دور الضرب التأديبي في المنظومة العقابية:
يتفاوت الأشخاص في الاستجابة للعقوبة، فمنهم من تكفيه الموعظة الرقيقة، ومنهم من يحتاج للتوبيخ والتقريع، ومنهم من لا تجدي معه إلا العصا. وفي هذا يقول الشاعر:
العبد يقـرع بالعصا والحـر تكفيه الملامة
ويقول آخر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكـته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا
والأطفال عامة لا يعرفون ما ينفعهم وما يضرهم؛ إذ فيهم نقص في الإدراك والعقل، لذا فقد رفع عنهم التكليف حتى البلوغ، وهم أيضاً متفاوتون في الفهم والذكاء، ومختلفون في أمزجتهم وطباعهم، إلى جانب تأثير البيئة والنشأة فيهم والعوامل الوراثية، ولهذا يختلف الباعث فيهم على الخطأ وعدم الاستجابة لما ينفعهم ويصلحهم.
والطفل أولى الناس بالرفق واللين، وهو يحب من يلاطفه ويمازحه، ويبش في وجهه؛ لذا فينبغي حال وقوعه في الخطأ أن نبدأ معه بالتوجيه والإرشاد، والتنبيه والتعليم، وهذا في أموره كلها، وفي الحديث المرفوع قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن أبي سلمة -رضي الله عنه-، وكان غلاماً في حِجره، وكانت يده تطيش في الصَّحْفَةِ: (يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) متفق عليه.
على أن يكون التوجيه بلغة سهلة واضحة، ولا بأس بتكرار التوجيه إذا احتاج الأمر للتكرار، والصبر على ذلك لفترة، ففي الحديث المرفوع: (مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ) رواه أبو داود، وصححه الألباني.
وفي الحديث التدرج بالصغير، والصبر عليه، وعدم التعجل في العقوبة، وتأجيلها إلى العمر الذي يدرك فيها الصغير ويستوعب أهمية ما يؤمر به، وسبب العقوبة الواقعة عليه لتؤتي أكلها.
وقد يجدي مع الصغير -خاصة من نشأ نشأة صالحة- الوعظ والتذكير والترغيب والترهيب، فلا يعدل عنه إلى ما هو فوقه من التغليظ والضرب.
فإذا لم تفلح تلك المحاولات وهذه الأساليب فيكون اللجوء إلى العقوبة الأقوى والأشد، وهي الضرب، والتي تحدث الألم المباشر في نفس المذنب فتردعه عن تكرار الخطأ والتمادي فيه.
فالضرب لا يكون لجميع الصبيان، وإنما على من يستحقه منهم، وهم الذين لا يجدي معهم وسائل التأديب وألوان الوعظ والإرشاد الأخرى، وقد ورد في القرآن الكريم مشروعية معاقبة الناشزات من الزوجات بالضرب إن كان لا يجدي معهن إلا ذلك، وبعد استنفاد الوسائل العقابية الأخرى الأخف، قال -تعالى-: (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا)(النساء:34).
وهذا في الأطفال أولى بشروطه وضوابطه إن خالفوا ما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
والإنسان بطبيعته يقبل على ما يسره ويبتعد عما يؤلمه، فإن وقع عليه الضرب -وإن قل- أوقع في نفسه الخوف من تكراره، فيمتنع عن إتيان المخالفة التي ضرب بسببها لئلا يتكرر ضربه عليه ثانية، والذاكرة تقوم بدور هام إذ يستعيد الصبي عن طريقها أوجاعه، ويستحضر الموقف الذي ارتبط بها.
وليس للمربي أن يبالغ في العقوبة؛ فالمبالغة غير محمودة، فقد تورث البلادة، وتتعدى بشدتها من إرادة التأديب والتهذيب إلى إرادة الانتقام والتشفي.
والضرب الذي يقع على الصبي فيزجره هو أيضاً عظة لغيره من الصبيان الذين يشهدون معاقبته، إذ يلعب الخيال دوره في ذهن من يشاهد العقوبة فيتصور بدافع المشاركة الوجدانية نفسه يتألم مثل هذا المضروب إذا صار مكانه، فيقع في نفسه أيضاً خشية العقاب، ويتجنب الذنب ويرهب المعاقِب.
كما أن ضرب الطفل أمام أقرانه يقلل من شأنه بينهم واحترامهم له، ففيه عقوبة أخرى معنوية؛ لذا فقد ورد الأمر الشرعي بإقامة حد الزنى أمام طائفة من الناس، قال -تعالى-: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(النور:2)، فهذه عقوبة معنوية تتضمن التشهير بالمعاقـَب، إلى جانب جعله عبرة وعظة لغيره، والسعيد من اتعظ بغيره.
والعقوبة المعنوية قد تكون كافيه في ردع الصغير بدون ضرب فيكتفى بها كعلاج، بتوبيخ الصغير وتقريعه بالكلام أمام أقرانه بما يكفي لامتناعه عن تكرار الخطأ. ومن الأطفال من يجدي معه التقريع سراً أو الضرب سراً، فيكون هذا علاجه إن أغنى عما فوقه.
وقبل ذلك وبعده: فإن التربية من الصغر على العقيدة والإيمان بالله، وتعهد النفس بالمراقبة والمحاسبة وخشية الله -تعالى- يجعل الغير على حالة يجدي معها غالباً النصح والترغيب، أو التخويف والترهيب والتذكرة بالآخرة، فلا يحتاج المربي إلى استخدام وسائل العقاب والتأديب؛ فالوقاية دائماً خير من العلاج.