رد: فلنضىء الشمعة، ولنصل الجمعة
أيها الإخوة في الله، دعونا نفتح معاً كتاب الله عز وجل، لنتلو معاً قوله تعالى في سورة الجمعة:
{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} 1، ثم لنطرح على أنفسنا السؤال الهام جداً:
هل الأمر في هذه الآية يحمل محمل الوجوب أو أنه للاستحباب؟؟
للإجابة على هذا السؤال، نعرض عليكم الآن حديث الصحابي جابر رضي الله عنه إذ قال: {خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: واعلموا أن الله تعالى كتب عليكم يوم الجمعة في يومي هذا في شهري هذا في مقامي هذا، فمن تركها تهاوناً بها واستخفافاً بحقها وله إمام جائر أو عادل، فلا جمع الله شمله، ألا فلا صلاة له، ألا فلا صيام له، إلا أن يتوب، فإن تاب تاب الله عليه} 2
وليس هذا هو الحديث الوحيد المحذر لمن لا يصلي الجمعة، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه ينقل لنا تحذيراً قوياً رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه تحذيراً قوياً إلى هؤلاء المتساهلين بأداء هذه الصلاة العظيمة، {لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة بيوتهم} 3
للأسف أيها الإخوة الأحبة، بتنا نرى في أيامنا الكثير من أبناء الإسلام ممن يستهين بأداء صلاة الجمعة، متجاهلين كل التجاهل تحذيرات رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفعل هذا، كقوله: {من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه} 4، وقوله صلى الله عليه وسلم كذلك: {لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله عل قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين} 5
وبعد كل هذا التهديد والوعيد لتارك صلاة الجمعة، يطرح أمامنا تساؤل هام حول (المعذور في أداء الصلاة)، وحكم تركه لها، بل من هم المعذورون أولاً، وبالمعنى الأصح ما هي شروط صحة الجمعة؟؟
شروط صحة أداء صلاة الجمعة تنقسم إلى قسمين، فمنها شروط من صفات المصلي، ومنها شروط ليست من صفاته، فأما الشروط التي من صفات المصلي، فهي ما يلي:
الذكورة، العقل، البلوغ،
الحرية، صحة البدن،
والإقامة.
فلا تجب على امرأة اتفاقاً، ولا على مجنون أو عبد أو مريض، كما أنها لا تجب على المسافر، كما لا تجب على من لم يحتلم 6، للأحاديث التالية:
- {الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك وامرأة وصبي ومريض}.
- {رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق}.
- {ليس على المسافر جمعة}.
هذا ولا خلاف بين الأئمة الأربعة في أن هؤلاء هم المعذورون في أداء صلاة الجمعة، وأنها لا تجب على أي منهم، إلا في رواية شاذة عند الحنابلة في الصبي المميز ولو كان ليس ببالغ، وقول في المذهب الشافعي عن وجوبها على المسافر إذا سمع النداء 7
فماذا لو كان أحد هؤلاء قلبه متعلق بهذه الصلاة، فأداها جماعة في المسجد رغم عذره المرخص له بتركها دون أن يأثم؟؟
الإجابة هي إن صلاها هؤلاء كفتهم، بل وتصح إمامتهم فيها كذلك، ما عدا المرأة، وتصح جماعتهم أيضاً 8
إلا أن ذلك كله مرهون بشرط جوهري للغاية، ألا وهو الإسلام، فلا تصح من الكافر العبادة، وكيف تصح، وقد قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} 9
وقد ورد عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل كان يعمل الصالحات في الجاهلية: فهل ذاك نافعه؟؟
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: {إنه لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين}10
أيها الإخوة الأحبة، دعونا نعرض تساؤلاً هاماً في مسألة المعذورين، وفي حالة واحدة منهم، حالة العمى، فماذا لو وجد الأعمى من يقوده إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، فهل تلزمه في هذه الحالة، ويسقط عذره؟؟
يرى الإمام أبو حنيفة، أن الأعمى معذور مطلقاً، فلا يلزمه شهود الجمعة سواء أوجد قائداً أو لم يجد، وذلك لأنه عاجز عن السعي بنفسه، ويلحقه من الحرج ما يلحق المريض.
فيما يخالفه الإمامان أبو يوسف ومحمد، باعتبار الأعمى قادراً على السعي، وإنما لا يهتدي الطريق، فهو كالضال إذا وجد من يهديه 11
وهما في رأيهما هذا يوافقان الرأي الشافعي 12
وبعد أن عرضنا لكم، إخوتي في الله، شروط الجمعة من حيث صفات المصلي، نعرضها لكم من الناحية الأخرى، ومن الشروط التي ليست من صفات المصلي، والتي توجزها النقاط التالية:
المصر الجامع، السلطان، الجماعة، الخطبة، الوقت، الاشتهار.
أما المصر الجامع، فقد ورد في كتب الأحناف أكثر من تعريف له، وأشهر التعاريف ما ورد في الدر المختار أن المصر ما لا يسع أكبر مساجده أهله المكلفين بها 13 وعليه فتوى أكثر الفقهاء.
ولا تصح صلاة الجمعة إلا في مصر جامع، حتى لو أن قوماً اجتمعوا في مسجدهم، فخطب لهم بعضهم وصلى بهم، لا تجزيهم صلاتهم، وعليهم أن يعيدوا الظهر 14 بل ويُكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة في المصر الجامع 15.
أما الإمام الشافعي، فيرى أنه تُسن الجماعة في ظهر المعذورين، لكن يخفونها إن خفي عذرهم، لئلا يُتهموا بالرغبة عن الجمعة 16
فإن كان المصر الجامع مثلاً ممتلئاً، فإن فناء المصر يلحق به، لصحة صلاة الجمعة، ولكن هناك من فقهاء الأحناف من منع الصلاة فيه إذا كان منقطعاً عن العمران 17
فماذا لو كان بين أهل المصر الواحد خلاف ونزاع، وكان اجتماعهم في مكان واحد، ولو كان لصلاة الجمعة، سبباً للتهييج والفتنة، فما العمل في هذه الحالة؟؟
الإجابة أنه في هكذا حالة، فإنه تجوز صلاة الجمعة في المصر الواحد في أكثر من موضع، منهم من حصرها بموضعين لا أكثر 18، ومنهم من أطلق المسألة بلا تحديد، وأجاز إقامة صلاة الجمعة في هذه الحالة في مواضع كثيرة 19
إذاً، يرى الأحناف أن صلاة الجمعة لا تقام إلا في المصر الجامع، بينما يخالفهم كل من الشافعي ومالك بوجوب إقامتها لأهل القرى في قراهم، وحتى في المذهب الحنفي نفسه نجد قولاً يجيز إقامة صلاة الجمعة في أكثر من مسجد، استدلالاً بأن الإمام علي خرج إلى الجيانة، واستخلف من يصلي بالضعفة في المسجد الجامع 20
وينبغي لإقامة صلاة الجمعة إذن السلطان، قال بذلك الأحناف والأئمة، ثم وقع بينهم الخلاف في التفصيل، فماذا لو لم يأذن السلطان بالإقامة؟؟
رأى الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام ابن حنبل أنه يصح إقامة صلاة الجمعة ولو لم يأذن السلطان، وخالفهم الأحناف بالقول بعدم صحتها، ولكن الأئمة احتجوا بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف، فأقام الصحابة صلاة الجمعة بإمامة أبي بكر، كما ورد أن علياً صلى بالناس حين كان عثمان محصوراً 21
أما بالنسبة للجماعة، فلا تصح الجمعة بدونها، أما العدد الذي يعتبر جماعة، فقد اختلف فيه، وفي المذهب الحنفي أن الجماعة ثلاثة، فينبغي وجود ثلاثة رجال مع الإمام وفقاً لقول الإمام أبي حنيفة 22 ورأى أبو يوسف ومحمد أن الجماعة تتحقق بأن يكون الإمام والحضور ثلاثة، بل إن لهما قولاً أنه يكفي وجود واحد مع الإمام سواء أكان هذا الواحد رجلاً أو امرأة أو صبياً يعقل 23
أما باقي الأئمة الأفاضل، فقد اختلفوا في العدد، وكانت لهم أقوال عديدة، منها أن العدد الواجب توافره لأداء صلاة الجمعة هو أربعون رجلاً، وفقاً لما يراه الإمام الشافعي: " إن لم يدخل معه في الصلاة أربعين رجلاً لم يكن له أن يصلي الجمعة" 24
ويرد الأحناف أن مصعباً بن عمير أقام الجمعة بالحديبية، باثني عشر رجلاً لا أكثر 25.
وعند الحنابلة أقوال كثيرة في مسألة العدد الذي تتحقق به صلاة الجمعة،أما الإمام مالك، فلم يحدد العدد، فيما رأى بعض أصحابه أن الجماعة لا تنعقد إلا بثلاثين رجلاً، ومنهم من وافق الإمام أبي حنيفة بأن الجماعة تتحقق بثلاثة رجال إلى جانب الإمام 26
إخوتي في الله، ستكون لنا في المرة المقبلة إن شاء الله تعالى، وقفة مع خطبة الجمعة والأحكام الخاصة بها،
فتابعونا أكرمكم الله تعالى.
1- الآية رقم 9 من السورة الكريمة.
2- بدائع الصنائع 1\256 +
المبسوط للسرخسي 2\22
3- هذا الحديث أخرجه الحاكم وقال إنه صحيح على شرط الشيخين، ونجده في صحيح مسلم- كتاب المساجد- باب فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها.
4- الترمذي- أبواب الجمعة- باب ما جاء في ترك الجمعة بغير عذر.
5- مسلم- كتاب الجمعة- باب التغليظ في ترك الجمعة.
6- فتاوى السغدي 1\94
7- حلية العلماء 2\223
8- تحفة الملوك 1\91
9- سورة الفرقان، الآية رقم 23
10- مسلم- كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل.
11- المبسوط للسرخسي 2\22، 23.
12- المهذب 1\53
13- الدر المختار 2\136
14- المبسوط للشيباني 1\345
15- بداية المبتدي 1\27
16- المقدمة الحضرمية 1\103
17- حاشية الطحطاوي 1\277
18- المبسوط للسرخسي 2\26
19- البحر الرائق 2\154
20- المبسوط للسرخسي 2\26
21- بدائع الصنائع 1\257+
تحفة الفقهاء 1\161
22- نور الإيضاح 1\83
23- تحفة الفقهاء 1\277
24- المقدمة الحضرمية 1\105
25- المبسوط للسرخسي 2\25
26- الكافي 1\6
__________________
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا
واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا
|