
20-08-2009, 12:01 PM
|
 |
مراقبة الملتقيات
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,882
الدولة :
|
|
رد: نـاس لا يـحـبـهـم الْقهَّـار من الكتاب والسنة والآثار
فصل في حسن الخلق
قال أبو التياح عن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً وعن عطاء عن ابن عمر: قيل يا رسول الله ، أي المؤمنين أفضل ؟ قال «أحسنهم خلقاً». وعن نوح بن عباد عن ثابت عن أنس مرفوعاً «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الاَخرة وشرف المنازل, وإنه لضعيف العبادة, وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد» وعن سيار بن هارون عن حميد عن أنس مرفوعاً «ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والاَخرة» وعن عائشة مرفوعاً «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار».
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس, حدثنا عبد الله بن إدريس, أخبرني أبي وعمي عن جدي عن أبي هريرة رضي الله عنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة, فقال «تقوى الله وحسن الخلق». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار, فقال «الأجوفان: الفم والفرج» وقال أسامة بن شريك: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته الأعراب من كل مكان, فقالوا: يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال «حسن الخلق».
وقال يعلى بن سماك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق, وكذا رواه عطاء عن أم الدرداء به. وعن مسروق عن عبد الله مرفوعاً «إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً».
حدثنا عبد الله بن أبي بدر, حدثنا محمد بن عيسى عن محمد بن أبي سارة عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله ليعطي العبد على الثواب من حسن الخلق, كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه الأجر ويروح».
وعن مكحول عن أبي ثعلبة مرفوعاً «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً أحاسنكم أخلاقاً, وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلاً في الجنة مساويكم أخلاقاً الثرثارون المتشدقون المتفيهقون»
وعن أبي أويس عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً «ألا أخبركم بأكملكم إيماناً أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يؤلفون ويألفون».
وقال الليث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة عن بكر ابن أبي الفرات قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما حسن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار».
وعن عبد الله بن غالب الحداني عن أبي سعيد مرفوعاً «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق». وقال ميمون بن مهران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق» وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر. قال: حدثنا علي بن الجعد, حدثنا أبو المغيرة الأحمسي, حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل من قريش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق, إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب. كما تذيب الشمس الجليد, وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل».
وقال عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده عن أبي هريرة مرفوعاً «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم, ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق». وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين.
فصل في ذم الكبر
قال علقمة عن ابن مسعود رفعه «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر, ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان»
وقال إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً «من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر, أكبه الله على وجهه في النار»
حدثنا إسحاق بن إسماعيل, حدثنا أبو معاوية عن عمر بن راشد عن إياس بن سلمة عن أبيه مرفوعاً «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين, فيصيبه ما أصابهم من العذاب».
وقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود عليهما السلام ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن, فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء, ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر, فسمعوا صوتاً : لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما رفع ..
قال: حدثنا أبو خيثمة, حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه فيقول: خرج من مجرى البول مرتين.
وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار, ثم تلا (َتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص : 19 )
وقال الحسن: عجباً لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين, ثم يتكبر يعارض جبار السموات. قال: حدثنا خالد بن خداش, حدثنا حماد بن زيد عن علي بن الحسن عن الضحاك بن سفيان, فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم وقال الحسن عن يحيى عن أبي قال: إن مطعم بن آدم ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه.
وقال محمد بن الحسين بن علي ـ من ولد علي رضي الله عنه ـ ما دخل قلب رجل شيء من الكبر, إلا نقص من عقله بقدر ذلك.
وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر, ولا مع التوحيد نفاق. ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته, وذلك قبل أن يستخلف, فطعن طاوس في جنبه بأصبعه, وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء ؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عم لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلمون هذه المشية.
فصل في الإختيال
عن أبي ليلى عن ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» ورواه عن إسحاق بن إسماعيل عن سفيان بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعاً مثله. وحدثنا محمد بن بكار, حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره, وبينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله به الأرض, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» وروى الزهري عن سالم عن أبيه بينما رجل إلى آخره.
وقال السعدي رحمه الله :
قوله تعالى : ( وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ*وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ*وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَلَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ*يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ*وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ*) ( لقمان 12-19 )
قال:
يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان ، بالحكمة ، وهي العلم بالحق على وجهه وحكمته ، فهي العلم بالأحكام ، ومعرفة ما فيها ، من الأسرار والإحكام . فقد يكون الإنسان عالما ، ولا يكون حكيما . وأما الحكمة ، فهي مستلزمة للعلم ، بل وللعمل ، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع ، والعمل الصالح . ولما أعطاه الله هذه المنة العظيمة ، أمره أن يشكره على ما أعطاه ،ليبارك له فيه ،وليزيده من فضله ، وأخبره أن شكر الشاكرين يعود نفعه عليهم ، وأن من كفر فلم يشكر لله ، عاد وبال ذلك عليه . (والله غني ) عنه( حميد ) فيما يقدره ويقضيه ، على من خالف أمره . فغناه تعالى ، من لوازم ذاته ، وكونه حميدا في صفات كماله ، حميدا في جميل صنعه ، من لوازم ذاته ، وكل واحد من الوصفين ، صفة كمال ، واجتماع أحدهما إلى الآخر ، زيادة كمال إلى كمال . واختلف المفسرون : هل كان لقمان نبيا ، أو عبدا صالحا ؟ والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة ، وذكر بعض ما يدل على حكمته ، في وعظه لابنه . فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ). وقال له قولا يعظه به ، والوعظ : الأمر ، والنهي ، المقرون بالترغيب والترهيب فأمره بالإخلاص ، ونهاه عن الشرك ، وبين له السبب في ذلك فقال إن الشرك لظلم عظيم ) ووجه كونه ظلما عظيما ، أنه لا أفظع ولا أبشع ممن سوى المخلوق من تراب ، بمالك الرقاب . وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئا ، بمالك الأمر كله . وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه ، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه وسوى من لا يستطيع أن ينعم بمثقال ذرة من النعم ، بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ،ودنياهم ،وأخراهم ، وقلوبهم ، وأبدانهم ، إلا منه ، ولا يصرف السوء إلا هو . فهل أعظم من هذا الظلم شيء ؟ وهل أعظم ظلما ، ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده ، فذهب بنفسه الشريفة ، فجعلها في أخس المراتب ؟ جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا ، فظلم نفسه ظلما كبيرا . ولما أمر بالقيام بحقه ، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد ، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال : ( ووصينا الإنسان ) أي : عهدنا إليه ، وجعلناه وصية عنده ، سنسأله عن القيام بها ، وهل حفظها أم لا ؟ فوصيناه ( بوالديه ) وقلنا له ( اشكر لي ) بالقيام بعبوديتي ، وأدار حقوقي ، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي . ( ولوالديك ) بالإحسان إليهما بالقول اللين ، والكلام اللطيف ، والفعل الجميل ، والتواضع لهما ، وإكرامهما ، وإجلالهما ، والقيام بمؤونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه ، بالقول والفعل .فوصيناه بهذه الوصية ، وأخبرناه أن( إلي المصير ) أي : سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك ، وكلفك بهذه الحقوق ، فيسألك : هل قمت بها ، فيثيبك الثواب الجزيل ؟ أم ضيعتها ، فيعاقبك العقاب الوبيل ؟ وذلك السبب الموجب لبر الوالدين في الأم فقال حملته أمه وهنا على وهن ) أي : مشقة على مشقة ، فلا تزال تلاقي المشاق ، من حين يكون نطفة ، من الوحم ، والمرض ، والضعف ، والثقل ، وتغير الحال ، وثم وجع الولادة ، ذلك الوجع الشديد.. . (وفصاله في عامين ) وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ، ورضاعها . أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد ، مع شدة الحب ، أن يؤكد على ولده ، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه ؟..( وإن جاهداك )أي : اجتهد والداك ( على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما ، لأن حق الله ، مقدم على حق كل أحد ، وقد جاء في الحديث : « لا طاعة لمخلوق ، في معصيةالخالق » . ولم يقل الله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) « فعقهما » . بل قال : ( فلا تطعهما ) أي : في الشرك ، وأما برهما ، فاستمر عليه . ولهذا قال وصاحبهما ف ي الدنيا معروفا ) أي : صحبة إحسان إليهما بالمعروف . وأما اتباعهما ، وهما بحالة الكفر والمعاصي ، فلا تتبعهما .( واتبع سبيل من أناب إلي )وهم المؤمنون بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، المستسلمون لربهم ، المنيبون إليه . واتباع سبيلهم ، أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله ، التي هي انجذاب دواعي القلب وإرادته ، إلى الله ، ثم يتبعها سعي البدن ، فيما يرضي الله ، ويقرب منه ... (ثم إلي مرجعكم ) الطائع والعاصي ، والمنيب ، وغيره .. ( فأنبئكم بما كنتم تعملون ) ، فأجازيك على إيمانكم ، وأجازيهما على كفرهما ، ثم أجازي كلا منكم بما صدر عنه من الخير والشر . فلا يخفى على الله من أعمالهم خافية .
( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ) التي هي أصغر الأشياء وأحقرها .( فتكن في صخرة ) أي : في وسطها ( أو في السماوات أو في الأرض )في أي : جهة من جهاتهما( يأت بها الله ) سعة علمه ، وتمام خبرته وكمال قدرته . ولهذا قال إن الله لطيف خبير) أي : لطف في علمه وخبرته ، حتى اطلع على البواطن والأسرار ، وخفايا القفار والبحار . والمقصود من هذا ، الحث على مراقبة الله ، والعمل بطاعته ، مهما أمكن ، والترهيب من عمل القبيح ، قل أو كثر .
( يا بني أقم الصلاة ) حثه عليها ، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية .( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) وذلك يستلزم العلم بالمعروف ، ليأمر به ، والعلم بالمنكر ، لينهى عنه . والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر إلا به ، من الرفق ، والصبر ، وقد صرح به في قوله : ( واصبر على ما أصابك ) ومن كونه فاعلا لما يأمر به ، كافا لما ينهى عنه ، فتضمن هذا تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر ، وتكميل غيره بذلك ، بأمره ونهيه . ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس ، أمره بالصبر على ذلك فقال: ( واصبر على ما أصابك إن ذلك ) الذي وعظ به لقمان ابنه ( من عزم الأمور ) أي : من الأمور التي يعزم عليها ، ويهتم بها ، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم .( ولا تصعر خدك للناس ) أي : لا تمله وتعبس بوجهك للناس ، تكبرا عليهم ، وتعاظما .( ولا تمش في الأرض مرحا) أي : بطرا ، فخرا بالنعم ناسيا المنعم ، معجبا بنفسك .( إن الله لا يحب كل مختال ) في نفسه وهيئته وتعاظمه ( فخور) بقوله . (واقصد في مشيك ) أي : امش متواضعا مستكينا ، لا مشي البطر والتكبر، ولا مشي التماوت .( واغضض من صوتك ) أدبا مع الناس ومع الله .( إن أنكر الأصوات ) أي : أفظعها وأبشعها ( لصوت الحمير ) . فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة ، لما اختص بذلك الحمار ، الذي قد علمت خسته وبلادته .
***وهذه الوصايا ، التي وصى بها لقمان ابنه ، تجمع أمهات الحكم ، وتستلزم ما لم يذكر منها . وكل وصية يقرن بها ، ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرا ، وإلى تركها إن كانت نهيا . وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة ، أنها العلم بالأحكام ، وحكمها ومناسباتها . فأمره بأصل الدين ، وهو التوحيد ، ونهاه عن الشرك ، وبين له الموجب لتركه . وأمره ببر الوالدين ، وبين له السبب الموجب لبرهما ، وأمره بشكره وشكرهما ، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما ، ما لم يأمرا بمعصية ، ومع ذلك ، فلا يعقهما ، بل يحسن إليهما ، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك . وأمره بمراقبة الله ، وخوفه القدوم عليه . وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر ، إلا أتى بها . ونهاه عن التكبر ، وأمره بالتواضع ، ونهاه عن البطر والأشر ، والمرح ، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات ، ونهاه عن ضد ذلك . وأمره بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الصلاة وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر ، كما قال تعالى : ( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ) (البقرة : 45 )) . فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا ، أن يكون مخصوصا بالحكمة ، مشهورا بها . ولهذا من منة الله على عباده ، أن قص عليهم من حكمته ، ما يكون لهم به أسوة حسنة .***
22- (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ *وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ*وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ *) (الشورى :36- 46 )
قال القرطبي رحمه الله :
قوله تعالى : (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)
(فما أوتيتم من شيء) يريد من الغنى والسعة في الدنيا. (فمتاع الحياة الدنيا) أي فإنما هو متاع في أيام قليلة تمضى وتذهب؛ فلا ينبغي أن يتفاخر به. والخطاب للمشركين...(وما عند الله خير وأبقى) يريد من الثواب على الطاعة ( للذين آمنوا) صدقوا ووحدوا ( وعلى ربهم يتوكلون ) نزلت في أبي بكر الصديق حين أنفق جميع ماله في طاعة الله فلامه الناس. وجاء في الحديث أنه: أنفق ثمانين ألفا.
وقوله تعالى : (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون)
( والذين يجتنبون)الذين في موضع جر معطوف على قوله: (خير وأبقى للذين آمنوا ) أي وهو للذين يجتنبون (كبائر الإثم)... وقرأ حمزة والكسائي ( كبائر الإثم ) والواحد قد يراد به الجمع عند الإضافة؛ كقوله تعالى: ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)(النحل: 18)، وكما جاء في الحديث: "منعت العراق درهمها وقفيزها".وقرأ الباقون بالجمع هنا وفي سورة النجم...(والفواحش) قال السدي: يعني الزنى... وقاله ابن عباس... وقال: كبير الإثم الشرك. وقال قوم: كبائر الإثم ما تقع على الصغائر مغفورة عند اجتنابها. والفواحش داخلة في الكبائر، ولكنها تكون أفحش وأشنع كالقتل بالنسبة إلى الجرج، والزنى بالنسبة إلى المراودة. وقيل: الفواحش والكبائر بمعنى واحد، فكرر لتعدد اللفظ؛ أي يجتنبون المعاصي لأنها كبائر وفواحش. وقال مقاتل: الفواحش موجبات الحدود. (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي يتجاوزون ويحملون عمن ظلمهم. قيل: نزلت في عمر حين شتم بمكة. وقيل: في أبي بكر حين لامه الناس على إنفاق مال كله وحين شتم فحلم. وعن علي رضي الله عنه قال: اجتمع لأبي بكر مال مرة، فتصدق به كله في سبيل الخير؛ فلامه المسلمون وخطأه الكافرون فنزلت: (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ). وقال ابن عباس: شتم رجل من المشركين أبا بكر فلم يرد عليه شيئا؛ فنزلت الآية. وهذه من محاسن الأخلاق؛ يشفقون على ظالمهم ويصفحون عمن جهل عليهم؛ يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه؛ لقوله تعالى في آل عمران: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس)( 134). وهو أن يتناولك الرجل فتكظم غيظك عنه. وأنشد بعضهم:
إني عفوت لظالمي ظلمي ووهبت ذاك لـه على علمي
مازال يظلمني وأحرمـه حتى بكيت لــه من الظلم
وقوله تعالى : ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)
(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة) قال عبدالرحمن بن زيد: هم الأنصار بالمدينة؛ استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر نقيبا منهم قبل الهجرة. (وأقاموا الصلاة) أي أدوها لمواقيتها بشروطها وهيئاتها. (وأمرهم شورى بينهم) أي يتشاورون في الأمور. والشورى مصدر شاورته؛ مثل البشرى والذكرى ونحوه. فكانت الأنصار قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملوا عليه؛ فمدحهم الله تعالى به؛ قاله النقاش. وقال الحسن: أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون؛ فمدحوا باتفاق كلمتهم. قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. وقال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وورد النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له. وقيل تشاورهم فيما يعرض لهم؛ فلا يستأثر بعضهم بخبر دون بعض. وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا. وقد قال الحكيم:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعـن برأي لبيب أومشورة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضةفـإن الخوافي قوة للقوادم
فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب؛ وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة. وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما كان... وقال عمر رضي الله عنه: نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا... وتشاوروا في أهل الردة فاستقر رأي أبي بكر على القتال.... وتشاوروا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده ... وتشاوروا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحروب؛ حتى شاور عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلما في المغازي، فقال له الهرمزان: مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له ريش وله جناح فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس وإن شدخ الرأس ذهب الرجلان والجناحان. والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر والآخر فارس؛؛ فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى... وذكر الحديث. وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط ! إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون؛ فإن أصبت فيهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون.
والمشورة بركة. والمشورة: الشورى، وكذلك المشورة بضم الشين؛ تقول منه: شاورته في الأمر واستشرته بمعنى. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها". قال حديث غريب.
|