رد: أصل انحراف سيد قطب : لفضيلة الشيخ أبي عبد الله محمد سعيد رسلان حفظه الله تعالى
2-
لسيد قطب عبارات واضحة جدا يرد بها على عقيدة وحدة الوجود .. والغريب أن بعض مبغضي سيد قطب يعرفون هذه العبرات ويقرؤونها .. ولكن { لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها }…!!
من الأمثلة التي تثبت أن سيد قطب لا يؤمن بوحدة الوجود , بل تثبت أنه يهاجمها :
أولا : قول سيد في تفسير سورة البقرة :
( والنظرية الإسلامية أن الخالق غير المخلوق { ليس كمثله شئ } ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة وحدة الوجود على ما يفهمه غير المسلم من هذا الاصطلاح، أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة ، أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق ، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده ، أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس .. والوجود وحدة في نظر المسلم على معنى آخر )
ثانيا : قوله في تفسير آية الكرسي :
( تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، فزعموا لله سبحانه خليطا يمازجه أو يشاركه بالنبوة أو بغيرها من الصور في أي شكل وفي أي تصور .. ) ..
ثالثا : - وهذه من المفارقات – في سورة الحديد ، وفي نفس المقطع الذي يقال أن سيد قطب أثبت وحدة الوجود فيه :
" فهذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شئ وجوده وهذه الحقيقة هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شئ حقيقته "
المقطع هذا يتكلم فيه سيد قطب عن وحدة " الفاعلية " ، أي أنه لا مؤثر ولا فاعل في هذا الكون إلا الله ، وأن كل الكون يستمد كينونته ووجوده وحقيقته من الله ..
أي أنه يثبت وجودا خاصا بلله عز وجل وسماه ( الوجود الإلهي ) .. ثم أثبت له حقيقة يستمد منها الوجود حقيقته .
ومن تأمل المقطع – الذي ذكر بتمامه سابقا – وجد أن سيد قطب رحمه الله لا يمدح فعل الصوفية ، بل يذمهم حيث أنه يقول أنهم وصلوا لأول هذه الحقيقة – حقيقة أن هذا الوجود يستمد وجوده من واجده – ثم ذمهم لكونهم اعتزلوا الحياة ولم يستفيدوا من هذه الحقيقة .. وهو – أي سيد قطب – يقصد في كلامه أن يقول :
اقطع صلتك بكل موجود ، واتصل بموجد هذا الوجود .. فلا تأثير ولا فاعلية لأحد إلا لله أو بأمر من الله .!
فتحور هذا الكلام ليصبح قائله مؤمنا بوحدة الوجود !
رابعا : - وهذه أيضا من المفارقات – إن من يتهم سيد قطب بالإيمان بوحدة الوجود يستدل بكلامه المذكور آنفا في سورة الإخلاص .. والمفارقة هنا أن سيد قطب رحمه الله في نفس السورة وفي الصفحة التي تلي الصفحة التي يستدل البعض بها على إيمان سيد بوحدة الوجود ، فإننا نجد أن سيدا يهاجم فكرة وحدة الوجود !!!!!!
يقول سيد قطب في الظلال صفحة 4004 :
" (( الله الصمد )) .. ومعنى الصمد اللغوي : السيد المقصود الذي لا يقضى أمر إلا بإذنه . والله - سبحانه - هو السيد الذي لا سيد غيره ، فهو أحد في ألوهيته والكل له عبيد . وهو المقصود وحده بالحاجات ، المجيب وحده لأصحاب الحاجات . وهو الذي يقضي في كل أمر بإذنه ، ولا يقضي أحد معه .. وهذه الصفة متحققة ابتداء من كونه الفرد الأحد .
(( لم يلد ولم يولد )) .. فحقيقة الله ثابتة أبدية أزلية ، لا تعتورها حال بعد حال . صفتها الكمال المطلق في جميع الأحوال . والولادة انبثاق وامتداد ، ووجود زائد بعد نقص أو عدم ، وهو على الله محال . ثم هي تقتضي زوجية . تقوم على التماثل . وهذه كذلك محال . ومن ثم فإن صفة (( أحد )) تتضمن نفي الوالد والولد ..
(( ولم يكن له كفوا أحد )) .. أي لم يوجد له مماثل أو مكافئ . لا في حقيقة الوجود ، ولا في حقيقة الفاعلة ، ولا في أي صفة من الصفات الذاتية " .
هل هذا كلام أصحاب عقيدة الوجود أيها العقلاء ؟؟!!!!
بل إن سيد رحمه الله قال في سورة الإخلاص – وقبل المقطع المشار إليه – ما يلي :
" (( قل هو الله أحد )) .. وهو لفظ أدق من لفظ ( واحد ) لأنه يضيف إلى معنى واحد أن لا شيء غيره معه ، وأن ليس كمثله شيء " .
خامسا : يقول سيد في ( خصائص التصور الإسلامي ) صفحة 183 في فصل ( التوحيد ) – وقد كتبه سيد عام 1962م أي بعد الظلال !!! – :
( يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية .. ألوهية يتفرد بها الله سبحانه , وعبودية يشترك فيها كل من عداه وما عداه .. وكما يتفرد الله سبحانه بالألوهية , كذلك يتفرد تبعا لهذا بكل خصائص الألوهية .. وكما يشترك كل حي وكل شيء بعد ذلك في العبودية , كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية .. فهناك إذا وجودان متميزان : وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله .. والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق , والإله بالعبيد )
ويكمل كلامه في صفحة 189 و 190 فيقول :
( .... حيث يتبين منها إفراد الله سبحانه بالألوهية , وتقرير عبودية كل من عدا الله وكل ما عداه لألوهيته . وقيام العلاقات بين الخلق والخالق على أساس العبودية وحدها , لا على أساس نسب ولا صهر ولا مشاركة ولا مشابهة في ذات ولا في صفة ولا في اختصاص )
سادسا : في آخر كتاب له ( مقومات التصور الإسلامي ) , نرى أن سيد قطب رحمه الله يبطل هذه التهمة :
جاء في فصل (( ألوهية العبودية )) ( ص 83 ) :
( إن التصور الإسلامي يفصل فصلا تاما بين طبيعة الألوهية وطبيعة العبودية ، وبين مقام الألوهية ومقام العبودية ، وبين خصائص ا لألوهية وخصائص العبودية ، فهما لا تتماثلان ولا تتداخلان ) .
وجاء في نفس الفصل ( ص 118 ) :
(( لقد اعتبر الإسلام قضية التوحيد هي قضيته الأولى وقضيته الكبرى . توحيد الألوهية وإفرادها بخصائصها ، والاعتراف بها لله وحده ، وشمول العبودية لكل شيء ولكل حي ، وتجريدها من خصائص الألوهية جميعا .. فالتوحيد - على هذا المستوى وفي هذا الشمول - هو مقوم الإسلام الأول ))
3-
ولو قلنا جدلا أن عبارات سيد قطب توحي بإيمانه بعقيدة وحدة الوجود .. فإننا نقول أن السور التي فيها عبارات موهمة هي الحديد والإخلاص ، وهي من السور التي لم يصل إليها سيد قطب ولم يراجعها .. بينما الكلام الصريح الذي ينقض عقيدة وحدة الوجود موجود في سورة البقرة التي قام سيد بمراجعتها وفي غيرها من السور ..
فأي الكلامين المتأخر ؟؟؟ طبعا الذي في سورة البقرة ، لأن سيدا رحمه الله راجع أول اثنا عشر جزء فقط .. هذا في الظلال ! أي متأخر ومتقدم في كتاب واحد ..
أما كتاب خصائص التصور الإسلامي وكتاب مقومات التصور الإسلامي فإنهما قد كتبا بعد الظلال ، وفي الاثنين تقرير واضح جدا من سيد قطب على أنه لا يؤمن بهذه العقيدة الكفرية !
وهذا متأخر ومتقدم في فكر سيد قطب ورأيه ..
وهذا يبين لنا أنه لا يؤمن بهذه العقيدة إن تحاكمنا إلى الظلال فقط ، وأنه لا يؤمن بها إن تحاكمنا إلى مجمل كتبه .
4-
إنصاف الشيخ عبدالله الدويش لسيد قطب في كتابه ( المورد العذب الزلال ) :
يقول الشيخ عبدالله رحمه الله : ( لعله لم يقصد ما يُفهمه كلامه من قول الاتحادية ، ونحن إنما قصدنا التنبيه على كلامه لئلا يغتر به من لا يفهمه ، وأما هو فله كلام صريح في الرد على الاتحادية كما قال في خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ) ..
وقال في تعليقه على كلام سيد في سورة الحديد :
" وأما ما قاله هؤلاء المتصوفة فإن أرادوا بقولهم إن الله يرى في كل شئ , وأن الله حال في خلقه فهذا أقوال الحلولية وهو كفر ، وإن أراد بقوله إنه رأى الله أي عرف بقلبه وبصيرته ذلك فهذا حق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ".
5-
شهادة الشيخ بكر أبو زيد في هذا الموضوع :
قال الشيخ بكر في الخطاب الذهبي : ( إن سيد رحمه الله تعالى قال كلاماً متشابهاً حلق فيه بالأسلوب في تفسير سورتي الحديد والإخلاص ، وقد اعتُمِدَ عليه بنسبة القول بوحدة الوجود إليه . وأحسنتم حينما نقلتم قوله في تفسير سورة البقرة من رده الواضح الصريح لفكرة وحدة الوجود ومنه قوله : ومن هنا تنتفي من التفكير الإسلامي الصحيح فكرة وحدة الوجود .
وأزيدكم : إن في كتابه : مقومات التصور الإسلامي رد شاف على القائلين بوحدة الوجود , لهذا فنحن نقول : غفر الله لسيد كلامه المتشابه الذي جنح فيه بأُسلوب وسع فيه العبارة ...
والمتشابه لا يقاوم النص الصريح القاطع من كلامه !! )
وبعد هذا العرض يتبين لنا أن اتهام سيد بهذه التهمة اتهام خاطئ وظالم .. وعندما نقارن هذا التعامل الظالم مع سيد قطب بتعامل شيخ الإسلام مع الهروي و البسطامي الذي ذكر كلاما صريحا واضحا ( ما تحت الجبة إلا الله ) وقوله ( سبحاني ) ، ومع هذا نجد أن شيخ الإسلام يعتذر له وللهروي أيضا لأن لهما تاريخا يشفع لهما .. ولا غرابة في تصرف شيخ الإسلام فهو من يقول عن أهل السنة أنهم يرحمون الخلق وأنهم أرحم الخلق بالخلق فلله دره من إمام !
والله تعالى أعلم !
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|