عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 20-08-2009, 11:45 AM
الصورة الرمزية أم عبد الله
أم عبد الله أم عبد الله غير متصل
مراقبة الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
مكان الإقامة: أبو ظبي
الجنس :
المشاركات: 13,882
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نـاس لا يـحـبـهـم الْقهَّـار من الكتاب والسنة والآثار

قال الطبري رحمه الله :
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
(فَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مّن نّاصِرِينَ * وَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ)
يعنـي بقوله جلّ ثناؤه:
(فَأمّا الّذِينَ كَفَرُوا): فأما الذين جحدوا نبوّتك يا عيسى, وخالفوا ملتك, وكذّبوا بـما جئتهم به من الـحقّ, وقالوا فـيك البـاطل, وأضافوك إلـى غير الذي ينبغي أن يضيفوك إلـيه من الـيهود والنصارى, وسائر أصناف الأديان فإنـي أعذّبهم عذابـا شديدا... أما فـي الدنـيا، فبـالقتل والسبـاء والذلة والـمسكنة ؛ وأما فـي الاَخرة،فبنار جهنـم خالدين فـيها أبدا. (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) يقول: وما لهم من عذاب الله مانع, ولا عن ألـيـم عقابه لهم دافع، بقوّة ولا شفـاعة, لأنه العزيز ذو الانتقام.

وأما قوله: (وأمّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِـحَاتِ) فإنه يعنـي تعالـى ذكره: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى, يقول: صدّقوك فأقرّوا بنبوّتك, وبـما جئتهم به من الـحقّ من عندي, ودانوا بـالإسلام الذي بعثتك به, وعملوا بـما فرضت من فرائضي علـى لسانك, وشرعت من شرائعي, وسننت من سننـي. كما:
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: (وَعَمِلُوا الصّالِـحَاتِ) يقول: أدَّوا فرائضه, فـيوفـيهم أجورهم, يقول: فـيعطيهم جزاء أعمالهم الصالـحة كاملاً لا يُبخَسون منه شيئا ولا ينقصونه.

وأما قوله: (وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِـمِينَ) فإنه يعني: والله لا يحبّ من ظلـم غيره حقا له, أو وضع شيئا فـي غير موضعه. فنفـى جلّ ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلـم عبـاده, فـيجازي الـمسيء مـمن كفر جزاء الـمـحسنـين مـمن آمن به, أو يجازي الـمـحسن مـمن آمن به واتبع أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه, جزاء الـمسيئين مـمن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه, فقال: إنـي لا أحبّ الظالـمين, فكيف أظلـم خـلقـي.
وهذا القول من الله تعالـى ذكره, وإن كان خرج مخرج الـخبر, كأنه وعيد منه للكافرين به وبرسله, ووعد منه للـمؤمنـين به وبرسله, لأنه أعلـم الفريقـين جميعا أنه لا يبخس هذا الـمؤمن حقه, ولا يظلـم كرامته, فـيضعها فـيـمن كفر به, وخالف أمره ونهيه, فـيكون لها بوضعها فـي غير أهلها ظالـما.

وقال السعدي رحمه الله
... وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكَماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسِّر الصليب، ويتَّبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ،ويعلَم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون... وقوله تعالى لعيسى عليه السلام: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(آلعمران 55) المراد بمَن اتَّبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه... ثم لما جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا هم أتباعه حقا فأيدهم الله ونصرهم على الكفار كلهم وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم ..(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور : 55 )...ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره الله النصر المبين وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء والله عزيز حكيم .. ثم بين ما يفعله بهم (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ* وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) وهذا الجزاء عام لكل من اتصف بهذه الأوصاف من جميع أهل الأديان السابقة ثم لما بعث سيد المرسلين وخاتم النبيين ونَسخت رسالتُه الرسالاتِ كلِّها ونَسخ دينُه جميعَ الأديان صار المتمسك بغير هذا الدين من الهالكين ...


6- (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران : 140 )

قال القرطبي رحمه الله :

قوله تعالى : (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ) القرح الجرح. والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش؛ مثل عَقْر وعُقْر. الفراء: هو بالفتح الجُرح، وبالضم ألَمُه. والمعنى: إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله. وقرأ محمد بن السميقع "قرح" بفتح القاف والراء على المصدر.( وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم؛ فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون. وقيل: (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر. والدُّولَة الكرة؛ قال الشاعر:
فيومٌ لنا ويوم علينـا ويوم نُساء ويوم نُسَـرُّ
وقوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ) معناه، وإنما كانت هذه المداولة ليُرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض؛ كما قال(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ) (آل عمران 167-167 ) وقيل: ليعلم صبر المؤمنين، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم.
قوله تعالى: (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء) أي يكرمكم بالشهادة؛ أي ليُقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة؛ فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح ... والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى(إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة : 111 ) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( 11 ) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ( الصف: 10 - 11 – 12) وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم *ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم منالقرحة*. وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة). وفي البخاري: "من قتل من المسلمين يوم أحد" منهم حمزة واليمان والنضر بن أنس ومصعب بن عمير، حدثني عمرو بن علي أن معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال: ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون. قال: وكان بئر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب. وقال أنس: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن.
وفي قوله تعالى: (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء) دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقول أهل السنة؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزة وأصحابه وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق: (وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة : 46 ). وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا.
روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له: (خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل.
(وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) أي المشركين، أي وإن أنال الكفارَ من المؤمنين فهو لا يحبهم، وإن أحلَّ ألماً بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين.

وقال السعدي رحمه الله : (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
قوله تعالى : (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ " فأنتم وهم قد تساويتم في القرح ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى : (وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء : 104 ) ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر والبر والفاجر فيداول الله الأيام بين الناس يوم لهذه الطائفة ويوم للطائفة الأخرى ؛ لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية وهذا بخلاف الدار الآخرة فإنها خالصة للذين آمنوا...( وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) هذا أيضا من الحكم أنه يبتلى الله عباده بالهزيمة والابتلاء ليتبين المؤمن من المنافق ؛ لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام في الضراء والسراء واليسر والعسر ممن ليس كذلك (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ) وهذا أيضا من بعض الحكم لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها فهذا من رحمته بعباده المؤمنين أن قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم
(وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) الذين ظلموا أنفسهم وتقاعدوا عن القتال في سبيله...


7-(وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً* الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا* الّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مّهِيناً * وَالّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً) (النساء 36 -39)
قال ابن كثير رحمه الله :
يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له, فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الاَنات والحالات, فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً من مخلوقاته, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل :«أتدري ما حق الله على العباد ؟ قال: الله ورسوله أعلم, قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً», ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ أن لا يعذبهم» ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين, فإن الله سبحانه جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود وكثيراً ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين, كقوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان : 14 )؛ وكقوله : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء : 23 )... ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء كما جاء في الحديث «الصدقة على المسكين صدقة, وعلى ذي الرحم صدقة وصلة», ثم قال تعالى: (واليتامى) وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم ثم قال (والمساكين) وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم, فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم ...
وقوله تعالى: (والجار ذي القربى والجار الجنب) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (والجار ذي القربى), يعني الذي بينك وبينه قرابة, (والجار الجنب) الذي ليس بينك وبينه قرابة, وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة, وقال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله تعالى : (والجار ذي القربى), : يعني الجار المسلم, والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني, رواه ابن جرير وابن أبي حاتم, وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود: (والجار ذي القربى), يعني المرأة وقال مجاهد أيضاً في قوله: (والجار الجنب) يعني الرفيق في السفر, وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار, فلنذكر منها ما تيسر وبالله المستعان.
(الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه محمداً يحدث عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر به...
(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن داود بن شابور, عن مجاهد, عن عبد الله بن عَمْرو, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة, عن بشير أبي إسماعيل, زاد الترمذي: وداود بن شابور, كلاهما عن مجاهد به, ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه, وقد روى عن مجاهد عائشة وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ...
(الحديث الثالث) قال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الله بن يزيد, أخبرنا حيوة, أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد, عن عبد الله بن المبارك, عن حيوة بن شريح به, وقال حسن غريب...
(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا سفيان عن أبيه, عن عباية بن رفاعة, عن عمر, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يشبع الرجل دون جاره», تفرد به أحمد...
(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله, حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان, حدثنا محمد بن سعد الأنصاري, سمعت أبا ظبية الكلاعي, سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :«ما تقولون في الزنا ؟» قالوا حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره», قال «ما تقولون في السرقة ؟» قالوا: حرمها الله ورسوله, فهي حرام, قال «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» تفرد به أحمد, وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال : قلت : يا رسول الله, أي الذنب أعظم ؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك» قلت: ثم أي ؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت ثم أي ؟ قال «أن تزاني حليلة جارك»...
(الحديث السادس) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, حدثنا هشام عن حفصة, عن أبي العالية, عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم , فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه, فظننت أن لهما حاجة, قال الأنصاري: لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام, فلما انصرف قلت: يا رسول الله, لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: «ولقد رأيته ؟» قلت: نعم. قال «أتدري من هو ؟». قلت: لا, قال «ذاك جبريل, ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ثم قال «أما إنك لو سلمت عليه لرد عليك السلام»...
(الحديث السابع) قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد, حدثنا أبو بكر يعني المدني, عن جابر بن عبد الله, قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله صلى الله عليه وسلم , وجبريل عليه السلام, يصليان حيث يصلى على الجنائز, فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله, من هذا الرجل الذي رأيت معك ؟ قال «وقد رأيته ؟» قال: نعم. قال «لقد رأيت خيرا كثيراً, هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه», تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي قبله...
(الحديث الثامن) قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي, حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك, أخبرني عبد الرحمن بن الفضل عن عطاء الخراساني, عن الحسن, عن جابر بن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد, وهو أدنى الجيران حقاً, وجار له حقان, وجار له ثلاثة حقوق, وهو أفضل الجيران حقاً, فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له, له حق الجوار, وأما الذي له حقان فجار مسلم, له حق الإسلام وحق الجوار, وأماالذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم» قال البزار: لا نعلم أحداً روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك...
(الحديث التاسع) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي عمران, عن طلحة بن عبد الله, عن عائشة, أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال «إلى أقربهما منك بابا», ورواه البخاري من حديث شعبة به,...
(الحديث العاشر) روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن, فزاد: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه, فقال «ما يحملكم على ذلك» ؟ قالوا: حب الله ورسوله. قال «من سره أن يحب الله ورسوله فليصدق الحديث إذا حدث, وليؤد الأمانة إذا ائتمن».
(الحديث الحادي عشر) قال أحمد: حدثنا قتيبة, حدثنا ابن لهيعة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أول خصمين يوم القيامة جاران»
وقوله تعالى: (والصاحب بالجنب) قال الثوري, عن جابر الجعفي, عن الشعبي, عن علي وابن مسعود, قالا: هي المرأة, وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات, نحو ذلك, وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر, وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح, وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر, وأما ابن السبيل, فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف, وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازاً في السفر, وهذا أظهر, وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق, فهما سواء, وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة, وبالله الثقة وعليه التكلان.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.45%)]