بسم الله الرحمن الرحيم
قصة الحمّارين الثلاثة وأمير الأندلس
كان في مدينة بغداد ثلاثة حمّارين ، يخرجون من الصباح الباكر إلى عملهم ، ولا يعودون إلّا مساءً ، وكان العمل شاقًا طوال اليوم بحثًا عن لقمة عيشٍ يقتاتون بها ، ويطعمون صغارهم .
وفي ليْلةٍ من الليالي المقمرة ، جلس الحمّارون الثلاثة يتسامرون ، فقال أحدهم :
ما رأيكم لو تمنى كل واحدٍ منا أمنيةً ، علّنا نُسلِّي ليلنا ونقطع الوقت .
استحسن أخواه الفكرة ، فبدأ هو بقوله :
أنا أتمنى أن يكون عندي حمارٌ آخر ، لأُريح حماري المسكين من عناء العمل المتواصل طِوال اليوم .
وقال الثاني : أما أنا فأتمنى علفًا كثيرًا لعل حماري يعمل يومه بنشاط ، ويدِرَّ عليّ رزقًا وفيرًا .
وقال الثالث : أما أنا فأتمنى أن أصبح أمير الأندلس .
يا إلهي ! قالها صديقاه بوقتٍ واحد، أمير الأندلس!!
قال نعم ، أليس الأمر هو مجرّد أماني وأحاديث نفس ، إذن أتمنى أن أكون أمير الأندلس.
ضحك صديقاه حتى انقلب الأول على قفاه من الضحك ، فاستوقفهما وقال لهما : ليتمنى كل واحدٍ منكما أمنيةً أحققها له حال ما أصبح أميرًا للأندلس .
فقال الأول وكاد يغشى عليه من الضحك ؛ إن أصبحت أمير الأندلس ، فاستدعني إلى بلاطك واجلدني مئة سوطٍ واحملني على ظهر حمارٍ ، اجلسني عليه بالمقلوب ، ولف بي شوارع المدينة وأنا أقول أنا الكذاب أنا الكذاب .
قال له : لك ذلك إن شاء الله.
والتفت إلى صديقه الآخر وقال له : وانت ماذا تتمنى ؟
قال : بما أن الموضوع هو أمنيات ، فأنا أتمنى جاريةً حسناء ، وقصرًا جميلاً ، ومالاً وفيرًا .
قال له : لك ذلك إن شاء الله
ودّع الحمّارون بعضهم ، ومضى كلٌ في طريقه .
ومرّت السنون والأعوام ، وافترق الحمّارون عن بعض ،
وكان الحمّار الثالث طموحًا ، فدفعه طموحه إلى التقديم بالشرطة في بغداد ، وكان له ما اراد .
عمل الحمّار جنديًا صغيرًا لفترة من الزمن ، ولذكائه وفطنته ؛بدأ يعتلي المناصب والرُتب ، حتى أصبح رئيس شُرطة بغداد ، وتقرّب من الخليفة هناك .
كانت الأندلس آنذاك تحت إمارة أميرٍ ضعيف الشخصيّة ، وكثُرت فيها النزاعات والحروب ، فقرر الخليفة إرسال الحمّار إلى الأندلس ، ليشغَل وظيفة مساعد الأمير .
اشتغل الحمّار مساعدًا لأمير الأندلس ، ولكن كُثرة الحروب أدت إلى تنحي أمير الأندلس وتولي الحمّار إمارتها ، وقد أبلى بلاءً حسنًا ، واستطاع أن ينهي الخلافات ويقضي على الفتن .
جلس الحمّار على كرسيّ الإمارة في الأندلس ، والحرس من حوله ، وتذكر صديقيه الحمّارين وما وعدهما به ،فأمر حراسه بالبحث عنهما .
فلما مثُلا أمامه ، نظر إليهما فعرفاه ، وارتعدت فرائص الحمّار الأول ، بينما استهل وجه الحمّار الثاني بالبِشر والحبور .
قال لصديقه الأول : أتذكر يوم كذا عندما تمنينا الأماني ، وضحكت من أمنيتي ، وطلبت مني أن أجلدك وأجول بك في شوارع الأندلس على حمار .
قال الحمّار والكرب يعتريه : يا سيدي الأمير ، عفى الله عمّا سلف ، وهذه أماني ذهبت ، فاعف عني ، إن الله يحب المحسنين.
قال الأمير : لا والله لن أتركك بدون أن أحقق لك أمنيتك ، وأمر حراسه بأخذه وعمل اللازم معه .
والتفت إلى صديقة الآخر وقال له : وأنت أيضًا سأحقق لك أمنيتك .
نادى على حرسه ، وأمر له بقصرٍ وجاريةٍ ومال ، فذهب وهو فرحًا مسرورًا ، يدعو للأمير الطيب ، وهو في غاية الدهشة من تحقق أمنيته التي قالها من باب الدعابة
انتهت القصة ، ولكن لم أنتهِ بعد.
فالأمنيات إن نبعت من ثقةٍ بالله ، وحسن ظنٍ به ، فهي بلا شك ، طريق نرسمه لأنفسنا .
فكم من شخص ناجح بدأ طريقه بأماني ربما رآها البعض ضربًا من الجنون ، واستهان بها آخرون .
ولكن مع الأيام وجدها حقيقة ماثلة أمام عينيه .
فهل يا ترى الحظ هو السبب في تحقيق أمنياتٍ دون غيرها؟
مما لا شك فيه أنّ من يرى الحظ يسيِّر حياته ؛ هو شخصٌ عديم الثِّقة بالله ، وعديم الثقة بالنفس ، وهذا لا ينافي الإيمان بالقدر
قال تعالى "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ " التوبة : 105
فالعمل العمل ، وإياكم والتواني والكسل ، ولا يغُرنَّكم طول الزمان ، وبُعد المكان ، فسبحان من لا يعجز عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ، والفرج آتٍ ولو بعد حين .
والآن ليتمنَ كل واحدٍ منا أمنيةً ،وولنتذكرها، فلربما بعد مضي أعوام يكتب الله لنا اللقاء ، ووقتها سنذكر كيف كنا ننظر إليها بعين العجب ، وبأنها بعيدة ، ومستحيلة .
ما رأيكم ؟
هيا لنتمنى
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أختكم في الله
بشرى