عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 23-09-2009, 11:42 PM
رياض123 رياض123 غير متصل
قلم برونزي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
مكان الإقامة: ........
الجنس :
المشاركات: 1,867
افتراضي رد: ثمانون عاما وهي خاوية على عروشها! الجزء الرابع

ثانياً : من التشيع السياسي إلى التشيع العقدي

فقد انتقل الإخوان بمعية بعض الرؤوس النافذة استراتيجياً من الترويج للتشيع السياسي إلى الترويج العلني للتشيع العقدي والدفاع عن المذهب الشيعي. وفي السياق لدينا نموذجين للمعاينة : المرشد العام للجماعة والمهندس يوسف ندى.

بالنسبة للمرشد العام مهدي عاكف (21) فهو يعتبر : «الشيعة والسنة أمة واحدة قِبلتُها ودينُها وصلاتُها وحجُّها لمكانٍ واحدٍ، - 6/3/2004». وفي تصريحات له لصحيفة «الدستور» المصرية في 26/9/2008 قال : «هم مسلمون لهم مذهبهم ويعبدون الله عز وجل ويتبعون النبي صلى الله عليه وسلم وقبلتهم هي الكعبة ويتبعون تعاليم القرآن» مضيفاً : «أن ما يدور بين السنة والشيعة خاصة في العراق ولبنان لا يزيد علي كونها خلافات سياسية لا دخل للإسلام ولا المذاهب فيها وهي ليست اختلافات فقهية»، لكنه تدارك بنفس التصريح أن : «الاختلافات الفقهية لها مجالس للعلماء المتخصصين فيها وهذا لا دخل له بالخلافات السياسية».

لكن هذه التصريحات لا تكفي إنْ لم يتوج مهدي عاكف (22) تحالفاته مع الشيعة وتصريحاته المناصرة لهم بـ «جواز التعبد بالمذهب الشيعي» مكرراً، في وقت لاحق، تصريحاته السابقة (23) بأن : «الصراع بين الشيعة والسنة، صراع سياسي وليس طائفياً أو عقائدياً 26/2/2009». وهو بذلك يرفض تأكيد القرضاوي (24) (25/9/2008) وهو يصرخ بأن هناك : «محاولات فعلية حالياً لنشر المذهب الشيعي في بلاد إفريقية بينها مصر والسودان والمغرب والجزائر ونيجيريا». تُرى! هل سأل المرشد العام نفسه سؤالاً عما إذا كان الشيعة يقبلون التعبد بالمذاهب السنية كما يقبل هو التعبد بمذهبهم؟

لعله لم يسألها، فيكفيه فتوى محمود شلتوت شيخ الأزهر السابق التي نفاها القرضاوي (25) فيما يؤكد آخرون وجودها. لكن مستر علي جمعة (26) (happy birthday to you) يؤمن بها هو الآخر. لذا فقد تضامن مع المرشد العام في انتصاره لإيران : «علينا الاعتراف بما تحرزه هذه الطائفة من تقدم يُمَكِّننا من التعاون معها في الوقت الحالي»، مؤكداً أنه : «لا حرج من التعبد على مذاهبها، فلا فرق بين سني وشيعي». أما بعض الشخصيات الإيرانية النافذة فقد تطوعت، هي الأخرى، انتصاراً للمرشد العام ورفع الحرج عنه. فقد تعرّض علي أكبر محتشمي في مقابلة له بتاريخ 13/11/2008 على موقع «إسلام أون لاين (27)» إلى السؤال التالي : «هل تبيح في رأيك التعبد بجميع المذاهب السنية مثل الشافعية والمالكية؟»، فكانت لغته سخية وأكثر «رشاقة» من لغة المرشد وهو يقول : «من وصل إلى قناعة أن هذا المذهب هو تحت مظلة الإسلام، يؤمن به ويشتغل به فإنه مباح، ويجوز له العمل به سواءً أكان شافعياً مالكياً أم حنبلياً أم حنفياً أم جعفرياً زيدياً.. كل هؤلاء مسلمون، وبعض علمائنا يقولون بأنه يجوز للمسلم أن يقلد عدة مراجع في عباداته، لا إشكال في ذلك.. الاختلاف بين مذاهب أهل السنة رحمة أم لا؟ كذلك الاختلاف بين مذاهب أهل الشيعة».

نحن نعلم أن مذاهب السنة أربعة هي الحنبلية والشافعية والحنفية والمالكية. ولما نتحدث عن أهل السنة نقول : فلان سني بقطع النظر عن الانتماء المذهبي له. فالسني يمكن أن يتعبد الله بأيٍّ من المذاهب الأربعة أو بها جميعاً، فما يَشْكُل عليه في هذا المذهب يستوضحه من مذهب آخر. لا فرق كبير إلا من حمله جهله على التعصب بلا مبرر. فهل سنقول لاحقاً : «شيعي على سنة الله ورسوله»؟ أم «شيعي على سنة علي جمعة ومهدي عاكف» تيمناً بمقولة د. عبد الوهاب المسيري لما سئل عن عقيدته فقال : «ماركسي على سنة الله ورسوله»؟ إذا كانت المسألة خلاف سياسي فما شأن «الإخوان» يدافعون باستماتة عن المذهب الشيعي والتشيع وحق إيران في نشر مذهبها وكأنه مذهبهم؟ ولماذا لا يتحدثون ولو لمرة واحدة عن خيانات إيران للأمة وذبح السنة في العراق وأفغانستان؟ وما شأن الأمة أن تتعبد بمذهب شيعي لا يرضاه أكثر «الإخوان» لأنفسهم؟

لم يطل الوقت كثيراً حتى طلع علينا، في مناسبة أخرى، المهندس يوسف ندى مفوض العلاقات الدولية السابق في الجماعة ليقول لنا في مقالة له بعنوان : «نحن والشيعة (28) 16/2/2009» : بأن : «الخلاف بيننا وبين الشيعة الإثنى عشرية هو خلاف في الفروع وليس في الأصول من الدين». لكنه ليس رأيه الشخصي. فهو يتحدث باسم الجماعة حين يقول بأن : «المستقر في الفكر الإخواني أن الخلاف في الفروع لا يخرج من الملة، وأن المشكلة الشيعية أصلها خلاف على الولاية والإمامة وليست على قواعد الدين وأصوله أي أنها خلاف سياسي». وقد أثارت مقالته زوبعة لدى أهل السنة وفي صلب الإخوان حيث رد عليه د. محمد غزلان عضو مكتب الإرشاد في مقالة له بعنوان : «مرة أخرى .. نحن والشيعة (29) 25/2/2009». وبدت المقالتان على طرفي نقيض رغم أنهما نشرتا على موقع «إخوان أون لاين». أما المرشد العام فنأى بنفسه والجماعة عن السجال الدائر بين الرجلين على صفحات جريدة «المصري اليوم (30)» و«إسلاميون (31)». وكأن الأمر لا يعنيه ولا يعني الجماعة، فأصدر بياناً (32) مقتضباً جاء فيه : «يؤكد فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين أن كل ما تفضَّل به المهندس يوسف ندا والدكتور محمود غزلان حول آرائهما في الشيعة؛ إنما يعبِّر عن الرؤية الخاصة لكلٍّ منهما ولا يعبِّر بحالٍ من الأحوال عن رؤية مكتب الإرشاد». سبحان الله! من الواضح أن غضبة د. محمد غزلان على ما فاه به يوسف ندى هي التي استدعت رد المرشد وليس ما كتبه يوسف ندى حيث لم يستدع ذلك رداً من المرشد. فإذا كان المرشد قد بدا في بيانه وكأنه يتنصل مما يقول به «ندى»، ولا يوافق على أن : «الخلاف مع الشيعة هو خلاف في الفروع وليس في الأصول»؛ وأن كلام الرجلين يعبر عن رأيهما وليس عن رأي مكتب الإرشاد؛ رغم أنهما من أكابر الجماعة؛ فلماذا يستميت بالدفاع عن الشيعة ويصرح بـ «جواز التعبد بالمذهب الشيعي»؟ وهل خرج يوسف ندى عن كلام فتحي يكن وهو يعبر عن رأيه في الخميني حين قال في مجلة «الشهاب» الإخوانية، (عدد 2 ، شوال 1412) بأنه : «من القلة القليلة من مجددي الإسلام في هذا العصر الذين طرحوا الإسلام كبديل عالمي. والإمام الخميني رحمه الله يعتبر من هؤلاء»؟

أخيراً، هل يمكن لفضيلة المرشد أن يجيبنا على هذه التساؤلات : بماذا يتعبد أهل السنة بالمذهب الشيعي؟ بإنكار تراث السنة؟ أم بالتقية؟ أم بالكذب؟ أم بسب الصحابة ووصف أخيارهم بالجبت (أبو بكر الصديق) والطاغوت (عمر بن الخطاب) والنعثل (عثمان بن عفان) رضي الله عنهم أجمعين؟ أم بالطعن في زوجات الرسول وخاصة في عرض السيدة عائشة التي برأها الله عز وجل من فوق سبع سنوات قائلا: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} (النور: 11)، وهو ما لم يعجب الشيعة؟ أم بالقول بتحريف القرآن ورب العزة يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر: 9) ؟ أم بزواج المتعة وتكفير تاركه؟ أم بتأليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ أم بأفضلية فاطمة الزهراء رضي الله عنها على جميع الخلق من الأنبياء والأولياء وغيرهم عدا أبيها صلى الله عليه وسلم؟ أم بعصمة الأئمة الإثنى عشرية؟ أم بولاية الفقيه المبتدعة؟ أم بالتوسل في القبور؟ أم بتلقي الأخبار من السماء؟ أم بالمهدي الذي دخل السرداب منذ مئات السنين ولم يخرج بعد؟ أم بالطقوس المجنونة من اللطم إلى سفك الدماء بغير حق؟ أم بجعل مستقبل الأمة والدين مجرد بيت عزاء مفتوح إلى قيام الساعة؟ أم بالخرافات والأساطير والمزاعم؟ أم بالاحتفال بأبي لؤلؤة المجوسي في قتله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ بماذا؟ كيف يكون إجماع العلماء على شرك عقائد الشيعة جهلاً؟!!! وفي نفس الوقت يجوز لأهل السنة التعبد بها؟

أهذا هو الدين الذي يمكن أن يتعبد به أهل السنة؟ بأي عقل وعقيدة يتحدث هؤلاء؟ هل نصدق هؤلاء ونكذب علماء السلف وابن تيمية الذي وصف الرافضة بأكذب أهل الأرض!!؟ ففي تصورات المذهب الشيعي للإيمان، وهي تعبر عن ذروة الانحراف العقدي لدى الشيعة، ترجم الموقع الرسمي لأهل السنة والجماعة عن وكالة «مهر» للأنباء (33) (29/2/1387 بحسب التقويم الإيراني) نموذجاً من تصريحات لمسؤولين ورجال دين إيرانيين نقتبس منها واحدة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لنرى بمن يتعبد الشيعة، بالله؟ أم بالسيدة فاطمة؟ :

«إن فاطمة الزهراء كانت أسوة لجميع الأنبياء والأئمة والصالحين، وأضاف : إن الله تعالی مع أسمائه قد تجلّی في صورة فاطمة الزهراء وإنه تعالی يعرّف نفسه إلی العالمين عن طريق فاطمة. وتابع قائلاً : إن مصير العالم والكون في اختيار فاطمة وهي التي تتصرف في العالم كيف تشاء. وأكد أحمدي نجاد علی أن العالم لم يتحمل مصيبة مثل مصيبة فاطمة، وأن الأشقياء هم الذين ظلموها، لأنها خلاصة الكون. وأضاف بالقول : إن الذين ظلموها هم الذين لا يؤمنون بالنبي ولا بالرسالة ولا بالإمامة ولا بالله تعالی، والظلم بالنسبة إلی فاطمة ظلم إلی الله تعالی»! هل هذا خلاف سياسي يا باش مهندس؟ عجباً!!!

ثالثاً : «حماس» وإيران

كل جماعة أو حركة أو تنظيم أو حزب أو شخصية فلسطينية، على وجه الخصوص، تتلاعب في القضية الفلسطينية، بوعي أو بجهل، تنتهي إلى زوال حتمي. وهذا ينطبق على «حماس» وغير «حماس». حتى الآن لم يثبت أن «حماس» تشيعت، جزئياً أو كلياً، إلا فيما يتعلق بغض الطرف (عن) والتشجيع (على) مناصرة الشيعة ابتداءً من «حزب الله» و«فيلق بدر» و«جيش المهدي» وانتهاءً بإيران. لكن هذا الموقف «المستنكف» عن التشيع العقدي لا يأبه لسريان ثقافة شيعية بالغة الخطورة في فلسطين أول ما ضربت أعضاء «الإخوان» ومؤسساتهم ومنهم إلى عامة الناس.

فقد أُثِر عن خالد مشعل تصريحاً شهيراً له يقول فيه : أن حركة «حماس» هي الابن الروحي للخميني. ومن جهتها أدانت الحركة مقتل محمد باقر الحكيم زعيم «فيلق بدر» في 31/8/2003 والذي أذاق أهل السنة والفلسطينيين في العراق ألوان العذاب، ونفت الحركة في 12/6/2006 إصدارها بيان ينعى اغتيال أبو مصعب الزرقاوي. وفيما عدا «حزب الله» وشقيقتيها في العراق (حماس وجامع) فقد أدانت الحركة واستنكرت كل عمل جهادي في كل ساحة. ثم توجهت إلى الداخل فارتكبت أربع مجازر جماعية أولها ضد عناصر من «حركة الجهاد الإسلامي» احتموا في مسجد الرباط (34)، والثلاثة الأخرى نفذتها «حماس»، في أقل من عام، ضد «جيش الإسلام» و«عائلة حلِّس» و«مسجد ابن تيمية». ومارست سطوتها على القوى السياسية والاجتماعية وحتى على المساجد والأفراد. ولعل أبرز ما أنجزته «حماس» منذ ارتباطها الاستراتيجي بإيران أنها :

• تحولت إلى قوة ذات بأس محلياً، كـ «حزب الله» تماماً. ولا شك أن لمثل هذا التحول استحقاقاته. فالواقع يثبت أن تجربة الحزب انتهت كمقاومة مع انسحاب إسرائيل، وغدا قوة محلية سياسية وذات بأس في مواجهة القوى الداخلية. فلما كانت «حماس» حركة جهادية ضعيفة عسكرياً إلا من العمليات الاستشهادية كان أداؤها ضد إسرائيل مؤلماً وفعالاً أكثر مما هو عليه الآن. وبدلاً من استمرارها في السياق ذاته واحتفاظها بالقاعدة الجماهيرية العريضة على مستوى الأمة نجدها تنحاز إلى التسوية باحثة عن مفاتيح الدخول لها.

• وتجاوزت فعلياً «مرحلة المناصرة والدفاع عن الشيعة» وهَوَت في «مرحلة التحالف». أي أن «حماس» انتقلت من «التشيع السياسي والإعلامي والمالي» لتستقر في رحاب «التشيع الأمني والعسكري» على نطاق واسع، مستفيدة مما تقدمه لها إيران أو «حزب الله» من خدمات.

لكن الدخول في مشاريع الغير أو تحت وصايته السياسية والأمنية والعسكرية يعني أنك ستفتقد، بالضرورة، لمشروعك الخاص، وأنك ستعمل كأداة، وأنك مطالب بدفع الثمن الملائم للخدمات المقدمة. فما هو الثمن الذي دفعته «حماس» وما زالت تدفعه لقاء الاحتماء بالمظلة الإيرانية بعد أن تخلى عنها العرب كما تقول؟

الثمن هو، كما «الإخوان»، التسليم بالمشاريع والسياسات الإيرانية في المنطقة والعالم، أو على الأقل عدم انتقادها أو الوقوف بوجهها حتى لو ألقت إيران بكامل ثقلها في تحالفات مع الولايات المتحدة والغرب، مهما كانت الأضرار والمخاطر الناجمة عنها، وحتى لو استهدفت بتحالفاتها الدول الإسلامية قاطبة ابتداءً من أندونيسيا والشيشان وباكستان وأفغانستان مروراً باليمن والجزيرة العربية ومصر والسودان وسوريا ولبنان وانتهاءً بدول المغرب العربي ووسط أفريقيا. وقد رأينا في أوائل المقالة الدور الذي لعبه «الإخوان» في نصرة إيران وصولاً إلى الاعتراف بالمذهب الشيعي والتعبد به. فماذا فعلت «حماس» كي تفي بالتزاماتها تجاه إيران؟

لعل أهم ما فعلته «حماس» منذ ارتباطها الاستراتيجي بإيران ورفع درجة التنسيق بينها وبين «حزب الله» (29/3/2004) هو العمل على احتكار الساحة الجهادية في غزة ووضعها تحت سيطرتها التامة، وهو ما حصل فعلاً خاصة بعد سيطرتها على غزة وإنهاء دور حركة «فتح» فيها. والاحتكار يعني أن تستأثر «حماس»، إنْ استطاعت، بالقول الفصل في السلطة والأمن، ومقاومة إسرائيل أو التهدئة معها، والسعي إلى التفاوض على تسوية، وحتى تقاسم السلطة بينها وبين «فتح» بعيداً عن الفصائل الفلسطينية الأخرى، والسيطرة على المساجد، وفتح ملف لكل مخالف، ومعاقبة الخصوم والقصاص منهم ولو في الشوارع والساحات العامة، والاعتراف بهذه الجماعة أو التنكر لتلك، وإدارة تجارة مافيا الأنفاق بين تجار وأجهزة مصر الأمنية من جهة وتجار غزة ومافيا «حماس» من جهة أخرى.

أما لماذا هذا الأمر هو الأهم من بين ما فعلته «حماس» على المستوى السياسي؟ فلأنها تسير وفق مخطط إيراني صرف يشابه نفس المخطط الذي طبقته إيران في لبنان عبر «حزب الله». فرغم أن في لبنان عشرات الأحزاب وقوى المقاومة إلا أنها ممنوعة من ممارسة نشاطها المسلح ضد إسرائيل. فقرار المقاومة المسلحة في جنوب لبنان بات بيد «حزب الله» فقط، ولا شأن للقوى الأخرى به لا على المستوى السياسي ولا الأمني ولا العسكري.

وبهذه الطريقة فإن «حزب الله» سيكون في موقف دفاعي فقط إذا هوجم من قِبَل إسرائيل أو أية قوة أخرى. وبطبيعة الحال فالخاسر في مثل هذه الحالة هو المجتمع. أما إذا كان ثمة نية في مقاتلة إسرائيل فمن المحظور على الأطراف الأخرى دخول المعركة. وفي هذه الوضعية الغريبة وغير المسبوقة على الأمة سيكون النصر، إذا تحقق، من صنع «حزب الله» بينما تكون الهزيمة من نصيب الجميع. هذا ما أرادته إيران و«حزب الله»، وهذا ما خضعت له القوى الأخرى رغم أنفها. لذا لم يكن غريباً أن تلتزم القوى اللبنانية والفلسطينية، بقرار ضاغط من «حزب الله»، يقضي بمنع القوى المحلية من الاشتراك في مواجهة إسرائيل خلال حرب تموز على لبنان صيف العام 2006. ومن تابع أداء «حماس» السياسي والإعلامي وحتى أداء قناة «الجزيرة» خلال الحرب الأخيرة على غزة لا شك أنه لاحظ كيف سخّرت «حماس» كل جهودها للاستئثار بنصيب الأسد من المقاومة واعتبار المعركة معركتها والنصر نصرها، وفي المقابل عملت لاحقاً على تهميش وإنكار أدوار القوى الأخرى خاصة مقاتلي السلفية الجهادية، بل والتنكر لوجودهم كتنظيمات قائمة بالفعل. فهل يعقل أن تنحسر القضية الفلسطينية وجهاد أهلها في شتى أنحاء العالم وتُوقَف على جماعة تنتظر من يصفق لها ويجرّم غيرها؟

واقع الأمر أن «حماس» عملت، ولمّا تزل، على نقل تجربة حزب الله في لبنان إلى فلسطين أمنياً وسياسياً وعسكرياً وإعلامياً. وهذا أداء يستحق الاحترام والثقة لو ظلت «حماس» محتفظة بمشروعها الجهادي طبقاً لما ورد في ميثاق انطلاقتها ولم تتخل عنه. لكن ما هو مشروع «حماس» وهي تطارد الغرب للاعتراف بها والدخول في تسوية سياسية للصراع ما كانت «حماس» لتبحث عنها قبل الارتباط بإيران؟ وما شأن فلسطين المغتصبة والمحتلة والمشردة أهلها بمشاريع إيران و«حزب الله» في المنطقة كي يدفع الفلسطينيون ثمنها من دمائهم وقضيتهم؟ فـ «حزب الله»، مثلاً، يخطط ويطبق المشروع الإيراني انطلاقاً من بيئة شيعية ولأغراض طائفية معطوفاً عليها احتياجات المشروع الصفوي. وإذا كان «حزب الله» يحاول الاستئثار بالورقة الشيعية في لبنان فأين هي الورقة الشيعية في فلسطين كي تطبق «حماس» فيها ما لا ينطبق عليها لا اجتماعياً ولا سياسياً ولا عقدياً ولا تاريخياً؟ وأين هي الطائفية في فلسطين؟ أم أن «الإخوان المسلمين» صاروا طائفة عرقية مستقلة عن بقية الشعب تبحث عن امتيازاتها على حساب الطوائف الأخرى؟ وهل حرب السيطرة على المساجد التي تمارسها «حماس»؛ تجري بين مسجد سني ومسجد شيعي؟ وهل مساجد «حماس» يُعبد فيها الله عز وجل بينما الأخرى مساجد ضرار كما حاولت وصف مسجد ابن تيمية؟

قبل احتلال أفغانستان سنة 2001 والعراق سنة 2003 لم تكن ملامح المشروع الصفوي في المنطقة بارزة كما هي بعدهما؛ في توافق ظاهر مع المشروع الغربي ضد أهل السنة. لكن في أعقاب الاحتلال انكشفت التحالفات الإيرانية المدمرة للأمة مع الغرب باعترافات من أعلى سلطة سياسية في البلاد. وأول ما بدأته إيران هو إحكام قبضتها على العراق عبر مخابراتها وأجهزتها الأمنية وميليشياتها الصفوية ورؤوس السلطتين الشيعية الدينية والسياسية. وشجعت مليشياتها على تفريغ أحقادهم في أهل السنة، وإشاعة أجواء الحقد والقتل والانتقام حتى صارت التصفيات على الهوية والاسم. وفي الساحات الإسلامية الأخرى دشنت إشعال الفتن الواحدة تلو الأخرى، مستغلة التواجد الطائفي للشيعة في باكستان وأفغانستان ولبنان والسعودية واليمن والكويت والبحرين وغيرها. أما في البلدان ذات الغالبية السنية المطلقة فلقد أصبحت هدفاً للتشيع السياسي تمهيداً للتشيع العقدي.

خلاصة القول أن المشروع الإيراني الصفوي يتخذ من «حماس»، خاصة، و«الإخوان المسلمين»، عامة، مطية لبلوغ أهدافه. ففي إيران جدل على مستويين، أحدهما يتساءل عن الجدوى من دعم «حماس» وتحرير فلسطين إن لم يتشيع أهلها. والآخر أكثر إيضاحاً وهو يتحدث عن مشروع تشيع إيراني على امتداد العالم متخذاً من دعم حركات التحرر مدخلاً لانطلاقة المشروع الصفوي. ما يهمنا هو المستوى الثاني الذي عبر عن أهدافه، في الأيام القليلة الماضية، صراحة دون أدنى مواربة. ففي تصريحات، باللغة الإنجليزية، نقلتها وكالة «إيرنا (35)» الإيرانية (5/3/2009) أمام حلقة دراسية حول الأداء السياسي للنظام صرح الجنرال يحيى رحيم صفوي مستشار القائد الأعلى للثورة الإيرانية للشؤون العسكرية والقائد السابق لحرس الثورة في طهران أن «الجمهورية الإسلامية» تعتبر : «قوة ذات نفوذ في المنطقة»، مضيفاً أن : «العالم يشاهد النفوذ السياسي لإيران وهو يتمدد في المنطقة بأكملها بما فيها لبنان وفلسطين».

لكن الجنرال الإيراني لم يحدد طبيعة النفوذ الذي يتحدث عنه، فما كان من الرئيس أحمدي نجاد إلا توضيح الأمر بعد بضعة شهور (10/9/2009)، لكن هذه المرة عبر النافذة الأمنية! إذ أن مسألة نشر المذهب الشيعي يعني أن القوى المتورطة في تحالفات مع إيران لا تدرك بعد أنها في عهدة المؤسسة الأمنية التي تتلاعب بها بحسب ما تقتضيه المصالح الإيرانية ومشروعها الصفوي. فقد أعلن أحمدي نجاد (36) صراحة في تصريحات نقلتها وكالة «إيرنا» الإيرانية، خلال حفل توديع وزير الأمن الإيراني السابق وتقديم الوزير الجديد، : «أن هدف النظام الإيراني هو نشر التشيع في العالم، ورفع راية المهدي المنتظر»، وأضاف قائلاً : «إن نشر هذه المهمة في العالم يقع على عاتق الجمهورية الإيرانية». وأكد على أنه : «في النظام الولائي فإن الجميع هم جنود إمام العصر المهدي المنتظر»، وأن : «ولاية الفقيه هي حلقة الاتصال مع الأمام المهدي»، وإن : «إن هدفنا الغائي هو تحقيق الأسرة العالمية المهدوية».

أما رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية الجنرال حسن فيروز آبادي (37) فقد لحق هو الآخر برئيسه ليكشف عما هو أشد خطورة. ففي 10/9/2009 تناقلت المواقع الإلكترونية الإيرانية عن رئيس الأركان، خلال مراسم توديع وزير الدفاع الإيراني السابق وتقديم خليفته الجديد بحضور كبار القادة العسكريين، قوله بأن : «دعم القضية الفلسطينية بالرغم من التكلفة السياسية والدعائية والمالية لا يشكل أمراً عبثياً ومكلفاً لنا ولم يفرض علينا؛ بل إنه يعد ضرباً من الاستثمار لتحقيق مصالح إقليمية ودولية لنا». وأضاف قائلاً : «إن دعمنا لحركات التحرر يدخل في صلب حماية الأمن القومي الإيراني ويزيد من قوتنا الإقليمية، وهو في سياق ما ننفقه للحفاظ على أمننا القومي واتساع رقعة قوتنا في المنطقة».

هكذا، لم يعد لـ «الإخوان المسلمين» ولا لحركة «حماس» مبرراً في مناصرة المشروع الإيراني، ولم يعد لهما أي مشروع يذكر لا على مستوى الجماعة ولا على مستوى الأمة. والمعادلة القائمة بالنسبة لإيران هي استعمال الجماعة الأم، بسبب انتشارها العالمي، كجسر لا يمانع في اختراق العالم السني شيعياً. لكن ضعف الجماعة وتخبطها وتحالفات فروعها الفاضحة مع الولايات المتحدة في عديد الساحات يفقدها المصداقية ويجعلها بحاجة ماسة لحركة «حماس»، كونها، بعيون العامة، حركة جهادية ذات ماض مجيد في مقارعة إسرائيل. هذه النقطة بالذات هي التي تشكل ورقة التوت التي تفاخر بها الجماعة الأم وعموم الفروع حتى «الحزب الإسلامي» في العراق الذي تضامن مع أهل غزة خلال الحرب وتحالف مع الأمريكيين في بلاده. كما أنها تسبغ على «حماس»، شرعية مهزوزة، وتكسبها أهمية قصوى بالنسبة للجماعة الأم وللإيرانيين. إذ أن أي ضرر يلحق بها سيؤدي إلى مخاطر كبرى تهدد المشروع الصفوي برمته في المنطقة والعالم.

في هذا السياق بالضبط يمكن أن نفهم الهزة السياسية الكبرى التي ضربت إيران خلال الانتخابات الرئاسية، وأهمية انحياز خامنئي للمرشح أحمدي نجاد. فحين تصل الطعون إلى أعلى سلطة سياسية ودينية في إيران فهذا مؤشر على أن النظام برمته أصبح تحت التهديد المباشر من الداخل، بل أن ولاية الفقيه التي أتى بها الخميني مهددة هي الأخرى بالانفجار بعد أن نزعت الاحتجاجات الشعبية عنها الشرعية وصفة العصمة كما قالت الكاتبة البحرينية الشيعية سميرة رجب (38) في مقالتها الشهيرة (الجمهورية الإسلامية : الغضب الشعبي العارم - 22/6/2009) التي تسببت بحجب صحيفة «أخبار الخليج (39)» عن الصدور والتوزيع حتى إشعار آخر. بل وأكثر من ذلك. فقد كان من ضمن بعض برامج المعارضة الإيرانية التي قادها مير حسين موسوي ومهدي كروبي وقف الدعم الإيراني لحركات التحرر بما فيها حركة «حماس». ويكفي أن نتصور مدى فرحة «الإخوان»، و«حماس» بفرض خامنئي لأحمدي نجاد رئيساً بقوة القمع الدموي خشية سقوط النظام ومشروعه. لكن ماذا لو نجحت المعارضة في الإطاحة بنجاد؟ فهل فكرت «حماس»، بمثل هذا الاحتمال؟ وماذا سيكون مصيرها هي والجماعة الأم؟

باختصار!

لسنا ندري إذا كان «الإخوان»، وخاصة، الأتقياء الصادقين، الذين لا نشك بسلامة إيمانهم وعقيدتهم، ولا نسمح بالطعن في أحد منهم، مجاهدين كانوا أو مدنيين، قيادات أو أعضاء، يراقبون أفعال قياداتهم وتصريحاتهم. ولسنا ندري إنْ كانوا يكتفون بالثقة بهم مهما كان خطابهم السياسي والعقدي. ولا ما إذا كانوا يدركون إلى أين يذهبون بهم. ولسنا ندري، بأي منطق، يمكن أن يضطر فيه أحد ما أن يتحمل أوزار غيره أو يصمت عليها.

_______________________________________________


روابط ذات صلة


1) بيان للقرضاوي حول موقفه من الشيعة.
2) بيان صحفي حول التدخل الاثيوبي في الصومال.
3) إخوان إيران ينفون الانشقاق على التنظيم الدولي.. ويؤيدون القرضاوي.
4) إخوان سوريا يعلقون معارضتهم مع النظام من أجل غزة.
5) جماعة الإخوان في سوريا تنسحب من جبهة المعارضة.
6) نقطة نظام : مع علي صدر الدين البيانوني - قناة «العربية».
7) بصراحة: مع المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا - قناة «العربية».
8) النص الحرفي للحوار المسجل مع علي صدر الدين البيانوني لوكالة (رويترز) للأنباء حول المفاوضات مع إسرائيل.
9) بصراحة: مع المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا - قناة «العربية».
10) د. أبو الفتوح: نطالب الغرب والأمريكان بعدم الضغط على الأنظمة لمحاربة الإسلاميين.
11) عبد المنعم ابو الفتوح : نؤيد تأسيس دولة علمانية ثنائية القومية بفلسطين.
12) د. أبو الفتوح ينفي ما نشرته «الدستور» عن دولة علمانية في فلسطين المحتلة.
13) أزمة في جماعة الإخوان بسبب تصريحات العريان عن الاعتراف بإسرائيل.
14) بالعربي: هل آن أوان العودة إلى دمشق؟ - قناة «العربية».
15) إذا نزلوا ساحة قتال أفسدوها (بقلم د.هاني السباعي - مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية).
16) عاكف لـ «النهار» : لا مانع من المد الشيعي.. فعندنا 56 دولة سنية.
17) أمة في خطر (د. أكرم حجازي 31/5/2008).
18) هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟ (د. أكرم حجازي 19/4/2009).
19) أبطحي: لولا إيران لما سقطت كابول وبغداد.
20) نقطة نظام : مع فتحي يكن - قناة «العربية».
21) محمد مهدي عاكف : الشيعة والسنة أمة واحدة.
22) القرضاوي يؤكد وجود محاولات لتشييع مصر والسودان والمغرب، وعاكف يرفض التعقيب ويؤكد أن الشيعة مسلمون.
23) محمد مهدي عاكف : الشيعة والسنة أمة واحدة.
24) القرضاوي يؤكد وجود محاولات لتشييع مصر والسودان والمغرب، وعاكف يرفض التعقيب ويؤكد أن الشيعة مسلمون.
25) القرضاوي: لا فتوى لشلتوت بالتعبد على «الجعفري».
26) مفتي مصر : الشيعة طائفة متطورة ولا حرج من التعبد على مذاهبها.
27) محتشمي : يجوز للشيعي التعبد بالمذاهب السنية.
28) يوسف ندا يكتب : نحن والشيعة.
29) د. محمود غزلان يكتب : مرة أخرى.. نحن والشيعة.
30) يوسف ندا يكتب رداً على د.محمود غزلان : نحن والشيعة للمرة الثالثة والأخيرة.
31) يوسف ندا : خلاف الإخوان والشيعة في الفروع وليس الأصول.
32) توضيح من المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بخصوص كتابات حول الشيعة.
33) حديث للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد- وكالة «مهر» للأنباء.
34) حتى بيوت الرحمن لم تسلم منهم .. ميليشيات حماس تعتدي على مسجد الرباط وتقتل مقاومين بداخله.. بالصور.
35) مستشار خامنئي : نفوذنا يتمدد في المنطقة ككل بما فيها لبنان وفلسطين.
36) نجاد : هدفنا نشر «التشيع» ورفع راية «المهدي المنتظر».
37) طهران : دعمنا للقضية الفلسطينية ليس إلا لتحقيق مصالحنا.
38) الجمهورية «الإسلامية».. الغضب الشعبي العارم (بقلم : سميرة رجب).
39) توقيف صحيفة «أخبار الخليج» حتى إشعار آخر.

*************************************************
الحلقات السابقة

1) الإخوان والغياب الطويل عن الساحة
2) الإخوان وإدانة الجهاد العالمي
3) الإخوان وحماس والمشاريع الخادعة
نشر بتاريخ 15-09-2009

 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.82 كيلو بايت... تم توفير 0.60 كيلو بايت...بمعدل (1.38%)]