2-بيوت راضيةٌ مطمئنةٌ:
نعمة الرضا من أجل النعم التي يعطيها الله لعباده المؤمنين المتقين , فالرِّضا يُوجِبُ له الطُّمأنينة ، وبرد القلبِ ، وسكونهُ وقراره وثباتهُ ، كما أن الرضا يفتحُ للإنسان باب السعادة والسلامةِ ، فيجعلُ قلبهُ سليماً ، نقيّاً من الغشِّ والحسد والغلِّ ، ولا ينجو منْ عذابِ اللهِ إلا منْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ .
و لقد لخص لنا رسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم – سعادة الدنيا في ثلاث جُمل فقال : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا". أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1/112 ، رقم 300) ، والترمذي (4/574 ، رقم 2346). وابن ماجه (2/1387 ، رقم 4141) . عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ.
كما أن الرضا يُثمرُ الشكر الذي هو منْ أعلى مقاماتِ الإيمانِ ، بل هو حقيقةُ الإيمانِ.
والأسرة المؤمنة تجعل من الرضا شعاراً لها ، فهي ترضى عن الله في السراء والضراء , وترضى بما قسم الله تعالى الله ، لان الرزق بيد الله وحده .
قال عروة بن أذينة :
ولقد علمت وما الإسراف من خلقي * * * أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعـى إليـه فيعيينـي تطلّبـه * * * ولو قعدت أتاني ليـس يعيينـي
قيل للحسن البصري: ما سر زهدك في الدنيا؟ فقال:علمت بأن رزقي لن يأخذه غيري فأطمأن قلبي له. وعلمت بأن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به . وعلمت أن الله مطلع علي فاستحييت أن أقابله على معصية. وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله.
والأسرة المؤمنة كما أنها تشكر على النعماء فإنها تصبر على البلاء والضراء.
ولقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أهل بيته لكل صنوف الأذى من تعذيب وطرد وحصار ومحاولة قتل وموت عزيز، وطعن في العرض والشرف؛ لكنه تحمل مع أهل بيته كل ذلك بنفس راضية مؤمنة.
ولقد اقتدى الصحابة الكرام والسف الصالح بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأهل بيته في الرضا بكل ما قسم الله وقدر .
روت كتب السير أن "الرميصاء" امرأة أبي طلحة وكنيتها ” أم سليم والتي طلب أبو طلحة زواج الرميصاء فاشترطت عليه أن يكون صداقها إسلامه (وقد كان مشركاً) فأسلم وتزوجته ، ويروي لنا أنس حادثة وفاة غلام في بيت الرميصاء: قال: مات ابن أبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه ، قال فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب ، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال: لا. قالت: فاحتسب بما كان ابنك ، فغضب أبو طلحة وانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» ، قال: فحملت وأنجبت بعد ذلك عشرة أولاد كلهم يقرءون القرآن .
وروى الحافظ أبو نعيم: لما توفي ذر بن عمر الهمداني، جاءه أبوه أو جاء أبوه، فوجده قد مات، فوجد أهل بيته يبكون، فقال: ما بكم؟ قالوا: مات ذر، فقال: الحمد لله، والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق، وما أريد غيرنا بما حصل لذر، ومالنا على الله من مأثم، ثم غسَّله وكفَّنه، وذهب ليصلي مع المصلين، ثم ذهب به إلي المقبرة، ولما وضعه في القبر قال: رحمك الله يا بني، قد كنت بي بارًا، وكنت لك راحمًا، ومالي إليك من وحشة ولا إلى أحد بعد الله فاقة، والله يا ذر ما ذهبت لنا بعز، وما أبقيت علينا من ذل، ولقد شغلني والله الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر –والله- لولا هول يوم المحشر لتمنيت أني صِرْت إلى ما إليه صرت. يا ليت شعري ماذا قيل لك وبماذا أجبت؟ ثم يرفع يديه أخري باكيًا، اللهم إنك قد وعدتني الثواب إن صبرت، اللهم ما وهبته لي من أجر فاجعله لذر صلة مني، وتجاوز عنه، فأنت أرحم به مني، اللهم إني قد وهبت لذر إساءته فهب له إساءته فأنت أجود مني وأكرم ثم انصرف ودموعه تقطر على لحيته.
وليس الذي يجري من العين ماؤها *** ولكنها روح تسيل فتقطر
انصرف وهو يقول: يا ذر قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك، وربنا قد استودعناك، والله يرحمنا وإياك.( علي بن نايف الشحود : موسوعة البحوث والمقالات العلمية ص 6).
فهكذا البيت المؤمن يجب أن يكون إيمانه واقعاً عملياً ولن يظهر ذلك إلا عند وقوع الشدائد والمحن.
دع المقادير تجري في أعنتها * * * ولا تبيتن إلا خالي البــال
ما بين غفوة عين وانتباهتها * * * يغير الله من حال إلى حـال