هذه رسالة ارسلها شاب من شباب الاخوان الى الامام الشهيد حسن البنا .
رسالة في منتهى الروعة ورد الامام عليها اروع واروع
ساضع الرسالة بين يديكم ، وبعد ذلك سأضع رد الامام عليها
وننظر اين نحن من هذه الرسالة ، وكيف نستفيد من رد الامام عليها .
يقول الشاب الاخواني في الرسالة :
﴿ سيدي واستاذي ....
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،
وبعد :
هل أتاك نبأ الرجل الذي لا قلب له ؟ عفوا ، اذا كان القلب هذه الكتلة العضلية من اللحم الاحمر ، التي تقبض الدم وتبسطه ، فهو يملكه - بلا ريب - بدليل حياته ، وأما اذا كانت هذه العاطفة الجياشة والاحساس الصقيل ، والشعور الحي فأسفا !!
هو يفطن الى معالم الحسن الدقيقة ، بالنظرة الخاطفة ، كما يدرك مواطن القبح الخفية باللمحة العابرة .
وهو يقرأ أخلاق الرجل في وجهه ، مصيبا الى حد بعيد ، كما يشير اليه الرمز ويرمي الايماء . وبالرغم من ذلك فهو لا قلب له !هو يلقي الصديق بعد غياب طويل ، فيهز يده بقوة ، بل ويعانقه ، ولكن قلبه جامد لا يختلج ، هو يهتف في الناس أن كونوا وكونوا ويدلل ويحتج ، ولكنه قلب متصلب لا يهتز .
هو يتلقى الخبر السار فيبتسم ، والنبأ المحزن ، فيقطب ، ولكن سروره وحزنه اليان ، وقلبه ساكن لا يضطرب .
عل يعلن للشخص حبه أو بغضه ، ثم يلتفت الى قلبه فيجده صامتا لا هو يقف للصلاة ويلم فيها شتاته ، ولا يتلو القران ويحصر فيه انتباهه ، ثم يصلي ويتلو بنيرات قالوا: إنها شجية خاشعة ، ولكنه يتحسس قلبه فيجده أصمم ، ولا يخشع ، وإن كان يفقه .
هذا وصف حق يا سيدي لم أتزيد عليه ، أو أتنقص فيه شيئا ، فهل تجد لديك القدرة على الاعتراف بأن هذا القلب كسائر القلوب ؟؟
لقد أوتيت العقل وسلبت القلب ، فطالما أحسست بفكري يتأجج ، ويعمل ويحيا ، ويثبت وجوده ، ولكن عبثا حاولت أن أثبت هذا لقلبي .
وأخيرا
ولقد أتاك نبأ الرجل لا قلب له !
هو شاب بايعك ، وأخذت منه ميثاقا غليظا فهل يرضيك أن يحيا أحد جنودك بلا قلب ؟...... هل لك في ان تحيي قلبي حتى يؤمن على ما يقوله اللسان بالخفقان والاحساس والشعور ، هذه علة أحد جنودك سيوجعك أن تعرفه ، ولذلك أمسك عنك اسمه حتى أهنئك بشفائه ، فأصرح لك باسمه
والسلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،، ﴾
الى هنا انتهت الرسالة
والان أنتظر تعليقاتكم بفارغ الصبر ، ثم نضع رد الامام عليها لنستخلص منها العبر
.................................................. ................
رد الإمام على الرسالة
يقول رحمه الله :
يا أخي !
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .
قرأت خطابك متأثرا أعمق تأثير ، بصدق لهجتك وروعة شجاعتك ..ودقة يقظتك وحياة قلبك .
لست يا عزيزي ميت القلب كما تزعم لنفسك ، ولكن شاب مرهف الحس ، صافي النفس ، دقيق الشعور ، ولو لم تكن كذلك ما اتهمت نفسك ، ولا انكرت حسك ، ولكن بعد همتك وتنائي غايتك يجعلك تستصغر الكبير وتتطلب المزيد لوجدانك ، ولا بأس عليك في ذلك فهكذا يجب أن تكون .
وسأجاريك فيما زعمت ولأسايرك كما سرت ، وسأحاول أن أتقدم إليك ببعض النصائح ،فإن أفادتك ورأيت في العمل بها إرواء لغلتك وشفاء لعلتك ، فالحمد لله على توفيقه ، وإن لم يكن ذلك كذلك فيسعدني لقاؤك ، لنتعاون في تشخيص الداء ووصف الدواء .
صحبة أهل الخشوع والتأمل ، وملازمة أهل التفكير والتبتل وملازمة هذا الصنف من الأتقياء الصالحين الذين تتفجر جوانبهم بالحكمة ، وتشرق وجوههم بالنور ، وتزدان صدورهم بالمعرفة – وقليل ما هم – دواء ناجح ، فاجتهد أن يكون لك من هؤلاء أصدقاء تلازمهم ، وتؤوي إليهم ، وتصل روحك بأرواحهم ، ونفسك بنفوسهم ، وتقضي معهم معظم وقت الفراغ ، واحذر من الأدعياء وتحر من ينهضك حوله ، ويدلل على الخير فعاله ، ومن إذا رأيته ذكرت الله .
هذه الصحبة من أنفع الأدوية ، فالطبع سراق ، والقلب يتأثر بالقلب ، وتستمد الروح من الروح ، فاجتهد أن تجد لك من الأرواح الصالحة صاحبا .
والفكر والذكر في أوقات الصفاء والخلوة والمناجاة والتأمل في هذا الكون البديع العجيب ، واستجلاء سر الجمال والجلال منه ، وإجالة النظر في هذا القلب واللسان بآثارها هذه العظمة الساحرة والحكمة البالغة . كل ذلك – يا عزيزي – مما يمد القلب بالحياة ، وينير جوانب النفس بالإيمان ، واليقين : [ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ] . < آل عمران : 190 >
ثم التفكير في هذا المجتمع الإنساني ، واستطلاع مظاهر بؤسه وسعادته ، وشقائه وهنائه ، وعيادة المرضى في آسرتهم ، ومواساة البائسين في نكبتهم ، وتعرف الأسباب النفسانية لهذا الشقاء بين الناس من جحود وكفران ، وظلم وعدوان ، وأثرة وأنانية ، وانخداع بالأعراض الفانية ، هذه كلها ضربات على أوتار القلوب تجمع شتاتها وتحيي مواتها ، فاجتهد أن يكون وجودك عزاء البائسين ، ومواساة للمنكوبين ، وليس أعمق أثرا في المشاعر من إحسان إلى مضطر أو إغاثة لملهوف أو مشاركة لبائس حزين !
وبعد يا عزيزي ! فالقلوب بيد الله وحده يصرفها كما يشاء ، فألح عليه في الدعاء أن يمد قلبك بالحياة ، ويشرح صدرك للإيمان ، ويفيض عليك من برد اليقين فضلا منه ونعمة ، وتخير لذلك أوقات الإجابة ، وساعات السحر ، فدعوة السحر سهم نافذ لا يقف دون العرش ، وما أشك في أنك مخلص في غايتك ، صادق في دعوتك ، [ إنما يتقبل الله من المتقين ] < المائدة : 27 > .
أخوك
حسن البنا