
20-08-2009, 11:57 AM
|
 |
مراقبة الملتقيات
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,882
الدولة :
|
|
رد: نـاس لا يـحـبـهـم الْقهَّـار من الكتاب والسنة والآثار
شوقال ابن كثير رحمه الله :
قوله تعالى: (إِنّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىَ فَبَغَىَ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ * )
قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال (إن قارون كان من قوم موسى) قال: كان ابن عمه, وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه كان ابن عم موسى عليه السلام. قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عم موسى بن عمران عليه السلام, قال ابن جريج: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه, والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى, وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة, ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري, فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبراً طولاً ترفعاً على قومه.
وقولهتعالى : (وآتيناه من الكنوز) أي الأموال (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) أي ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود, كل مفتاح مثل الإصبع, كل مفتاح على خزانة على حدته, فإذا ركب حملت على ستين بغلاً أغر محجلاً, وقيل غير ذلك, والله أعلم.
وقوله: (إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) أي وعظه فيما هو فيه صالحو قومه, فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه, يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال, (إن الله لا يحب الفرحين) قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
وقال السعدي رحمه الله :
قوله عالى : (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ )
( إن قارون كان من قوم موسى ) أي : من بني إسرائيل ،الذين فضلوا على العالمين ، وفاقوهم في زمانهم ، وامتن الله عليهم بما امتن به ، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة . ولكن قارون هذا ، انحرف عن سبيل قومه ( فبغى عليهم ) وطغى ، بما أوتيه من الأمور العظيمة المطغية . ( وآتيناه من الكنوز ) أي : كنوز الأموال شيئا كثيرا . ( ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ) والعصبة ، من العشرة إلى التسعة إلى السبعة ، ونحو ذلك . أي : حتى إن مفاتح خزائن أمواله ، تثقل الجماعة القوية عن حملها ... هذه المفاتيح ، فما ظنك بالخزائن ؟( إذ قال له قومه ) ناصحين له محذرين له عن الطغيان لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ) أي : لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة ، وتفتخر بها ، وتلهيك عن الآخرة ، فإن الله لا يحب الفرحين بها ، المنكبين على محبتها .
19-(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص : 77 )
قال القرطبي رحمه الله :
قوله تعالى وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) أي أطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي... (ولا تنس نصيبك من الدنيا) اختلف فيه؛ فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا تعمل عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها ؛ فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة.
وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه،ونظرك لعاقبة دنياك ؛ فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبْوة من الشدة؛ قاله ابن عطية ..
قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا....وعن الحسن: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغ.... وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف وقيل: أراد بنصيبه الكفن فهذا وعظ متصل؛ كأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر: نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط
وقـــال آخر: وهي القناعة لا تبغي بها بدلا فيها النعيم وفيها راحــة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال، فهو نصيبك من الدنيا.. وما أحسن هذا.
(وأحسن كما أحسن الله إليك) أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك... ومنه الحديث: ما الإحسان ؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه" ... وقيل: هو أمر بصلة المساكين.
قال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة جماعها استعمال نعم الله في طاعة الله ...وقال مالك: الأكل والشرب من غير سرف... قال ابن العربي: أرى مالكا أراد الرد على الغالين في العبادة والتقشف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلواء، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد ...
(ولا تبغ الفساد في الأرض) أي لا تعمل بالمعاصي (إن الله لا يحب المفسدين).
وقال ابن كثير رحمه الله :
قوله تعالى : : (وابتغ فيما آتاك الله الدار الاَخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات, التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والاَخرة ... (ولا تنس نصيبك من الدنيا) أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح, فإن لربك عليك حقاً, ولنفسك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً, ولزورك عليك حقاً, فآت كل ذي حق حقه (وأحسن كما أحسن الله إليك) أي أحسن إلى خلقه, كما أحسن هو إليك...(ولا تبغ الفساد في الأرض) أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض, وتسيء إلى خلق الله (إن الله لا يحب المفسدين).
وقال السعدي رحمه الله :
(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) أي : قد حصل عندك من وسائل الآخرة ، ما ليس عند غيرك من الأموال فابتغ بها ما عند الله ، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات ، وتحصيل اللذات . ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) أي : لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك ، وتبقى ضائعا ، بل أنفق لآخرتك ، واستمتع بدنياك ، استمتاعا لا يثلم دينك ، ولا يضر بآخرتك .( وأحسن كما أحسن الله إليك ) أي أحسن إلى عباد الله بهذه الأموال . ( ولا تبغ الفساد في الأرض) بالتكبر ، والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنعم عن المنعم . (إن الله لا يحب المفسدين ) بل يعاقبهم على ذلك ، أشد العقوبة .
20-( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) (الروم :42- 45 )
قال الطبري رحمه الله :
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: (قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مّشْرِكِينَ).
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بـالله من قومك: سِيروا فـي البلاد, فـانظروا إلـى مساكن الذين كفروا بـالله من قبلكم, وكذّبوا رسلَه, كيف كان آخر أمرهم, وعاقبة تكذيبهم رسُلَ الله وكفرهم .. ألـم نهلكْهم بعذاب منا, ونـجعلهم عبرة لـمن بعدهم؟...(كان أكثرهم مشركين)، يقول: فَعَلنا ذلك بهم, لأن أكثرهم كانوا مشركين بـالله مثلَهم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ الْقِيّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاّ مَرَدّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ يَصّدّعُونَ).
يقول تعالـى ذكره: فوجّه وجْهَك يا مـحمد نـحوَ الوجه الذي وجّهك إلـيه ربك للدّينِ القَـيّـمِ لطاعة ربك, والـمِلةِ الـمستقـيـمةِ التـي لا اعوجاج فـيها عن الـحقّ.(مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِـيَ يَوْمٌ لا مَرَدّ لَهُ مِنَ اللّهِ) يقول تعالـى ذكره: من قبل مـجيءِ يومٍ من أيام الله لا مردّ له لـمـجيئه, لأن الله قد قضى بـمـجيئه فهو لا مـحالة جاءٍ..(يَوْمَئِذٍ يَصّدّعُونَ) يقول: يوم يجيء ذلك الـيومُ يصدّع الناسُ, يقول: يتفرّق الناس فرقتـين من قولهم: صَدَعتُ الغنـم صدعتـين: إذا فرقتها فرقتـين: فريق فـي الـجنة, وفريق فـي السعير...
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ).
يقول تعالـى ذكره:(من كفر) بـالله ، (فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي أوزار كفره, وآثام جحوده نِعَمَ ربه...(وَمَنْ عَمِلَ صَالِـحا) يقول: ومن أطاع الله, فعمل بـما أمره به فـي الدنـيا, وانتهى عما نهاه عنه فـيها (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) يقول: فلأنفسهم يستعدون, ويسوّون الـمضجع لـيسلـموا من عقاب ربهم, وينـجوا من عذابه, كما قال الشاعر:امْهَدْ لنَفْسِكَ حانَ السّقْمُ والتّلَفُوَلا تُضِيعَنّ نَفْسا ما لَهَا خَـلَفُ
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: (لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ).
يقول تعالـى ذكره: يومئذ يصّدّعون... لِـيَجزيَ الّذِينَ آمَنُوا بـالله ورسوله وعَمِلُوا الصّالِـحاتِ يقول: وعملوا بـما أمرهم الله مِنْ فَضْلِهِ الذي وعد من أطاعه فـي الدنـيا أن يجزيه يوم القـيامة إنّهُ لا يُحِبّ الكافِرِينَ يقول تعالـى ذكره: إنـما خصّ بجزائه من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالـحات دون من كفر بـالله, إنه لا يحبّ أهل الكفر به. واستأنف الـخبر بقوله إنّه لا يُحِبّ الكافِرِينَ وفـيه الـمعنى الذي وصفت.
قال القرطبي رحمه الله :
قوله تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)
(قل سيروا في الأرض) أي قل لهم ، يا محمد ، سيروا في الأرض.. ليعتبروا بمن قبلهم، وينظروا كيف كان عاقبة من كذب الرسل..( كان أكثرهم مشركين) أي كافرين فأُهلِكوا....
قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)
(فأقم وجهك للدين القيم) قال الزجاج: أي أقم قصدك، واجعل جهتك اتباع الدين القيم؛ يعني الإسلام. وقيل: المعنى أوضح الحق وبالغ في الإعذار، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم...(من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) أي لا يرده الله عنهم، فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه ... والمراد يوم القيامة. (يومئذ يصدعون) قال ابن عباس: معناه يتفرقون. وقال الشاعر:وكنا كنَدْمانَي جَذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
أي لن يتفرقا؛.. نظيره قوله تعالى: (يومئذ يتفرقون)(الروم: 149) :فريق في الجنة ، وفريق في السعير. والأصل يتصدعون؛ ويقال: تصدع القوم إذا تفرقوا؛ ومنه اشتق الصداع، لأنه يفرق شعب الرأس.
قوله تعالى مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)
(من كفر فعليه كفره) أي جزاء كفره. ( ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشا ومسكنا وقرارا بالعمل الصالح؛.. ومنه: مهد الصبي. والمهاد الفراش، وقد مهدت الفراش مهدا: بسطته ووطأته. وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. وتمهيد العذر: بسطه وقبوله. والتمهد: التمكن. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى :(فلأنفسهم يمهدون) قال: في القبر.
قوله تعالى لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ )
(ليجزي الذين آمنوا) أي يمهدون لأنفسهم ليجزيهم الله من فضله. وقيل يصدعون ليجزيهم الله؛ أي ليتميز الكافر من المسلم....(إنه لا يحب الكافرين).
قال البغوي رحمه الله :
قوله تعالى : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل)، لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية، (كان أكثرهم مشركين) ، أي: كانوا مشركين بالله، فأهلكهم بكفرهم...(فأقم وجهك للدين القيم) ؛أي الدين المستقيم ، وهو دين الإسلام...(من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله)، يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رده من الله...(يومئذ يصدعون)، أييتفرقون: فريق في الجنة ، وفريق في السعير...
(من كفر فعليه كفره)، أي وبال كفره...(ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون)، يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور.. (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم، (إنه لا يحب الكافرين).
وقال السعدي رحمه الله :
قوله تعالى : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) والأمر بالسير في الأرض ، يدخل فيه السير بالأبدان ، والسير بالقلوب للنظر والتأمل ، في عواقب المتقدمين ... (كان أكثرهم مشركين ) تجدون عاقبتهم شر العواقب ، ومآلهم شر مآل . عذاب استأصلهم ، وذم ولعن من خلق الله يتبعهم ، وخزي متواصل . فاحذروا أن تفعلوا أفعالهم ، لئلا يحذى بكم حذوهم ، فإن عدل الله وحكمته في كل زمان ومكان ( فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين )أي : أقبل بقلبك ، وتوجه بوجهك ، واسع ببدنك ، لإقامة الدين القيم المستقيم . فنفذ أوامره ونواهيه ، بجد واجتهاد ، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة . وبادر زمانك ، وحياتك ، وشبابك ، ( من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ) وهو يوم القيامة ، الذي إذا جاء ، لا يمكن رده ، ولا يرجأ العاملون ليستأنفوا العمل ، بل فرغ من الأعمال ، لم يبق إلا جزاء العمال ( يومئذ يصدعون) أي : يتفرقون عن ذلك اليوم ، ويصدرون أشتاتا متفاوتين ، ليروا أعمالهم . ( من كفر ) منهم ( فعليه كفره ) ويعاقب هو بنفسه ، لا تزر وازرة وزر أخرى . ( ومن عمل صالحا ) من الحقوق التي لله ، والتي للعباد ، الواجبة والمستحبة .( فلأنفسهم ) لا لغيرهم ( يمهدون) أي : يهيئون ، ولأنفسهم يعمرون آخرتهم ، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها . ومع ذلك ، جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم ، بل يجزيهم الله من فضله الممدود ، وكرمه غير المحدود ، ما لا تبلغه أعمالهم . وذلك لأنه أحبهم ، وإذا أحب الله عبدا ، صب عليه الإحسان صبا ، وأجزل له العطايا الفاخرة ، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة . وهذا بخلاف الكافرين ، فإن الله لما أبغضهم ومقتهم ،عاقبهم وعذبهم ، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم ، فلهذا قال : (إنه لا يحب الكافرين)..
21- (و- (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ *وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ*وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ *) (الشورى :36- 46 )
|