ترك قطعة صغيرة بجانب بيته القديم للبنات وترك لهن حرية تعميرها أو تركها ثم غادر القرية بعد أسبوعين من زواج ابنته إلى الطائف لكن القدر لم يمهله بعد ذلك أكثر من ثلاثة أشهر وكأنه ذهب إلى القرية ليودع أبنائه وبناته ويصلح ما أفسده الدهر بينهم ويطلب منهم السماح .
فقد تعرض بينما كان عائداً من طريق الحجاز لحادث أودى بحياته وزوجته وابنته إيناس ولم ينج من الحادث أحداً سوى فيصل وهند اللذان لم يذهبا مع أبويهما بل بقيا في الشقة في مدينة الطائف .
كانت تلك الفاجعة كبيرة بالنسبة لطفليه هند وفيصل فقد أصبحا يتيمين لا حول لهما ولا قوة . إلا أن أخويهما خالد وحسين كفلاهما خير كفالة ونقلاهما إلى منطقة الباحة وكانا لهما الأم والأب والأخ الصديق بالإضافة إلى أختيهما فادية وسامية فعاشا في رغد من العيش . لم يحسّا بذلّ اليتم ولا حرارة الجوع والعطش .
بدأ حسين وخالد في بناء منـزلين في تلك الأراضي التي خصصها لهما أبوهما وتكاتف الجميع من بنين وبنات واتفقوا جميعاً أن يدفع كل واحد من الأربعة مبلغاً من المال لبناء منـزل صغير بجانب بيتي حسين وخالد لأخيهم الأصغر فيصل . وتم فعلاً بناء بيت صغير يتكون من دور واحد لأخيهم الأصغر
أما هند فقد كانت تعيش مع أخيها حسين وزوجته سعديه وأخيها فيصل وكانت جميلة جداً فهي أجمل من أختيها فادية وسامية وكانت ترتاح كثيراً للجلوس مع سامية . وفي ذات يوم سألتها سامية :
- هل أنت سعيدة يا هند ؟.......آلك حاجة أقضيها ؟
- شكراً فلم تتركي شيئاً أحتاج إليه إلا وأحضرته لي ، ثم أطرقت قليلاً فلاحظت ذلك سامية فقالت :
- فيم تفكرين ؟
- في أمي وأبي .
- رحمهما الله . كلنا سنموت ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . وأرادت أن ترفه عنها فقالت :
- أنت الآن عمرك خمس عشرة وغداً سيأتيك من يخبطك ثم يتزوجك وتعيشين معه ثم تنجبين أطفالاً ويكبرون ثم تموتين وهكذا ثم أخذت بيدها وانتقلت بها إلى المطبخ . فقالت هند :
- ألم تلاحظي أمي كيف كانت سعيدة يوم زفافك .
- بلى .
- كأنها كانت تودعك . وتودعنا .
- لا أريدك أن تفكري في ذلك كثيراً إنني أريدك أن تنظري إلى الأمام.
- لن أنساهما أبداً .
- لن ننساهما جميعاً ولكن :
- إن كل شيء يذكرني بهما حتى البنات فهن لايدعونني فيما بينهن إلا باليتيمة.
- كلنا أيتام ولا أريدك أن تأخذي الأمور بحساسية هكذا ولا أريدك أن تتعبي بهذه الأفكار وإن كان فقد الوالدين صعباً جداً إلا أن إخوانك يحيطونـك بكل عناية وود .
- حسناً كما تريدين .
ومرت الأيام وتزوجت هند بأحد شباب القرية يعمل ضابطاً في الشرطة أما هي فقد أصبحت مدرسّة كأختها فادية ولم يبق إلا فيصل الذي ضل محل حفاوة الجميع في عيش رغيد وحياة هنّيه .
وصدق الله القائل : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرّية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً ) . وانتهت القصة ...