وأما من استعمل من الزي ما أمكنه مما به إليه حاجة ، وترك التزيد مما لا يحتاج إليه = فهذا عين من عيون العقل والحكمة كبير ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو القدوة في كل خير ، والذي أثنى الله تعالى على خلقُه ، والذي جمع الله تعالى فيه أشتات الفضائل بتمامها ، وأبعده عن كل نقص ـ : يعود المريض مع أصحابه راجلاً في أقصى المدينة بلا خُفٍ ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة ، ويلبس الشعر إذا حضره ، وقد يلبس الوشي من الحبرات إذا حضره ، ولا يتكلف ما لا يحتاج إليه ، ولا يترك ما يحتاج إليه ، ويستغني بما وجد عما لا يجد ، ومرة يمشي راجلاً حافياً ، ومرة يلبس الخف ، ويركب البغلة الرائعة الشهباء ، ومرة يركب الفرس عرياً [بلا سرج] ومرة يركب الناقة ، ومرة يركب حماراً ، ويردف عليه بعض أصحابه ، ومرة يأكل التمر دون خبز ، والخبز يابساً ، ومرة يأكل العناق المشوية ، والبطيخ بالرطب والحلواء .
يأخذ القوت ، ويبذل الفضل ويترك ما لا يحتاج إليه ، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة ولا يغضب لنفسه ، ولا يدع الغضب لربه عز وجل.
الثبات الذي هو صحة العقد والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهاً لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق.
والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل أو ما فعله الفاعل نصراً لما نشب فيه ، وقد لاح له فساده ، أو لم يلح له صوابه ولا فساده ، وهذا مذموم ، وضده الإنصاف.
وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق ، أو على ما اعتقده المرء حقاً ما لم يلح له باطله ، وهذا محمود ، وضده الاضطراب.
وإنما يلام بعض هذين ؛ لأنه ضيع تدبر ما ثبت عليه ، وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل.
حد العقل استعمال الطاعات والفضائل ، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل. وقد نص الله تعالى في غير موضع من كتابه على أن من عصاه لا يعقل ، قال الله تعالى حاكياً عن قوم { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } ثم قال تعالى مصدقاً لهم { فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير }.
وحد الحمق استعمال المعاصي والرذائل ... ولا واسطة بين العقل والحمق إلا السخف.
وحد السخف هو العمل والقول بما لا يحتاج إليه في دين ولا دنيا ، ولا حميد خلق مما ليس معصية ولا طاعة ولا عوناً عليهما ، ولا فضيلة ولا رذيلة مؤذية ؛ ولكنه من هذر القول وفضول العمل.
فعلى قدر الاستكثار من هذين الأمرين أو التقلل منهما يستحق المرء اسم السخف ، وقد يسخف المرء في قصة ، ويعقل في أخرى ، ويحمق في ثالثة.
وأما إحكام أمر الدنيا والتودد إلى الناس بما وافقهم ، وصلحت عليه حال المتودد من باطل ، أو غيره أو عيب أو ما عداه ، والتحيل في إنماء المال ، وبعد الصوت ، وتسبيب الجاه بكل ما أمكن من معصية ورذيلة ؛ فليس عقلاً ، ولقد كان الذين صدّقهم الله بأنهم لا يعقلون سائسين لدنياهم مثمرين لأموالهم مدارين لملوكهم حافظين لرياستهم ، لكن هذا الخلق يسمى الدهاء ، وضده العقل والسلامة.
وأما إذا كان السعي فيما ذكرنا بما فيه تصاون ، وأنفة = فهو يسمى: الحزم ، وضده المنافي له التضييع.
وأما الوقار ووضع الكلام موضعه والتوسط في تدبير المعيشة ، ومسايرة الناس بالمسالمة فهذه الأخلاق تسمى الرزانة ، وهي ضد السخف.
أصول الفضائل كلها أربعة عنها تتركب كل فضيلة وهي:
العدل ، والفهم ، والنجدة ، والجود.
أصول الرذائل كلها أربعة عنها تتركب كل رذيلة وهي :
الجور ، والجهل ، والجبن ، والشح. وهذه أضداد الذي ذكرنا.
الأمانة والعفة نوعان من أنواع العدل والجود.
النزاهة في النفس فضيلة تركبت من النجدة والجود ، وكذلك الصبر.
الحلم نوع مفرد من أنواع النجدة.
القناعة فضيلة مركبة من الجود والعدل.
والحرص متولد عن الطمع ؛ والطمع متولد عن الحسد ، ويتولد من الحرص رذائل عظيمة منها: الذل والسرقة والغصب والزنا والقتل والعشق..
والمداراة فضيلة متركبة من الحلم والصبر.
الصدق مركب من العدل والنجدة .
من جاء إليك بباطل رجع من عندك بحق ؛ وذلك أن من نقل إليك كذباً عن إنسان حرك طبعك ؛ فأجبته = فرجع عنك بحق ، فتحفظ من هذا ولا تجب إلا عن كلام صح عندك عن قائله .
لا شيء أقبح من الكذب ، وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعاً من أنواعه ، فكل كفر كذب ، فالكذب جنس والكفر نوع تحته.
والكذب متولد من الجور والجبن والجهل ؛ لأن الجبن يولد مهانة النفس ، والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة.
رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقساماً ثلاثة:
أحدها: من لا يبالي فيما أنفق كلامه ، فيتكلم بكل ما سبق إلى لسانه غير محقق نصر حق ولا إنكار باطل وهذا هو الأغلب في الناس.
والثاني: أن يتكلم ناصراً لما وقع في نفسه أنه حق ، ودافعاً لما توهم أنه باطل غير محقق لطلب الحقيقة لكن لجاجاً فيما التزم وهذا كثير وهو الأول.
والثالث: واضع الكلام في موضعه ، وهذا أعز من الكبريت الأحمر .
لقد طال هم من أغاظه الحق .
اثنان عظمت راحتهما:
أحدهما في غاية المدح ، والآخر في غاية الذم ، وهما :
مطرح الدنيا ، ومطرح الحياء.
من عجيب تدبير الله عز وجل للعالم أن كل شيء اشتدت الحاجة إليه كان ذلك أهون له ، وتأمل ذلك في الماء فما فوقه.
وكل شيء اشتد الغنى عنه كان ذلك أعز له ، وتأمل في الياقوت الأحمر فما دونه.
الناس فيما يعانونه كالماشي في الفلاة كلما قطع أرضاً بدت له أرضون ، وكلما قضى المرء سبباً حدثت له أسباب .
صدق من قال: إن العاقل معذب في الدنيا. وصدق من قال: إنه فيها مستريح !
فأما تعذيبه ففيما يرى من انتشار الباطل ، وغلبة دولته ، وبما يحال بينه وبينه من إظهار الحق .
وأما راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا.
إياك وموافقة الجليس السيئ ومساعدة أهل زمانك فيما يضرك في أخراك أو في دنياك ؛ وإن قل ، فإنك لا تستفيد بذلك إلا الندامة حيث لا ينفعك الندم ، ولن يحمدك من ساعدته بل يشمت بك. وأقل ما في ذلك وهو المضمون أنه لا يبالي بسوء عاقبتك وفساد مغبتك.
وإياك ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرك في دنياك ولا في أخراك ؛ وإن قل فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة ، وربما أدى ذلك إلى المطالبة والضرر العظيم دون منفعة أصلاً.
إن لم يكن بد من إغضاب الناس أو إغضاب الله عز وجل ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الخلق أو منافرة الحق فاغضب الناس ونافرهم ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق.
الاتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وعظ أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب فمن وعظ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ وتعدى طريقته صلى الله عليه وسلم ، وصار في أكثر الأمر مغرياً للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجاً وحرداً ومغايظة للواعظ الجافي = فيكون في وعظه مسيئاً لا محسناً.
ومن وعظ ببشر وتبسم ولين وكأنه مشير برأي ، ومخبر عن غير الموعوظ بما يستفتح من الموعوظ ، فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة.
فإن لم يتقبل فلينتقل إلى الموعظة بالتحشيم ، وفي الخلاء فإن لم يقبل ، ففي حضرة من يستحي منه الموعوظ ، فهذا أدب الله في أمره بالقول واللين.
ومما ينجع في الوعظ أيضاً الثناء بحضرة المسيء على من فعل خلاف فعله ، فهذا داعية إلى عمل الخير.
وما أعلم لحب المدح فضلاً إلا هذا وحده ، وهو: أن يقتدي به من يسمع الثناء ؛ ولهذا يجب أن تؤرخ الفضائل والرذائل = لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره ، ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه ويتعظ بما سلف.
من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه ، فإن أعجب بفضائله ، فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه ؛ فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه لأتم الناس نقصاً ، وأعظمهم عيوباً. ، وأضعفهم تمييزاً.
وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل ، ولا عيب أشد من هذين ؛ لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالَبَها وسعى في قمعها .
والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته .
وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال ! وهذا أشد عيب في الأرض.
وفي الناس كثير يفخرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم ؛ فيُعْجَب بتأتي هذه النحوس له وبقوته على هذه المخازي.
واعلم يقيناً أنه لا يسلم إنسي من نقص حاشا الأنبياء صلوات الله عليهم فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط ، وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه مختلف من الأرذال ، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة ! فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها ، وعن عيوب غيره التي لا تضره في الدنيا ولا في الآخرة.
وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها ، فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته.
وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير لا يسوغ أصلاً. والواجب اجتنابه إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب أو على سبيل تبكيت المعجب فقط في وجهه لا خلف ظهره ، ثم يقول للمعجب ارجع إلى نفسك فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك ، ولا تمثل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوباً منها فتستسهل الرذائل ، وتكون مقلداً لأهل الشر ، وقد ذم تقليد أهل الخير ، فكيف تقليد أهل الشر! لكن مثل بين نفسك ، وبين من هو أفضل منك فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الاستخفاف بالناس وفيهم بلا شك من هو خير منك.
فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق لأن الله تعالى يقول{ وجزاء سيئة سيئة مثلها } فتولد على نفسك أن تكون أهلاً للاستخفاف بك على الحقيقة مع مقت الله عز وجل وطمس ما فيك من فضيلة.
وإن أعجبت بآرائك فتفكر في سقطاتك واحفظها ولا تنسها وفي كل رأي قدرته صواباً فخرج بخلاف تقديرك وأصاب غيرك وأخطأت أنت ، فإنك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك بصوابه فتخرج لا لك ولا عليك ، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك ! وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم.
وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه فو الله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفي على حسناتك فليطل همك حينئذ وأبدل من العجب تنقصاً لنفسك.
وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك تعالى ؛ فلا تقابلها بما يسخطه ، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت.
ولقد أخبرني عبد الملك بن طريف وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ وأخل بقوة حفظه إخلالاً شديداً لم يعاوده ذلك الذكاء بعد.
واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على العلم يجدون في القراءة و الإكباب على الدروس والطلب ثم لا يرزقون منه حظاً ؛ فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه ؛ فصح أنه موهبة من الله تعالى فأي مكان للعجب ها هنا!
ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى واستزادة من نعمه واستعاذة من سلبها.
ثم تفكر أيضاً في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم ثم من أصناف علمك الذي تختص به. فالذي أعجبت بنفاذك فيه أكثر مما تعلم من ذلك فاجعل مكان العجب استنقاصاً لنفسك واستقصاراً لها فهو أولى .
وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيراً ؛ فلتهن نفسك عندك حينئذ وتفكر في إخلالك بعلمك ، وأنك لا تعمل بما علمت منه فلعلمك عليك حجة حينئذ ، ولقد كان أسلم لك لو لم تكن عالماً.
واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالاً ، وأعذر فليسقط عجبك بالكلية.
ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة فتهون نفسك عليك .
ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها.
وإن أعجبت بجاهك في دنياك فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظرائك ولعلهم أخساء وضعفاء سقاط فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه ، ولعلهم ممن يستحيا من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وأخلاقهم ومنابتهم فاستهن بكل منزلة شاركك فيها من ذكرت لك .
وإن أعجبت بمالك فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس هو أغنى منك فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت.
وإن أعجبت بمدح إخوانك لك ففكر في ذم أعدائك إياك فحينئذ ينجلي عنك العجب ، فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له ، فليست إلا منزلة من ليس لله تعالى عنده نعمة يحسد عليها عافانا الله.
فإن استحقرت عيوبك ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس وتمثل إطلاعهم عليها فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مسكة من تمييز.
وإن أعجبت بنسبك فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة.
وانظر هل يدفع عنك جوعة ، أو يستر لك عورة ، أو ينفعك في آخرتك ، ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك ، وربما فيما أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء عليهم السلام ، ثم ولادة الخلفاء ، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء ، ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة ، ثم ولادة التبابعة ، وسائر ملوك الإسلام ، فتأمل غبراتهم وبقاياهم ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة وتلفهم في غاية السقوط والرذالة والتبدل والتحلي بالصفات المذمومة ؛ فلا تغتبط بمنزلة هم فيها نظراؤك أو فوقك. ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقاً وشربة خمور ولاطة ومتعبثين ونوكى أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور فأنتجوا ظلماً وآثاراً قبيحة تبقي عارهم بذلك الأيام ، ويعظم إثمهم والندم عليها يوم الحساب. فإن كان كذلك فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب والخزي والعار والشنار لا في الإعجاب.