـر بلاد المسلمين ؟
ثانيا:البواعث الأولى:
تستلزم الدراسة مقدمات مهمة تكشف البواعث الاولى لدخول التتر بلاد المسلمين، وتوضح بداية احتكاكهم وطبيعة علاقتهم مع بعض الدول المستقلة عن الخلاقة العباسية – كالدولة الخوارزمية- ومع ملوك الدول الأخرى- كملوك الخطا- وكيف قادت هذه البداية إلى وصول بغداد وإسقاط الخـلافة العباسية.
1- بين الخوارزميين وملوك الخطا:
وتبدأ أحداث الخوارزم شاه مع الخطا منذ أن حاربهم أرسلان ابن أتسز بن محمد بن نوشتكن، وتوفي سنة 568هـ([1]).
ثم تلاه ابنه علاء الدين تكش بن أتسز الذي تملك بخارى وأخذها من صاحب الخطا بعد حروب عظيمة، ثم توفي سنة 596هـ([2]).
كما نقل عنه الذهبي أنه تملك الدنيا من السند والهند وما وراء النهر إلى خراسان، وهو الذي أزال دولة السلاجقة ([3]).
ثم جاء بعده ابنه محمد الذي قصد الخطا سنة أربع وستمائة في جيش عظيم فالتقوا وتمت بينهم مصافات، ثم وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل خلق وأسر السلطان محمد وأمير من أمرائه، ولم يخرج من الأسر إلا بحيلة وعاد إلى خوارزم([4]).
وفي سنـة 606هـ عبر خوارزم شـاه (محمـد) جيحون بجيوشه فالتقـاه طاغيـة الخطا (طاينكـو) فانهـزمت الخطـا وأسر ملكهم وهزموا
هزيمة منكرة، وقتل منهم وأسر خلق لا يحصى، وعلى أثرها تملك (خوارزم شاه) بلاد ما وراء النهر مدينة مدينة ناحية ناحية([5]).
أما ملوك الخطا هؤلاء فهم قوم كفار، وقد طالت أيامهم في بلاد تركستان وما وراء النهر وثقلت وطأتهم على أهلها حتى ضاق المسلمون ذرعا بهم وكتب سلطان سمرقند وبخارى- وكان كما ذكر ابن الأثير: عريق النسب في الإسلام والملك- يقول الخوارزم شاه: إن الله عز وجل قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار، وتخلصهم مما يجري عليهم من التحكم في الأموال والأبشار، ونحن نتفق معك على محاربة الخطا، ونحمل إليك ما نحمله إليهم، ونذكر اسمك في الخطبة والسكة. فأجابه محمد بن خوارزم شاه وعبر إليه نهر جيحون ووقعت المعركة كما سبق([6]).
2- بين ملوك الخطا والتتر:
استـفاد التـتر من كسر الخوارزمييـن لملوك الخطـا وتـقووا بكسر خـوارزم شاه لهم، ووقعـت بينهم حروب، وكان رأس التتـر حينها يدعى ((كشلوخـان)) فكتب ملك الخطـا إلى خـوارزم شاه يخوفه بالخطـر
الجديد ويطلب إليه أن يتعاون معه في كسر التتر ويقول: "ما جرى بيننا مغفور؛ فقد أتانا عدو صعب فإن نصر علينا فلا دافع لهم عنك والمصلحة أن تـنجدنا". فكتب إليه ((خورزم شاه)) ما يفيد بموافقته، وأنه قادم لنصرته، وكتب لـ((كشلوخان)) التتري رسالة أخرى قال فيها: إنني قادم وأنا معك على الخطا – قال الذهبي: وكان بئس الرأي([7]) - فالتقى الجمعان ونزل خوارزم شاه بإزائهما يوهم كلا من الفريقين أنه معه وأنه كمين له، فوقعت الكسرة على الخطا، فمال خوارزم شاه حينئذ معينا لكشلوخان، واستمر القتل بالخطا، وانضم منهم خلق إلى خوارزم شاه، وخضع له كشلوخان وقال: نتقاسم مملكة الخطا، فقال خوارزم شاه بل البلاد لي وسار لحربه، ثم تبين له قوة التتار فأخذ يراوغهم، فبعث إليه كشلوخان يقول: ما هذا فعل ملك؛ ذا فعل اللصوص، فإن كنت ملكاً فاعمل مصافاً بيننا فإما أن تهزمني وتملك البلاد التي بيدي، وإما أن أفعل أنا بك ذلك، فلم يجبه خوارزم شاه إلى ما طلب([8]).
3- بين الخوارزميين والتتار:
خـرج على ملك التتـر الأول ((كشلوخـان)) تتـر آخرون بزعامـة
((جنكز خان)) النهرجي، فانشغل بهم كشلي خان وتحاربوا مدة وظفر ((جنكز خان)) وطغى وتمرد وأباد البلاد والعباد، وأخذ أقاليم الخطا، ودانت له قبائل المغول بعد أن ظفر جنكز خان بابن كشلوخان ولم يكن له معه كبير أمر([9]).
أما أول مصاف كان بين خوارزم شاه وجنكز خان فقد كان بقيادة ابن جنكز خان (دوشي خان) سنة 606هـ (هكذا ساقها الذهبي ضمن أحداث هذه السنة وإن لم يصرح به)، وعلى الرغم من انتصار خوارزم شاه في هذه المعركة إلا أنه عاد مهموما قلقا لما رآه من قوة هذا العدو وكثرتهم وشجاعتهم([10]).
ولذلك خطر ببال خوارزم شاه أن يكتشف التتار بنفسه فدخل فيهم هو وثلاثة معهم متسترين بزي التتر، فقبض عليهم وقتل اثنان منهم وفر خوارزم وآخر معه في الليل، وذلك سنة 615هـ([11]).
أ_ دور الخوارزميين في دخول التتر بلاد المسلمين:
قويت شوكة خوارزم شاه وتملك سنة 611هـ كرمان ومكران والسند وخطب له بهرمز وهلوات، وكان يصيف بسمرقند، وإذا قصد بلدا سبق خبره.
وفي العام الذي يليه توثب خوارزم شاه على ((غزنه)) فتملكها، وهزم صاحب الروم كيكاوس الفرنج وأخذ منهم ((أنطاكية)).
ثم قصد بغداد واستعد له ((الناصر)) ولكن الله صرفه عن بغداد([12]).
أما الحادثة المهمة في هذا السياق والتي كانت بداية غزو التتار فهي حين أحس جنكز خان بقوة خوارزم شاه وسعة ملكه، وبعث إليه رسولا يطلب الهدنة معه لإعمار البلاد وإصلاح الإقتصاد ويقول: إنه ما يخفى عليّ عظم سلطانك، وأنت كأعز أولادي، وأنا بيدي ممالك الصين فاعقد بيننا المودة، وتأذن للتجار وتنعمر البلاد، فأجاب خوارزم شاه إلى الصلح – بعد أن عرف من الرسول سعة ملك جنكز خان – فأعجب ذلك جنكز خان ومشى الحال([13]).
لكن هل استمرت الهدنة ؟ وكيف نقضت؟ وما أثر هذا النقض في دخول التتر بلاد المسلمين؟ هذه أسئلة مهمة؛ والإجابة عليها تكشف لك البواعث الأولى لمجيء جحافل المغول ودخول التتر بلاد المسلمين.
ذكـر ابن الأثيـر – وهو من أقرب المصـادر لهذه الفتـرة ([14]) – أن
جنكز خان سير جماعة من التجار والأتراك ومعه شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما إلى بلاد ما وراء النهر: سمرقند وبخارى ليشتروا له ثيابا للكسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمى ((أوترار)) وهي آخر ولاية خوارزم شاه، وكان له نائب([15])هناك فلما ورد عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم ويذكر له ما معهم من الأموال، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال وإنفاذه إليه، فقتلهم، وسير ما معهم وكان شيئا كثيرا، فلما وصل إلى خوارزم شاه فرّقه على تجار بخارى وسمرقند وأخذ ثمنه منهم، فلما قتل نائب خوارزم شاه أصحاب جنكز خان أرسل جواسيس إلى جنكز خان لينظر ما هو؟ وكم مقدار ما معه من الترك؟ وما يريد أن يعمل؟
فمضى الجواسيس، وسلكوا المفازة والجبال حتى وصلوا إليه، فعادوا بعد مدة طويلة وأخبروه بكثرة عددهم، وأنهم يخرجون عن الإحصاء، وأنهم من أصبر خلق الله على القتال لا يعرفون هزيمة، وأنهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم([16]).
ب- ندم خوارزم شاه ومشورته:
وعلى الرغم من تجلد خوارزم شاه وفعلته فقد ندم على ما صنع، وأصابه همٌّ وغمٌّ وتحفز استشار لأجله من حوله من العلماء والأمراء.
فقد أحضر الشهاب الخيوفـي – وهو فقيه فاضل كبير المحل عنده، لا يخالف ما يشير به – فحضر عنده فقال له: قد حدث أمـر عظيم ولا بد من الفكر فيه وأخذ رأيك في الذي نفعله؛ وذاك أنه قد تحرك إلينا خصم من ناحية التـرك في كثرة لا تحصى، فقال له: في عساكرك كثـرة وتكاتب الأطراف، وتجمع العساكر، ويكون النفير عاما، فإنه يجب على المسلمين كافة مساعدتـك بالمال والنفس، ثم نذهب بجميع العساكر إلى جانب "سيحـون" – وهو نهر كبير يفصل بين بلاد الترك وبلاد الإسلام – فنكون هناك فإذا جاء العدو وقد سار مسافة بعيـدة لقيناه ونحـن مستريحون وهـو وعساكره قد مسهم النصب والتعب.
وجمع خـوارزم شاه أمراءه ومن عنده من أربـاب المشورة فاستشارهم فلم يوافقـوه على رأيه، بل قالوا: الرأي أن تتركهم يعبرون "سيحـون"
إلينا، ويسلكون هذه الجبال والمضايق، فإنهم جاهلون بطرقهم، ونحن عارفون بها؛ فنقوى حينئذ عليهم ونهلكهم فلا ينجو منهم أحد([17]).
([1]) سير أعلام النبلاء: 20\323.
([2]) المصدر السابق: 22\218، 219.
([3]) المصدر السابق: 21\331.
([4]) المصدر السابق: 22\ 224.
([5]) الكامل لابن الأثير 12\ 267.
([6]) الكامل 12\259.
([7]) انظر: سير أعلام النبلاء 22\225، 226، وقال ابن كثير: ولم يكن ما فعله خوارزم شاه فعلا جيدا. البداية والنهاية 13\80.
([8]) انظر: الكامل لابن الأثير: 12\270، 271.
([9]) الكامل 12\271، سير أعلام النبلاء 22\226، 228.
([10]) سير أعلام النبلاء: 22\228.
([11]) المصدر السابق نفسه 22\229.
([12]) سير أعلام النبلاء: 22\229 – 231.
([13]) المصدر السابق: 22\233.
([14]) وقد امتدح ابن كثير عرضه لأحداث التتر وحسنه: البداية والنهاية 13\83، 84.
([15]) هو خال خوارزم شاه كما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء 22\233.
([16]) الكامل 12\361، 362، وسير أعلام النبلاء 22\233 مع اختلاف عنده في قتل الرسل إذ يذكر أن خال خوارزم ومتولي ما وراء النهر شرهت نفسه إلى أخذ أموال هؤلاء التجار والقبض عليهم
وهو يظن أنهم جواسيس للتتار، وأن رسول جنكز خان جاء إلى خوارزم شاه وقال له: إنك أمنت تجارنا والغدر قبيح، فإن قلت فعله خالى فسلمه إلينا وإلا سترى مني ما تعرفني به، فحارث نفس خوارزم شاه وتجلد وأمر بقتل الرسل، فيا بئس ما صنع – كذا قال الذهبي في السير 22\233.
([17]) الكامل لإبن الأثير 2\362، 363.
|