فإذا كان هذا أمراً مسلّماً في دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً سواه , فإن الديمقراطية تقوم على أساس مناقض لهذا الأصل مناقضة تامة , فهي باختصار تسلب هذا الحق من الله تعالى وتقدمه بكل تقديس وتبجيل واحترام للشعب ومن ثم لمن ينوبون عنه وهم أعضاء البرلمان , فحق التحليل والتحريم في النظام الديمقراطي ليس لله أو هو ليس لله وحده وإنما للشعب الذي يقوم بتقديم هذا الحق لنوابه في البرلمان , فتكون النتيجة إذاً أن الحلال ما أحلوه والحرام ما حرّموه والحسن ما استحسنوه والقبيح ما استقبحوه والقانون ما ارتضوه والشرع ما قرروه ! فلا عبرة بدين ولا شرع ولا قانون إلا أن يكون صادراً من البرلمان , وهذه ردة سافرة , والأمة متفقة على أن الإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً ,
ولهذا فإني أرى أن أصدق وصف يمكن أن يطلق على البرلمان هو مجلس الأرباب وليس مجلس النواب , فهذا هو استعمال القرآن كما جاء في الصورة المطابقة لمجالس البرلمانات , قال الله تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
ويا عجباً كيف يفعل الضلال بأهله ! فإذا كان الأحبار الذين هم علماؤهم , والرهبان الذين هم عُبّادهم أرباباً لمن يتبعهم في تحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال مع أنهم يتكلمون باسم الله ويصدرون أحكامهم التشريعية تحت لافتة الدين , ويزعمون أن هذا هو ما يحبه الله ويرضاه , فكيف بمجالس أرباب العصر البرلمانات التي يغلب عليها العلمانيون والشيوعيون والملاحدة والزنادقة والفسقة والفجرة الذين يصرحون بعداوة الدين ويجاهرون ببراءتهم من شريعة الإسلام فضلاً عن أن يتكلموا باسمه كما يفعل أحبار ورهبان بني إسرائيل .
إن ما يقوم به هؤلاء الأحبار والرهبان هو عين المهمة التي يمارسها البرلمانيون اليوم وهي التحليل والتحريم لمن انتخبهم وأنابهم لتكون تشريعاتهم بذلك سارية عليه ملزمة له معاقباً على مخالفتها ومحترماً باحترامها والتزامها وهو بذلك قد اتخذهم أرباباً .
والفرق بين برلمان الأحبار والرهبان وبين برلمان أرباب العصر أن أولئك كانوا يحللون ويحرمون باسم الله والدين تبعاً لمهمتهم كعلماء وعُبّاد , وأما أرباب العصر فإنهم يحللون ويحرمون من غير تقديس لشرع , ولا احترام لدين , ولا اعتبار لحكم , وإنما هو النظر المجرّد والهوى الأخرق والجهل المطبق والمخالفة المتعمدة لشرع الله والمصادمة المقصودة لدينه , فأي الفريقين أحق بالذم والجرم إن كنتم تعقلون ؟
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } , قال: قلت يا رسول الله إنا لم نتخذهم أرباباً , قال : "بلى , أليس يحلون لكم ما حُرِّم عليكم فتُحِلونه و يحرِّمون ما أحل الله لكم فتُحرِّمونه ؟" , فقلت : بلى , فقال : " تلك عبادتهم" .
إن أولئك الأحبار والرهبان ربما لم يعطوا أنفسهم حق التشريع كصفة دائمة محترمة في حقهم وإنما مارسوه عملياً في بعض مسائلهم , أما برلمانات اليوم فهي تنص صراحة وبكل جرأة ووقاحة على أن حق التشريع راجع إليها ومختص بأصحابها وداخلاً دخولاً أولياً في مهامهم , بمعنى أن المرء بمجرد دخوله قبة البرلمان فقد تلبّس بهذه الصفة وأُعطي هذا الحق وصار في عرف الديمقراطية رباً مقدس الرأي محترم الفكر محمي الجناب فيما يقدمه من تشريعات ونظم فليقترح ما شاء وليقدم ما يرى ويهوى , فما دام تحت قبة البرلمان فإنه لا يُسأل عما يفعل , وهذا هو الكفر البواح والشرك الصراح سواء شرّع أم لم يشرِّع , فممارسة التشريع شرك , وإعطاء هذا الحق لأي أحد سوى الله سبحانه يُعد شركاً آخر حتى ولو لم يمارسه عملياً وهو شرك في الربوبية وكل امرئ حسيب نفسه , قال الله تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } , وقال سبحانه : { وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .
فأجيبوا يا دعاة ديمقراطية الإسلام مَن الذي أعطاكم هذا الحق ؟ وكيف يجتمع ما تدعون إليه مع دين التوحيد الذي يقول الحلال ما أحله الله لا ما أحله البرلمان , والحرام ما حرّمه الله لا ما حرّمه البرلمان , والدين ما شرعه الله لا ما شرعه البرلمان , والعقوبة على ما خالف أمر الله لا على ما خالف أمر البرلمان , إنكم حقاً تخادعون الناس حينما تقولون لهم إن دعوتكم هي دعوة الإسلام وطريقكم هي طريق سيد الأنام , ثم لا تلبثون أن تنقضوا ذلك كله بدعوتهم لأن ييمموا شطر البرلمان الذي شاركتم في غرس قدسيته وحصانته في قلوبهم فكنتم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً , كيف تدعون إلى التوحيد وأنتم تهدمونه ؟
أم كيف تسعون لتحكيم شريعة الرحمن وأنتم تشاركون في تسويغ وتعزيز شريعة الشيطان ؟
وكيف تأمرون الناس بعبادة الله وحده وأنتم من أول من يحترم ويلتزم شرائع البرلمان وقوانين البرلمان ؟
وكيف تسعون لهدم الأصنام والآلهة وجماعاتكم تشاطر الأنظمة في تشييد أعظم صنم عصري يحل ويحرم ويقضي ويحكم ويعطي ويمنع ألا وهو البرلمان ؟
أم كيف تزعمون أنكم تدعون بدعوة القرآن الذي أمر باجتناب الطاغوت في نفس الوقت الذي تحثونهم على الإيمان به وتعظيم الناطقين باسمه ؟
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ , كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } , وقال تعالى: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } , وقال سبحانه : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.
إن المسألة لا تحتمل اللجلجة , ولا سبيل فيها إلى التلبيس والمراوغات , وإلا فلو كان الدين يقام بهذه الترّهات ويمكّن بطرق الالتواء والمخادعات فما كان أيسر مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام , وقد قال الله تعالى: { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ }.
إن كتاب ربنا يقول لنا : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .
وأما الديمقراطية فإنها تقول عليكم بطاعة البرلمان فيما أحل وحرم وحكم وألزم فلا تثريب عليكم ولا مؤاخذة بل ذلك عين المصلحة , وإن أطعتموه ( أي البرلمان ) إنكم لموحدون !
ذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآية أن بعضاً من الكفار جاؤوا يجادلون المسلمين ويبثون بينهم الشبه , فقالوا في شأن الميتة التي حرمها الله تعالى : كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله وما ذبح الله فلا تأكلونه وما ذبحتم أنتم أكلتموه ؟ فقال الله : {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } فأكلتم الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .
نعم إنها مجرد شبهة ألقاها هؤلاء المشركون وأوحاها إليهم شياطينهم , وفي مسألة واحدة ألا وهي تحليل الميتة , ومع ذلك يقول الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم في هذه القضية الجزئية التي ربما عدها من العصريين من القشور وإن أطعتم هؤلاء المشركين واتبعتموهم فيما قالوا من تحليل الميتة إنكم إذن لمشركون .
فكيف بمن يتبع هذه المجالس التي ما قامت أصلاً إلا على أساس التحليل والتحريم , والتي أعطت لنفسها حق التشريع المطلق إلا فيما يخالف دساتيرهم , والتي أملتها أهواؤهم وأنتجتها أفكارهم وصاغتها شهواتهم , إن هؤلاء البرلمانيين لا يحتاجون فيما يحللونه ويحرمونه مما يصادم الشرع ويناقض أحكامه إلى شبهة شرعية يتعلقون بها ليذروها في أعين السُذج الجهلة , فهم لا يلقون للشرع بالاً ولا يقيمون له وزناً وإنما يشرعون ويقترحون ويرتؤون بمجرد نظرهم وبحسب ما تمليه أهواؤهم التي يسمونها مصالح ! فأُحِل الربا باسم المصلحة الاقتصادية , واستُحِل الزنا والخنا باسم الحريات الشخصية , وأُبِيحت الخمور والخمّارات تحت شعار السياحة والترفيه , فإننا نعلم مثلاً أن الخمر محرّم في دين الله تعالى تحريماً قطعياً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة , فلو أن برلمانياً أحمق أراد أن يقترح رفع الحظر عن بيع وتجارة الخمر لرفع اقتصاد البلاد المنهار لمدة سنة أو سنتين أو أبد الآباد أو لأجل الترويح عن السياح الوافِدين فليس عليه في ذلك مؤاخذة ولا يبقى إلا إقرار الأغلبية لهذا المشروع الاقتصادي الكبير ! فمتى أقرته الأغلبية البرلمانية صار بيع الخمر والإتجار فيه مباحاً ليس لأحد أن ينكره , ومن خالف التشريع البرلماني عرّض نفسه للملاحقة والعقوبة , فصاحب الفاحشة الكبرى فعلة قوم لوط يريد تشريعاً ينتفع به إخوانه ومشاكلوه , والزناة المُجّان يقترحون أنظمة تحفظ لهم فحشهم ومجونهم وخلاعتهم , والمرابون يقدمون تشريعات تضاعف لهم أموالهم وتصون رباهم , والخمّارون السِّكِّيرون يعرضون ما يبقي لهم خمورهم وخمّاراتهم ويحصِّن كل عربيد سِكِّير مثلهم , والمخنثون يشرعون ما يضمن لهم تخنثهم وتميعهم , وهلم جراً.
فكل هذه الموبِقات والانحطاطات والفواحش والمنكرات من حق البرلماني أن يعرضها على إخوانه البرلمانيين لتُقرّ كقانون ما لم تخالف الدستور وليس الشرع ! ويجب على الجميع التزامها واحترامها وتقديسها وعدم التعرض لها إن خرجت من تحت قبة مجلس الأرباب , ونعوذ بالله من الحور بعد الكور , وهكذا كل قانون يراد تمريره وتقريره وتشريعه بشرط واحد وهو ألا يصطدم مع دستور البلاد الذي يُقسِم كل برلماني على احترامه , أما لو صادم كل نصوص الشرع بل لو صادم الشرع كله فالربوبية البرلمانية أولى وأعلى وأغلى وبالتالي فهي تكفل له الاعتماد وقوة الإلزام لأنها في النظام الديمقراطي فوق كل ربوبية وسيادتها تعلو كل سيادة.
ثالثاً:
إن الحكم على أي شيء بأنه حق أو باطل أو جائز أو محرم أو ممنوع أو مرخص فيه إنما مرجعه في دين الإسلام إلى الدليل الشرعي الخالص : كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , أو ما كان تابعاً لهما ومستنبطاً منهما كالإجماع والقياس , ومثل هذه الأوصاف والأحكام لا تثبت لا بمجرد العقل ولا الذوق ولا الرغبة ولا تقررها خبرة مجردة ولا تجربة عميقة , وهو حق رباني خاص خالص لا تكتسبه أية طائفة تحت أي وصف من الأوصاف ككونها سياسية أو أغلبية أو عربية أو أعجمية أو غير ذلك , فما كان حقاً فبالشرع ثبت له هذا الوصف وليس لأي جهة أن تنزعه عنه , وما كان باطلاً فبالشرع استحق هذا الوصف وليس لأي جهة أن تسلبه إياه , ولو اجتمع أهل السموات والأرض لأن يحقوا ما أبطله الشرع أو يبطلوا ما أباحه الشرع أو يذموا ما مدحه الشرع أو يمدحوا ما ذمه الشرع فإنهم لن يستطيعوا ذلك تحت أية دعوى فيبقى الحق حقاً والباطل باطلاً والهدى هدى والضلال ضلالاً , وترجع مقترحاتهم وآراؤهم خائبة خاسرة.
هذا ما يقرره الإسلام وما يجب أن يعتقده كل مسلم , أما في دين الديمقراطية فإن الحكم على الشيء بكونه صحيحاً أو باطلاً , حسناً أو قبيحاً , تقدماً أو رجعية , ممدوحاً أو مذموماً , إنما هو للأغلبية البرلمانية التي نابت عن الشعب , وليست هذه المسألة هي عين ما ذكرته من قبل من إعطاء حق التشريع للبرلمان وفق النظام الديمقراطي وإن شابهتها , فحق التشريع ثابت لكل البرلمانيين فلكل واحد أن يقدم من المشاريع والقوانين والمقترحات ما يحب ويهوى ما لم يخالف دستورهم, إلا أن تلك القوانين إنما تأخذ شرعيتها وتصحيحها وتحسينها ومدحها من تصويت الأغلبية عليها , والمصيبة الأعظم والموبقة الأطم أن هذا القانون حينما يخرج من تحت قبة البرلمان فإنه يخرج باسم الجميع , فكل عضو من أعضاء البرلمان يعد مقراً وموافقاً ومعترفاً بشرعية القانون , وعلى هذا فإن تشريع القوانين أياً كانت في مجالس الأرباب يمر في الجملة بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى:
هي تقديم المقترح من قبل العضو البرلماني , وكل يعمل على شاكلته , والإطار الوحيد الذي يسير عليه الجميع ويلتزمون سِكّته هو عدم خروجهم عن حدود دستورهم الذي ارتضوه وتواطؤوا عليه , لا اتباعاً للشرع وإنما تقديماً وتقديساً للأهواء.
المرحلة الثانية:
وهي التي نتحدث عنها هنا وهي التصويت على هذا القانون وتقليب الآراء وإبداء المقترحات والتعديلات , فبعدما يُقدَّم القانون من قبل مقترحه إلى إخوانه البرلمانيين فيدلي كل واحد منهم بدلوه إن شاء اعترض وإن شاء وافق وإن شاء عدّل وإن شاء سكت , فإن صوّت على هذا القانون أكثر البرلمانيين فعندها يأخذ هذا القانون طريقه إلى الشرعية.
المرحلة الثالثة:
وهي خروج هذا القانون من تحت قبة البرلمان , إما مباشرة وإما بتصديق الرؤساء والملوك عليه بحسب دستور كل دولة وأهواء ساستها , فحينما يخرج هذا القانون من قبة البرلمان فلا يخرج باسم الأغلبية فحسب بل يكون كل عضو من أعضاء البرلمان مشاركاً في إضفاء الشرعية عليه واعتباره أحد القوانين المقدسة الملزمة التي يجب على الجميع أن يلتزموه ويتقيدوا به , وأضرب لذلك مثلاً يتضح به الوجه العبوس الذميم لدين الديمقراطية الأثيم الذي يحاول الكثيرون جاهدين تحسينه وتزيينه وإخفاء قبائحه عن الناس ,
فلو أن رجلاً برلمانياً ساقطاً اقترح أن تنشأ صالات أفراح علنية لتزاوج الرجال فيما بينهم , ولم يخرج في مقترحه عن حدود الدستور , فعندها يشرع البرلمانيون في مناقشة هذا المقترح , ويبدي كل منهم رأيه سواء كان معارضة أم موافقة أم تعديلاً أم سكوتاً , فما أن تنتهي المناقشات والاقتراحات والخيرة من أمرهم حتى يشرع في التصويت والذي يعني معرفة إن كان الموافقون على القانون هم الأكثرية أم لا , فإذا صوّت على هذا القانون أكثرية البرلمانيين واعترض أو سكت الأقلون فعندها يصبح إنشاء صالات أفراح لزواج الرجل بالرجل قانوناً شرعياً معتمداً من قبل البرلمان , وليس من قبل الأكثرية فحسب , فالاعتراض الرسمي إنما يكون فقط على المقترح قبل إقراره واعتماده أما بعد إقراره من البرلمان وتصويت الأكثرية عليه فلا وجه للاعتراض لأنه صار قانوناً مصبوغاً بالصبغة الشرعية وهي خروجه من قِبَل البرلمان , وإذ ذاك كذلك فعليهم جميعاً أقلية كانوا أم أكثرية أن يقولوا آمنا به كل من عند برلماننا !! وهذه أكبر طامة يقع فيها البرلمانيون الإسلاميون , وكثير من الناس لا يدركون هذه الحقيقة ويحسبون أن الأمر لا يعدوا أن يكون تقليلاً للمفاسد أو كبحاً للتمادي في التشريعات المخالفة للشرع أو تحصيلاً
لبعض المصالح من خلال القنوات الرسمية كما يسمونها , ولهذا قلت ولا زلت أقول لو أن برلماناً من البرلمانات قدّم أحكام الشرع كمقترحات تُقبل أو لا تُقبل ونظر فيها نظر الباحث المتفحص الذي يسعه القبول أو الرد لا نظر المستسلم المنقاد المذعن الخاضع , ثم أقر البرلمان بالإجماع تطبيق أحكام الشرع فإن هذا لا يخرجه عن كونه برلماناً كفرياً شركياً طاغوتياً , ولا يخرج تلك الأحكام التي أقرها ووافق عليها عن كونها قانوناً وضعياً تواطأ على قبوله مجموعة من البشر بحجج وافقت أهواءهم يوشك أن ينقضوها أو ينقضها غيرهم أول ما تتبدل الآراء والأهواء , هذا سوى أن الشرع لم يجعل للأكثرية عصمة ولا قدسية ولا ميزة بل لا تكاد تراها في الكتاب العزيز إلا مذمومة كما قال تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } , وقال عز وجل : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } , وقال سبحانه :
{ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } , وقال سبحانه :
{ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } , وقال عز وجل : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا } , وقال عز من قائل : { وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ } .
والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة , فما الذي جعل ميزان الأكثرية في عصر الديمقراطية ميزاناً صحيحاً ومرجحاً منضبطاً ومشرعاً مسدداً وحكماً مقسطاً ؟ { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } .
هذا وقد كتب عن هذا الدين الجديد أعني دين الديمقراطية الكثيرون من العلماء والدعاة وبينوا قبحها وأظهروا حقيقتها حتى يكون الناس على بينة من أمرها وإنما أردت هنا الإشارة فقط إلى بعض أهم تلك الطوام والدعائم التي تقوم عليها الديمقراطية , وإلا فلو ذهبنا نتتبع السبل الشيطانية التي اشتملت عليها لطال بنا المقام , وقد طال والله المستعان.
بقي أخيراً أن أنبه أن ما قلته هنا إنما قصدت به بيان شيء من النواقض الجلية التي يتضمنها دين الديمقراطية ليتصورها المسلم تصوراً صحيحاً ويحذر من الانزلاق فيها والتلبس بها فيفرِّط في دينه وهو أعز ما يملكه , والخسارة فيه خسارة كل شيء , وعليه فليس المقصود هنا هو البحث عن حكم أعيان الأشخاص الذين ابتُلوا بالدخول في هذا الدين الجديد , وما ذكرته من الحكم على الديمقراطية لا يستلزم الحكم على من مارسها جاهلاً أو مُتأولاً , فبيان الحقائق العلمية الشرعية مجردة شيء وتنزيلها على الأعيان شيء آخر.
نسأل الله أن يهدينا ويثبتنا ويربط على قلوبنا حتى نلقاه على سبيل الحق والهدى غير مبدلين ولا مغيرين والحمد لله رب العالمين .
للشيخ المجاهد أبي يحيى الليبي حفظه الله