التأديب بالعقوبة حق الأبناء على الآباء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فإن حسن تربية النشء وتهذيبهم مسئولية الآباء والمربين، وهي حق للأبناء على من يتولى أمرهم، لما فيه من مراعاة مصلحتهم ومنفعتهم، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)(التحريم:6)، قال علي -رضي الله عنه-: "علموهم وأدبوهم".
وفي الحديث المرفوع: (وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ) متفق عليه.
وفي هذا يقول الحافظ ابن أبي الدنيا -رحمه الله-:
إن حقَّ التأديب حـــقُّ الأبوة عند أهل الحِجى وأهل المروّة
ووسائل التربية عديدة: منها التربية بالقدوة، والتربية بالعادة، والتربية بالمواقف، والتربية بالموعظة، والتربية بالعقوبة.
والتربية بالعقوبة مما قد يحتاج إليه المربي في سياسة من يربيه ويتعهده، وأساليب العقوبة عديدة ومتنوعة، ومنها المعنوية، ومنها الحسية.
والعقوبة الحسية يدخل فيها ضرب الصبي على خطئه المتكرر بعد استنفاد العقوبات الأخرى الأخف، وهي مما ينبغي أن يضعها المربي في اعتباره كعلاج يقدر بقدر ما ينصلح به حال الصبي.
ومبدأ العقاب على الخطأ مشروع في الإسلام، والحدود الشرعية والتعزيرات عقوبات حسية على أنواع من الجرائم تستلزم شدة الردع، لهذا لا يتنازع الفقهاء في بحث هذا الأصل، إنما يطبقونه بما يلائم الأحوال والظروف، وجميع المربين في الإسلام، يقررون الضرب، ولكن يحيطونه بقيود وضوابط تخفف من وطأته حتى لا يخرج عن الضرب من أجل الزجر إلى الضرب من أجل التشفي أو الانتقام، وعمدتهم في ذلك حديث الأمر بضرب الصبي على الصلاة بعد العاشرة.
وتتضمن هذه الضوابط:
1- ألا يضرب الصبي إلا على ذنب فعله، ويكون مقدار الضرب على قدر هذا الذنب، فينبه الطفل مرة بعد مرة، فإن لم يأخذ بالتوجيه عوقب، وهذا الصبر عليه من باب الرفق به لصغره.
2- ألا يقرر الأب ضرب الصبي إلى بعد استنفاد جميع الوسائل التأديبية الأخرى الأخف.
3- أن يكون الضرب ضرباً غير مبرِّح، بعصا غير غليظة أو سوط معتدل، ويكون على الرجلين أو اليدين، ولا يتعدى الثلاث ضربات، لا تجمع على موضع واحد، ويكون بين الضربتين زمن يخف فيه ألم الضربة الأولى.
4- أن يكون الضرب لصبي في عمر مناسب يقدر فيه على إدراك سبب الضرب ومبرراته.
5- ألا يلجأ المربي إلى الضرب وهو غضبان حتى لا يكون الضرب على وجه الانتقام من الصبي والتشفي بعقابه، فيتعدى القدر الواجب إلى ما فوقه.
6- أن يتولى المربي تنفيذ الضرب بنفسه؛ لا يتركه لقرين من أقران الصبي لئلا يقع بين الصبي وقرينه نوع من البغضاء والحقد بسبب ذلك.
7- لا بأس أن يعطى للطفل الفرصة ليعتذر، أو يتاح المجال للتوسط من الغير، مع أخذ العهد من الصبي بعدم العودة للخطأ ثانية.
وهذا العفو والصفح وسيلة إلى اجتذاب قلب الصبي وتحقيق الألفة معه، وفي القرآن الكريم: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(آل عمران:134)، فإن كان العفو مرغوباً فيه مع الكبار فهو مع الصغار أولى وأوجب.
فإذا استقام الطفل بعد العقوبة الحسية هذه لاطفه المربي ليشعره أنه ما قصد بضربه إلا إصلاحه بعد الخطأ، وهذه الملاطفة هامة لئلا يتخبط الطفل في ردود أفعاله، أو يؤثر ذلك على نفسيته وتصرفاته.